مساحة للحكاية، ووقت لك← من سمح له بالسعي إلى الخلود
الفصل 34: ملوك الأعشاب الصغارنحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 34: ملوك الأعشاب الصغار

الفصل 34: ملوك الأعشاب الصغار

"في ذلك الزمان حين كنتُ أجوب أرجاء القارة الوسطى، صنعتُ لنفسي صيتاً وشهرة مدوية. ولولا أن أحدهم نشر شائعات خبيثة تروّج لفعاليتي الخارقة في تعزيز طاقة 'اليانغ' والفحولة، لما اضطررتُ للجوء إلى طائفة السعي نحو الداو للاحتماء بها، ولكنتُ ما أزال أطوف العالم حراً طليقاً حتى اليوم."

"وكان الرفيق الذي ارتحل معي شخصية مرموقة وعلماً بارزاً بين بني البشر، يُدعى 'المتعبد غويوي' (الناسك غويوي). وحين أودعني أمانةً لدى طائفة السعي نحو الداو، قطع لي عهداً بأن يخلد ذكري في كتابه حتى تذكرني الأجيال القادمة."

كان "المتعبد غويوي" رحالة أسطورياً ذائع الصيت في ربوع القارة الوسطى؛ كان متيماً بالمغامرات وارتياد الآفاق والمجاهل، وترك بصماته في القارة الوسطى، و"إقليم الشياطين"، و"مملكة البوذيين"، وسارت بأخباره وحكاياته الركبان في شتى الأصقاع.

وتناقلت الروايات أنه خدم ذات يوم ككاتب ومؤرخ رسمي في بلاط سلالة شيا العظيمة، حيث دأب على التدوين الدقيق والمفصل للمغامرات العاطفية لإمبراطور شيا وأبنائه غير الشرعيين الكُثُر!

وفي "إقليم الشياطين"، اختطفته أميرة قبيلة التنانين محاولةً إجباره على الزواج منها قسراً. لكنه استطاع الفرار بحيلة ماكرة، فظلت تطارده وتتعقبه بلا هوادة حتى حدود مملكة البوذيين طلباً لرأسه.

أما في مملكة البوذيين، فقد ادعى الرهبنة وتظاهر بأنه راهب بوذي، محترفاً أساليب الاحتيال والدهاء؛ وكلما حاصره أحد الخصوم بثغرة في منطقه أو طرح عليه معضلة يعجز عن حلها، تملص بوقار مصطنع قائلاً: "بوذا يقول: هذا سر لا يجوز البوح به!"، ولاحقاً استحالت هذه العبارة مثلاً شائعاً يتردد على كل لسان في تلك المملكة.

كما جمع المتعبد غويوي غرائب رحلاته ومشاهداته في كتاب نفيس، لاقى رواجاً كبيراً وأصبح من أكثر الكتب تداولاً في عالم الزراعة.

ورغم أن السجلات القديمة لم توثق صراحةً مستوى زراعة المتعبد غويوي، إلا أن لو يانغ خمن في سره أنها لا بد وأن تكون بالغة العلو والمنعة؛ إذ لو كانت زراعته أدنى من ذلك بقليل، لكان قد ضُرب حتى الموت ألف مرة منذ أمد بعيد!

كانت دمية الجينسنغ معلماً استثنائياً؛ إذ أخذت تسرد الحكايات من واقع تجاربها الحية، حتى إنها كشفت عن مشاركتها للمتعبد غويوي في اكتشاف العديد من فصائل النباتات المزروعة حالياً في حديقة الأعشاب. وكلما استرسلت في الحديث، غرق لو يانغ في الإصغاء إليها بذهول وشغف.

وصل ثنائي الإنسان والجينسنغ أمام كوخ صغير بدا وكأنه شُيّد من الزهور والأعشاب الغضة. وكلما اقتربا من الكوخ، انبعثت منه طاقة حياة حيوية ملموسة وكثيفة جعلت نبضات قلب لو يانغ تتسارع باضطراب.

"هناك خطب ما!" ضغط لو يانغ على صدره بكلتا يديه، وبدأ جسده يرتعد دون إرادة منه.

دوم، دوم، دوم…

تسارعت نبضات قلبه بجنون؛ وشعر وكأن أسراباً لا حصر لها من الحشرات الدقيقة تحوم حول أذنيه وتطن بلا انقطاع.

وحين أصاخ السمع بتركيز أعمق، غاص قلبه في برودة قارسة، وسرى صقيع مرعب على طول عموده الفقري: هذا ليس طنين حشرات صغيرة… بل هي أصوات أناس لا يُحصى عددهم يتحدثون جميعاً في آنٍ واحد من داخل جسدي!

كانت تلك الأصوات تصرخ فيه بأنها سجينة ومحبوسة في أحشائه وتريد الخروج والتحرر…

كانت دمية الجينسنغ أول من استشعر اضطراب لو يانغ، فهتفت بصوت حاد جهوري: "هاي هاي هاي! هناك دخيل بشري هنا! أنتم جميعاً، اسحبوا طاقة حياتكم الحيوية واكبحوها سريعاً!"

فعّل لو يانغ تقنية زراعته فوراً وقمع دماءه التي كادت تغلي في عروقه، وحينها فقط بدأت تلك الأصوات الغريبة في الخفوت والتبدد تدريجياً. سقط على ركبتيه على الأرض يلهث بأنفاس متقطعة؛ فكل ما اختبره للتو لم يكن وهماً أو خيالاً، بل كان هناك شيء حقيقي يتململ في أحشائه: ما الذي كان ذلك بحق الجحيم؟!

وضعت دمية الجينسنغ الأحجار الروحية المستهلكة جانباً، وهرعت نحو لو يانغ وهي تتأرجح صعوداً وهبوطاً، وقالت بنبرة ملؤها الاعتذار: "أعتذر منك بشدة، لم يخطر ببالي قط أنك لم تبلغ مرحلة الروح الوليدة بعد."

على النقيض من البشر، لم يكن ملوك الأعشاب يقيسون مكانتهم بدرجات الزراعة، بل بأعمارهم وسني بقائهم؛ لذا عجزت دمية الجينسنغ عن تمييز مستوى زراعة لو يانغ، واكتفت باستحسان مظهره وأنه مريح للنظر.

سأل لو يانغ بصوت متهدج ولم يستفق تماماً من هول الصدمة بعد: "ما… ما كان ذلك الشيء؟" شعر وكأنه عاد للتو من جولة مروعة في غياهب الجحيم.

أوضحت الدمية: "إن زراعة الصغير با وتلك الشيطانة تُعد فائقة العلو والشأن بين معشر البشر، لذا غاب عن بالي مدى التأثير الساحق الذي قد تفرضه طاقة حياتنا الحيوية عليك. فطاقتنا غامرة وفياضة لدرجة تجعل كل عضو في جسدك يشعر وكأنه قد طوّر وعيه الخاص واستحال إلى كيان حي منفصل! وحين تبلغ مرحلة الروح الوليدة، وتكتمل مسارات الطاقة وتنسد منافذ الثغرات والضعف في بدنك، فلن تتأثر بطاقتنا الحيوية مجدداً."

وعلى وقع الصخب والنداءات من جهة دمية الجينسنغ، قفزت حشود من الأعشاب الصغيرة — التي لا يتجاوز طول كل منها ثلاثة أشبار — مقتربةً من لو يانغ في فضول:

"يا ملك الجينسنغ، من يكون هذا الشخص؟ ولماذا هو ضئيل الحجم هكذا؟"

"أتسمي هذا ضئيلاً؟! إنه يماثلنا في القامة تماماً! أتحسب نفسك ضئيلاً أنت الآخر؟!"

"لا بد أنه سحر! تعاويذ البشر غامضة وإعجازية، وتصغير الجسد وتكبيره ليس بالأمر الغريب لديهم؛ بل لقد رأيتُ ذكوراً يتحولون إلى إناث، وبشراً يستحيلون إلى شياطين!"

"لكن زراعة هذا البشري لا تبدو رفيعة على الإطلاق؟ ألم يبلغ 'مرحلة الحَمل' بعد؟"

"أي مرحلة حمل يا هذا؟! يبدو أن ذاكرتك قد أصابها الخرف يا ملك التشي لين؛ اسمها مرحلة 'الروح الوليدة'[1]!"

"لا يبدو ثابتاً على قدميه؛ هلموا بنا نحمله إلى داخل الكوخ."

أخذ صغار ملوك الأعشاب يتهامسون ويتناقشون فيما بينهم بصوت خفيض، وكان طنين نقاشهم مزعجاً لمسامع لو يانغ. رفعوه أولاً فوق رؤوسهم الصغيرة، ثم حملوه مجتمعين إلى داخل الكوخ.

وقفت شجرة استنارة الداو في الخارج، تحك جذعها الضخم بالأغصان مسببة حفيفاً متواصلاً في أوراقها؛ فقد كان رأسها أضخم بكثير من أن يدلف إلى جوف الكوخ الصغير.

وحين استقر لو يانغ بالداخل، أدرك أن هذا الكوخ لم يُبنَ من الحشائش والأزهار، بل من ألواح خشب عتيق؛ وتحت وطأة طاقة الحياة الفياضة المنبعثة من ملوك الأعشاب، بدت تلك الأخشاب وكأنها في ربيع أبدي دائم، فأنبتت براعم خضراء وأزهاراً يانعة غطت معالم الخشب الأصلية بالكامل.

تحسنت حال لو يانغ كثيراً، فنهض ببطء وأخذ يتأمل ملوك الأعشاب محاولاً التمييز بينهم…

ويا للمفاجأة! أنا لا أعرف ولا نبتة واحدة من بينها على الإطلاق!

سألته عُشبة صغيرة ذات ثلاث وريقات غضة: "أيها البشري، ما هو اسمك؟" كان جسدها بأكمله فضي اللون، وتلألأت على أوراقها ومضات كنور النجوم، كأنها نموذج مصغر لصفحة السماء في ليلة صيف.

أجاب لو يانغ بتهذيب وتوقير: "اسمي لو يانغ. أيها السلف الفاضل، هل لي أن أعرف من تكون…؟" فبناءً على أعمارهم الموغلة في القدم، لم يكن هؤلاء الملوك الصغار أسلافاً له فحسب، بل كانوا بمثابة أسلاف لكافة منتسبي طائفة السعي نحو الداو دون استثناء!

سارع ملك عشب آخر للإجابة: "اسمها 'عشبة النجوم ثلاثية الأوراق'، وكلنا نناديها هنا بـ 'ملك النجوم'." كانت النبتة المجيبة زهرة زاهية متعددة الألوان، تتطابق كل ورقة من أوراقها مع أحد العناصر الخمسة؛ بينما انقسم مركز بتلاتها إلى لونين — أسود وأبيض — بنقطة بيضاء في السواد ونقطة سوداء في البياض، مشكّلة رمز الـ "تايجي" (الين واليانغ). وبدت كلوحة حبر ساحرة تكاد تسلب لبّ الناظر وتبتلع روحه.

تابعت الزهرة كلامها دون توقف: "أما أنا، فأُدعى 'زهرة منتهى الزمن'. يمكنك مناداتي ببساطة بـ 'ملك المنتهى'. الجميع يجمعون على أنني أجمل زهرة في الوجود؛ لكنني أرى أن ذلك نابع من غيرة أحدهم من جاذبيتي الفاتنة فيحاول إحباطي بإغداق المديح المفرط عليّ! وبوصفي ملك أعشاب متواضعاً بطبعي، فأنا أعتبر نفسي الزهرة 'الثانية' في الجمال على مستوى العالم فحسب…"

حدق لو يانغ في زهرة منتهى الزمن لثانيتين، واتسع بؤبؤا عينيه بذهول مطبق؛ فرغم أنه لم يرَ هيئة زهرة منتهى الزمن من قبل، إلا أن شهرتها الأسطورية كانت تسبقها في كل كتاب!

"زهرة منتهى الزمن… أليست هي تلك الزهرة التي يُقال إنها تزهر بجمال باهر يجعل الزمان ذاته يتوقف عن الجريان، لكن ذلك لا يحدث إلا حين تدنو نهاية العالم وتغرق الخلائق في أتون الفناء والدمار الشامل؟!"

لم يكن لو يانغ ليُلام على هذا القدر من الذهول؛ فالسجلات القديمة أكدت قاطعةً أن تفتح زهرة منتهى الزمن ينذر بزوال الكون وإعادة ضبط العالم بالكامل!

لكن بحسب كل ما قرأته في المخطوطات القديمة، فإن كارثة كونية بهذا الحجم لم تقع قط في تاريخ الوجود!

حكت زهرة منتهى الزمن كأس رحيقها وقالت بحيرة: "لقد قال أحدهم هذا الكلام بالفعل، لكنني أتذكر جيداً أنني تفتحتُ وأزهرتُ في أزمنة سادها السلام والوئام التام؛ كان الجميع يمرحون في سعادة ورخاء، ولم أعاين أي كوارث أو دمار. لعله مجرد شائعة تافهة نسجتها عقول البشر حول تفتحي."

وقبل أن يتمكن لو يانغ من الاستفسار أكثر، قاطعه صوت ملك عشب صغير آخر: "لو يانغ، ما الذي أتى بك إلى حديقة الأعشاب؟ هل أرسلك الصغير با لقطف بعض النباتات؟" كان المتحدث كائناً صغيراً بهيئة "تشي لين" (Qilin) أخضر بلون اليشم، وبدا كتحفة فنية بديعة نُحتت من أنفس أحجار اليشم، بمظهر أثيري لا ينتمي لعالم الفانين.

تراجع لو يانغ مذهولاً من جديد: "تشي لين؟!"

التشي لين هو أحد أندر الوحوش الشيطانية وأكثرها قداسة وغموضاً؛ ومجرد العثور على واحد أو اثنين في العالم بأسره يُعد معجزة خارقة! إنهم أندر بكثير من مزارعي مرحلة تجاوز المحنة، ولا يمكن تلمس آثارهم إلا عبر شذرات مبتورة في المخطوطات الغابرة. والآن، تخبرونني أن هناك واحداً يقبع هنا في طائفة السعي نحو الداو؟!

إن عمق أسس طائفة السعي نحو الداو كان مهيباً ومرعباً لدرجة تجاوزت أعتى خيالات لو يانغ جنوناً!

أوضحت دمية الجينسنغ الأمر مهدئةً روعه: "إنها 'عشبة خلود التشي لين'. وهيئته الحالية ليست سوى جسد الدارما الخاص به؛ فزراعتك لا تزال قاصرة، وحين تبلغ مرحلة التحول السامي وتصقل 'العين السماوية'، ستتمكن حينها من رؤية هيئته الحقيقية كعشبة بكل جلاء."

الهوامش:

[1] المصطلح الصيني الأصلي لـ "الروح الوليدة" (Nascent Soul / 元婴 – Yuanying) يحوي الرمز الدال على "الطفل الرضيع"؛ ولهذا السبب تسخر النبتة وتخلط بينه وبين مفهوم "مرحلة الحمل أو تكوين الرضيع"، وهو أيضاً السبب وراء تصوير هذه المرحلة في روايات الزراعة الصينية (Xianxia) على أنها ولادة طفل روحي متكثف داخل منطقة الدانتيان للمزارع.

خواطر المترجم (راكومون):

التشي لين (Qilin / 麒麟):

هو أحد أشهر المخلوقات الأسطورية في الميثولوجيا الصينية، ويُعرف بكونه كائناً خيّراً ومسالماً للغاية، ويُعد رمزاً مطلقاً للبركة والنقاء وحسن الطالع. ومن أبرز سماته الجسدية قرونه وحراشفه الشبيهة بالتنين.

وإن كنتم تتساءلون عن كيفية نطق اسمه، فإن أقرب نطق له بالإنجليزية هو "تشي-لين".

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.