الفصل 690: همسات الشر ( الجزء الأول )
ترجمة: MuhamedR
الفصل 690: همسات الشر (الجزء الأول)
بعد الغداء — أو بالأحرى، بعد تناول وعاء صغير من عصيدة القمح الرقيقة والمُرّة — استقرّت المجموعة بقيادة تشادويك والعم هاوزر في الطابق الأعلى من الأنفاق، أو ربما في أكثر مستوياتها عزلة. لم يكن المكان بعيدًا عن أقرب مخرج إلى سطح الأرض، لكنه كان بعيدًا عن بقية "السكان" المحليين، إذ جعل اقتحام جلوفر العنيف وجودهم غير مرحب به.
بعد انتهاء العملية الجراحية، استلقت كاثرين على الفراش وغرقت في نوم عميق. وقف تشادويك بجانبها يتمتم بصلاة، بينما ظل رالف متكئًا في إحدى الزوايا، يراقب المشهد بتعبير معقد.
أشعلت دوروثي الموقد وأعدّت قدر الطهي، في حين وقفت الجدة غاداما واضعة يديها على خصرها، توجه ورنياك وبوبو وهما يلهثان ويتصببان عرقًا أثناء ترتيبهما بقية الأفرشة.
أما جلوفر، فكان ينبش كومة من الأغراض القديمة — أو بالأحرى، القمامة — محاولًا جاهدًا العثور على سلاح.
"أهذا كل ما استطعت انتزاعه منها؟"
تحدثت هيلي وتاليس بصوت خافت بجوار الموقد. وكانت الأولى تستجوب الفتى بغضب:
"مجرد لقب سخيف — لوزان الثاني؟"
بدا الحرج على وجه تاليس.
لقد فقدت كاثرين وعيها فور انتهاء العملية الجراحية، فماذا كان بوسعه أن يفعل؟
"ليس هذا فحسب"، حاول الفتى جاهدًا إنقاذ شيء من ماء وجهه. "على الأقل، نحن… إذًا، ما الذي تريدين معرفته؟"
"أشياء كثيرة للغاية!"
بسطت هيلي راحتيها، وأخذت تعدد الأسئلة وهي تنقر بأصابعها واحدًا تلو الآخر:
"متى كانت آخر مرة قابلت فيها أحدًا من زهرة السوسن ثلاثية الألوان؟ وما الأوامر التي تلقتها؟ وما الذي فعلته بالضبط؟ وهل لاحظت أي أمور مريبة؟ وماذا حدث لعصابة زجاجة الدم؟ وكيف وجّهت إدارة الاستخبارات السرية ضربتها إليهم؟ وما الذي يخطط له زاين؟…"
شعر تاليس بأن رأسه يكاد يدور من شدة توبيخها، لكن صوت سليماني انطلق في تلك اللحظة من الجهة المقابلة:
"مهلًا، يا سيد السحر! هل حسم الأخ الصغير وايا والآنسة وايانا أمرهما؟ إلى أين سنذهب بعد ذلك؟"
استدار تاليس وهيلي في اللحظة نفسها، ونظرا إليه بامتعاض.
كان سليماني جاثمًا على الأرض الرطبة، مرتبكًا وحائرًا أمام فراش مصنوع من القش.
"سنغادر عندما يحل الظلام. لا تقلق، فهذا المكان آمن جدًا…"
"كفّ عن المماطلة!" رفع سليماني صوته.
من الواضح أن أحداث اليوم جعلته متوترًا إلى أقصى حد.
"الشخص الذي نزل إلى هنا للتو هو جارتنا الطيبة، شفرة مدينة اليشم، كاثرين، زعيمة عصابة زجاجة الدم!" ثبت سليماني عينيه على كاثرين الممددة على الأرض. "أعرفها، أتذكرها! عندما كنت أعمل في مركز الشرطة، كان أتباعها يأتون كثيرًا لشرب الشاي عندنا!"
تبادل تاليس وهيلي النظرات.
"ماذا؟"
استدار العم هاوزر، الذي كان منشغلًا ببعض الأعمال، عندما سمع ذلك، وأخذ يتفحص يدي سليماني اللتين بدا عليهما الترف، وكذلك هيئته المدللة.
"أكنت من ذوي الجلود الخضراء؟"**
**(م.م: يطلقون على الشرطة "ذوي الجلود الخضراء" بسبب زيهم الرسمي الأخضر وعلى فيلق الزمرد تحت قيادة سيشيل "القبعات الخضراء")
"نعم، هذا صحيح". شعر المحامي بشيء من الحرج في البداية، فشفط بطنه تلقائيًا ونفخ صدره، لكنه سرعان ما أدرك شيئًا، وابتسم ابتسامة مريرة. "أعلم، لا أبدو كذلك، أليس كذلك؟ لم أكن أخرج إلى الشوارع كثيرًا".
"بل على العكس تمامًا". شخر هاوزر وعاد إلى عمله، ولم يستطع إخفاء الازدراء في صوته. "أنت تشبههم تمامًا، اللعنة".
أحرجه موقف هاوزر، فاقترب سليماني من الموقد وحدّق في تاليس.
"هيا، زعيمة عصابة تهرب إلى هنا، ومعها هذان البلطجيان الملطخان بالدماء… لا بد أن تخبرني بما يحدث هنا بالضبط!"
نظر تاليس إلى هيلي، فهزت كتفيها إشارة إلى أنه يستطيع الكلام.
حسنًا.
لم يجد الفتى بدًا من التنهد قبل أن يقول:
"لنقل إن وضع كاثرين الحالي يشبه وضعك إلى حد بعيد. والفرق أنك أكثر حظًا، لأنك التقيت بنا".
"يشبه وضعي؟ لكنني كنت…"
بدا الارتباك على سليماني، ثم اتسعت عيناه صدمةً.
"حتى زعيمة عصابة زجاجة الدم… لا، الدوق، اللورد زاين! هل جُنّ جنونه؟"
"ربما بلغ به اليأس مبلغًا كبيرًا فحسب"، تمتم تاليس متأملًا. "عندما تصبح الحياة معلقة بخيط رفيع، لا بد للمرء أن يقاوم بكل ما أوتي من قوة".
شعر سليماني بأن الأمور تزداد سوءًا، فازداد قلقه.
"لا، لا، لا! الناس يموتون في مدينة اليشم، وقصر السماء الساطعة يُسكت الجميع في كل مكان، وحتى عصابة زجاجة الدم… ستغرق مدينة اليشم في فوضى عارمة، أليس كذلك؟"
استعادت هيلي جديتها، وبرقت عيناها ببرود.
"لذا، تعاون معنا في أسرع وقت وأخبرنا بكل ما تعرفه. ربما لا يزال بإمكاننا قلب الموازين".
"قلب الموازين؟ كفّي عن المزاح! أتظنين أنكم قادرون على ذلك؟"
كان سليماني مضطربًا عاطفيًا، وأخذ انفعاله يتصاعد أكثر فأكثر.
رفعت هيلي حاجبيها.
"لسنا نحن، بل سيدنا. كما تعلم، فهو ذو مكانة نبيلة، ويمتلك أساليب استثنائية…"
تنهد تاليس من جانبه بعجز.
"انسوا الأمر، فسيدكم هو أصل هذه الفوضى". بدا أن صبر سليماني قد نفد تمامًا، وأخذ يتكلم بسرعة متزايدة. "منذ حادثة تاجر النبيذ، إلى تاجر الصوف، والآن كل شيء بدأ منذ وصوله! لولا أنه جاء إلى مدينة اليشم، لما حدث شيء من هذا! ولما اضطررت أنا إلى… إلى…"
دفن سليماني رأسه بين يديه، وقد استولى عليه الإحباط.
رفع تاليس حاجبيه.
"أمتأكد من ذلك؟"
"بالطبع!"
رفع سليماني رأسه مستاءً، وقال:
"لقد عشت في مدينة اليشم كل هذه السنوات، من عهد الدوق لينستر إلى عهد الدوق زاين، ولم أرها تسوء إلى هذا الحد قط!"
شمّ سليماني أنفه، ثم رفع رأسه وألقى نظرة حوله.
"وحده الإله يعلم كيف انتهى بي المطاف في هذا المكان المنسي! المجاري المليئة بالجرذان والصراصير، والجو البارد والرطب والقذر والمظلم…"
طَــــنْغ!
دوّى فجأة صوت ارتطام معدني حاد، فانتفض سليماني في مكانه!
"لا تنسَ أن هذا المكان المنسي، وهذه المجاري، هما من أنقذا حياتك".
مرّت الجدة غاداما من أمامهم، تحمل قدرًا على ظهرها ومغرفة في يدها، وقد ارتسمت على وجهها سخرية لاذعة.
"بالطبع، معظم من يعيشون هنا لا يملكون حياة ثمينة مثل حياتك، يا سيدي المبجل!"
"بـ… بالطبع". أدرك سليماني وضعه الحالي، فسارع إلى تغيير تعبير وجهه. "أعني، شكرًا لكم! أنتم جميعًا أناس طيبون!"
"أناس طيبون؟ لا تتسرع في الحكم". رمقته الجدة غاداما بازدراء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مريبة. "أنت لا تعرف شيئًا عن غيلان الماء".
كان تعبير المرأة العجوز ونبرة صوتها مخيفين بما يكفي، ومع عتمة المكان، ابتلع سليماني ريقه وقال:
"مهلًا، أليس الكاهن تشادويك هو من أنشأ هذا المكان؟ لتقديم الإغاثة الخيرية؟"
أطلق العم هاوزر، الذي كان يدير ظهره لهم، ضحكة ساخرة.
تردد سليماني قبل أن يسأل:
"أهو من تكفّل بهؤلاء… هؤلاء…؟"
"أتريد أن تقول الوحوش؟ أم المسوخ؟" شخر ورنياك ببرود، وكان قد انتهى لتوه من عمله وجلس قبالتهم.
"آسف". تغير تعبير وجه سليماني، فسارع إلى خفض رأسه. "لا، لم أقصد ذلك".
"حقًا؟"
سخرت هيلي، وهي تهز يدها المغطاة بالقفاز عمدًا، أو ربما من دون قصد.
"إذًا، ألقِ نظرة حولك: الأقزام، والبلهاء، وأصحاب الأورام، وأصحاب الأجساد الشبيهة بالفقمات، وذوو أيدي الكركند، والمكسوون بالشعر، وعديمو الرؤوس، وذوو الرأسين، وبالطبع، أصحاب الأصابع الزائدة…"
"وايانا!"
ضغط تاليس على يدها برفق وهز رأسه.
نظرت هيلي إليه بصمت.
وبعد بضع ثوانٍ، سحبت يدها.
أطلق ورنياك، الجالس في الجهة المقابلة، شخيرًا مستاءً.
"لا، تشادويك لم يتكفّل بنا. انظروا إلى أعمارنا، هل نبدو أطفالًا يحتاجون إلى من يتبناهم؟"
استدار العم هاوزر وضحك قائلًا:
"كل ما يفعله هو تقديم بعض المساعدة من حين إلى آخر".
قطّب سليماني حاجبيه.
"إذًا، ما حكاية هذا المكان؟"
"إنها قصة قديمة".
تنهد هاوزر.
"أراد أحد دوقات الساحل الجنوبي — وحده الإله يعلم أيّهم — تقليد العاصمة وإعادة بناء شبكة المجاري، لكن المشروع تُرك قبل اكتماله. ومع مرور الوقت، بدأ الناس يسكنون الأنفاق التي لم يكتمل بناؤها، أو لنقل ببساطة إن المسوخ المشوهة هي التي انتقلت إلى هنا…"
أدار تاليس رأسه وألقى نظرة على الأنفاق. كان السكان، بتشوهاتهم المختلفة، أشبه بظلال تتوارى في العتمة. وكان كثيرون منهم شديدي الحساسية تجاه نظرات الآخرين؛ فحين رأوا تاليس ينظر نحوهم، سارع معظمهم إلى خفض رؤوسهم أو إدارة وجوههم أو الانكماش داخل الظلام الأعمق.
وفجأة، تذكّر تاليس المنزل المهجور في الوقت الحالي بعد مرور السنوات، وتذكّر مورتيزا، ذلك البلطجي الأعرج الذي عاش حياة خاملة وهو يحرسه، من دون أن يعلّق أي أمل على العودة إلى الأخوية.
جلس العم هاوزر قرب الموقد، وكانت الطريقة التي لفّ بها البطانية حول جسده بيديه الصغيرتين مثيرة للضحك إلى حد ما.
"على مر السنين، كلما ازدادت مدينة اليشم ازدهارًا وثراءً، وكلما توسعت، ازداد عدد من يعيشون في هذه الأنفاق. من المصابين بالجذام إلى الرضع المشوهين الذين تخلّى عنهم ذووهم، ومن ذوي الإعاقات إلى المجانين، ومن الذين أصيبوا بالشلل بسبب حوادث العمل إلى المصابين بأمراض مستعصية، ومن اللاجئين إلى المعدمين الذين لا أبناء لهم. تحولت هذه الأنفاق إلى بالوعة نتنة تمامًا. أُلقي هنا عدد لا يُحصى من "البشر" الذين يعدّهم العالم في الأعلى غير طبيعيين أو غير مرغوب فيهم أو لا يرحب بهم، أو أُجبروا على المجيء إلى هنا، ثم نسيهم الآخرون وتركوا لهم تدبر أمورهم بأنفسهم…"
شخر ورنياك مستاءً، وبدا الورم الضخم على عنقه أكثر بروزًا وإثارة للنفور.
نظر سليماني إلى الأنفاق الغارقة في السواد، وبدأت ابتسامته تتلاشى تدريجيًا.
"إذن، حتى لا يضطر سكان السطح إلى رؤيتهم، حفاظًا على حضارة مدينة اليشم ونظافتها؟" قال تاليس شارد الذهن.
"ليس هذا فحسب". ضحكت هيلي وهي تفرك يديها. "بل لتطهير "الطبيعيين" من "غير الطبيعيين"".
عقد تاليس حاجبيه قليلًا.
ظل سليماني صامتًا لبعض الوقت.
"وكيف يكسب هؤلاء الناس قوت يومهم؟"
"يعملون في كل شيء".
أشار العم هاوزر إلى كومة الأغراض القديمة خلفه.
"أعمل أنا في إصلاح الأغراض القديمة وتجديدها، وتعمل الجدة غاداما في قراءة الطالع وبيع علاجات معجزة مزيفة، أما دوروثي فتنبش أكوام القمامة التي يلقونها من الأعلى. وأما أمثال ورنياك وبوبو، فيذهبون إلى السيرك لتقديم فقرات هزلية أو القفز عبر أطواق النار، أو يقفون طوال اليوم في معارض المسوخ، ثم يعودون ليلًا. وبالطبع، فإن معظم الناس، مثل المصابين بالجذام… حسنًا، لا يفعلون سوى عدّ الأيام".
ابتسم سليماني ابتسامة متكلفة.
"آه، هذا… على الأقل أنتم تعتمدون على أنفسكم. أنتم… أقوياء ومستقلون للغاية؟"
"لا تظن أن هذا المكان كان "طبيعيًا" إلى هذا الحد منذ البداية". في ضوء النار، حدّق هاوزر في الأنفاق الممتدة إلى ما لا نهاية، والغارقة في السواد. "منذ زمن بعيد، لم تكن أجساد أولئك "البشر" الذين أُجبروا على المجيء إلى هنا وحدها هي المشوهة".
"ماذا تقصد؟"
جلست الجدة غاداما بجوار هاوزر، وأحكمت لفّ البطانية حوله.
"هل سبق أن رأيت طفلًا في السابعة يقتل رجلًا في الستين من عمره من أجل وجبة من لحم الجرذان في القدر؟ أو شخصًا أصمّ يمسكه آخرون ويغمرون رأسه في مياه الصرف الصحي حتى يغرق، لمجرد أن مكان نومه كان أفضل من مكانهم؟ حتى أسطورة غيلان الماء لم تنشأ من فراغ. في ذلك الوقت، كانت أراضي أخوية الشارع الأسود أفضل من هذا المكان".
سخرت الجدة غاداما، ثم أنهت كلامها ونظرت إلى دوروثي وورنياك اللذين عبسا في صمت.
"لا تنظرا إليّ هكذا، فأنا أيضًا سمعت هذه القصص من العجوز باولي".
"نعرف ذلك". هز ورنياك رأسه. "لقد رويتها مرارًا وتكرارًا، ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة".
"حقًا؟" بدا وجه سليماني كئيبًا. "إذًا، لم يعد الوضع على هذا النحو الآن، أليس كذلك؟"
"بفضل الأخت إيلشاغا". تنهد هاوزر. "اكتشفت هذا المكان منذ زمن بعيد، وأمضت عقودًا وهي تدفع أي ثمن لازم لمعاملة المسوخ بوصفهم بشرًا. لم تكتفِ بالإصرار على تقديم الإغاثة، بل عملت جاهدة على إعادة بناء النظام وسط الفوضى الهمجية. وحده الإله يعلم كيف تمكنت من ذلك".
أومأ هاوزر برأسه.
"والأهم من ذلك أنها لم تكشف عن وجود هذا المكان، بل منحت من يعيشون هنا… آخر ما تبقى لهم من كرامة بائسة".
"ما زلت أتذكر آخر مرة نزلت فيها إلى هنا متكئة على عصاها، وكان اللورد تشادويك يسندها. أعطتني إيلشاغا دبوس شعرها، وقالت إن أجلها قد اقترب، وإنها لن تعود بحاجة إليه". اختنق صوت الجدة غاداما قليلًا. "يصعب عليّ أن أصدق أن الأم قد رحلت منذ كل هذا الوقت".
"ذهبت لوضع الزهور على قبرها أول أمس، قبل أن يطردني حفّار القبور". ربت العم هاوزر على يد زوجته. "لتبارك إلهة الغروب روحها".
أدى ورنياك ودوروثي وهاوزر، وحتى بوبو الذي لم يكن يعرف سوى إطلاق أصوات "ووو ووو"، طقوس الصلاة معًا. كان سكان الأنفاق الأصليون يتحركون بتناغم، وقد علت الجدية والخشوع وجوههم، حتى بدوا أكثر التزامًا بطقوس الصلاة من رجال الدين في المعابد.
راقب تاليس هذا المشهد بشيء من الدهشة.
يبدو أن الأم إيلشاغا لم تمنحهم الكرامة والأمل والنظام فحسب، بل منحتهم أيضًا إيمان إلهة الغروب.
ولكن…
"أن يسعى المرء إلى جعل الناس يعيشون كبشر، بدلًا من أن يحدث العكس". قال تاليس متأثرًا. "لعلها بهذا وحده تتفوق على الغالبية العظمى من المسؤولين والنبلاء في المملكة. هذه المرأة تستحق حقًا أن تنتمي إلى عقيدة الغروب".
إذا كان هؤلاء الناس قد نالوا الخلاص بفضل مؤمنة بإلهة الغروب، فما الخطأ في ذلك؟
لكن تاليس لاحظ أن هيلي، الجالسة بجانبه، لم تتحرك قيد أنملة، بل اكتفت بضم شفتيها وهي تحدق في الموقد.
"أتعلمون؟" تكلم سليماني فجأة، لكن نبرته هذه المرة كانت خافتة. "كان لديّ طفل ذات يوم، لكن عندما وُلد… لم يكن لديه مؤخرة لرأسه".
"لم يكن لديه… مؤخرة رأس؟" بدا الذهول على ورنياك، ومدّ يده إلى مؤخرة رأسه دون وعي.
حدّق سليماني في الموقد، وقد غلب الحزن على ملامحه.
"نعم. قال الطبيب إن السبب ربما كان سوء التغذية؛ فالطفل لم ينمُ نموًا سليمًا داخل الرحم…"
"طفلك يعاني سوء التغذية؟" حدّقت الجدة غاداما في ملابسه الأنيقة بشك.
ربّت سليماني على ملابسه، وبدا عليه الحرج الشديد.
"كنت… كنت فقيرًا جدًا في ذلك الوقت. كنت أعمل أعمالًا مؤقتة لدى مركز الشرطة، أقوم بالمهمات وأوصل الرسائل، وكانت تكاليف المعيشة في مدينة اليشم باهظة للغاية. لم يكن أمامي أنا وزوجتي سوى أن نتكدس في مسكن مستأجر لفترة قصيرة، ونأكل كلما سنحت لنا الفرصة…"
"لكنكما كنتما تعيشان على السطح"، همست دوروثي.
تعثرت كلمات سليماني، ثم تنهد وأغمض عينيه.
"عندما وُلد طفلنا، كادت ممرضة التوليد تفقد عقلها من شدة الخوف. قالت إنها لم ترَ في حياتها، طوال السنوات التي قضتها في توليد الأطفال، تشوهًا كهذا قط؛ وحشًا لا يملك سوى نصف رأس".
أنصت تاليس بصمت، وخيّم السكون على الأنفاق للحظة.
"لم يكن وحشًا".
تكلم ورنياك فجأة، وهز رأسه وكأنه يحاول إقناع شخص آخر غير سليماني وحده.
"لا! كان طفلك مجرد… مجرد… مجرد سيئ الحظ".
ارتجف صوته، وامتلأت عيناه بالحزن.
توقف سليماني للحظة، ثم أخفض رأسه ببطء.
"نعم، مجرد… مجرد سيئ الحظ. سيئ الحظ فحسب".
في تلك اللحظة، وصلهم صوت الكاهن تشادويك:
"إن الطريقة التي يولد بها كل إنسان هي نعمة من الإلهة وابتلاء في الوقت نفسه".
استدار الجميع. كان الكاهن يبدو منهكًا، وقد اقترب منهم وانضم إلى حديثهم.
"إن حالها يتحسن. أعتذر بشدة عن المتاعب التي تسببت بها لكم…"
"لا تقلق بشأن ذلك، أيها اللورد تشادويك". تحدثت الجدة غاداما باحترام. "كما قلتَ، لدى إخوة موهزارد مقولة تقول: المعالج لا يهجر المريض الذي لا يُرجى شفاؤه".
توقف الكاهن لحظة.
"شكرًا لكِ".
ثم سأل سليماني مباشرة:
"وماذا حدث لابنك بعد ذلك؟"
انتبه سليماني إلى خطئه.
"ابنتي".
قال المحامي بصوت يائس:
"كانت طفلتنا فتاة. حاولنا لأسابيع أن نجد أي طريقة ممكنة… لكن في النهاية، فارقت الحياة. ولم أستطع أنا… لم أستطع سوى بذل قصارى جهدي لمواساة زوجتي".
ساد الصمت بين الجميع.
تنهد الكاهن تشادويك بعمق.
"إلهة الغروب رحيمة".
ضحك سليماني ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
"لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد. ففي أحد الأيام، جاءني مالك المنزل الذي كنت أستأجره. دفع المال في يدي وتوسل إليّ أن أساعده". قال ذلك بمرارة. "كان ابنه قد انحرف، وأخذ يتردد على مجموعة من البلطجية المنتمين إلى عصابة زجاجة الدم. وبعد أن ثمل — أو بالأحرى، بعد أن انتشى بالمخدرات — افتعل المشكلات وانتهى به المطاف في زنزانة. وكان يريد مني أن أتسلل إلى مركز الشرطة وأستبدل الأدلة المصادَرة، وهي كيس من المخدرات".
"كنت مجرد عامل مؤقت في مركز الشرطة. كيف أجرؤ على فعل ذلك؟ لكن… لكنه هددني. قال إنه إذا لم أفعل…"
أخذ سليماني نفسًا عميقًا، محاولًا السيطرة على مشاعره.
"فسيرسل رسالة مجهولة للإبلاغ عني، وسيحرّض الجيران ضدي، مدعيًا أننا قرويون نعبد الشياطين ونمارس السحر، وأننا أنجبنا مسخًا مشوهًا كهذا وأبقيناه في منزلنا…"
"ماذا؟" لم يصدق تاليس ما سمعه.
"أعرف، الأمر سخيف، أليس كذلك؟" صرّ سليماني على أسنانه.
وبينما أخذ أفراد المجموعة يتمتمون فيما بينهم، تنهد الكاهن تشادويك.
"لم تكن الأحوال في مدينة اليشم على ما يرام لفترة من الزمن بعد العام الدموي".
قال الكاهن بحزن:
"كان هناك اكتظاظ سكاني ونقص في الغذاء، وكانت مختلف الأنشطة التجارية تكافح للتعافي… كانت حياة الناس، وخصوصًا أبناء الطبقات الدنيا، بائسة للغاية. ومع مرور الوقت، ظهرت شتى أنواع الشائعات والترهات. على سبيل المثال، زعم الناس أن مدينتنا وصلت إلى هذه الحال المزرية لأنها ملعونة، وأن اللعنة جلبها الغرباء خلال الحرب".
"لعنة غيلان الماء؟" سأل تاليس.
هز الكاهن تشادويك رأسه.
"كانت تلك واحدة من اللعنات المزعومة فحسب".
ثم تابع:
"على أي حال، سادت المدينة بأكملها موجة من الهوس لفترة من الزمن. من المواطنين الصالحين إلى العاطلين عن العمل، ومن عصابة زجاجة الدم إلى بلطجية الشوارع، ومن المشردين إلى المتسولين؛ كان الجميع متحمسين لملاحقة الطوائف الدينية المشبوهة والخرافات، والقضاء على عبادة الشياطين، وطرد "النجسين" أو حتى معاقبتهم، وخصوصًا الغرباء. وكأن مدينة اليشم ستتحسن بمجرد التخلص منهم، وكأنها ستتمكن بذلك من استعادة ماضيها…"
جعلت كلمات الكاهن الجميع يشعرون بالكآبة.
"هكذا فقدت ابنة عمي". تحدثت الجدة غاداما مستاءة. "كانت عرّافة شهيرة في القرى المجاورة. لم تكن تحتاج سوى إلى فنجان من أوراق الشاي حتى تحسب الأمور بسرعة ودقة… إلى أن وُشي بها، واتُّهمت بلعن حقل أحد جيرانها، ثم اقتادوها مكبلة بالأغلال…"
"لم يكن ذلك سيئًا إلى هذا الحد". تنهد هاوزر. "لقد جئت إلى هنا لاجئًا خلال العام الدموي. وفي ذلك الوقت، كانت الحملة الرائجة هنا تستهدف "القوى الأجنبية"".
ثم أضاف:
"لو تجرأت على الشكوى من ارتفاع الأسعار أو صعوبة المعيشة، لردّ عليك أحدهم قائلًا: "أأنت، أيها الغريب، تتلقى أموالًا من الخارج لتخطط لقلب نظام الحكم في مدينة اليشم من الداخل؟""
"لحسن الحظ، تدخل الدوق لينستر في الوقت المناسب ووضع حدًا لهذه المهزلة، وأعدم عددًا من مروجي الشائعات شنقًا". ألقى الكاهن تشادويك نظرة على سليماني الذي بدا غارقًا في الحزن، ثم هز رأسه. "لكن الضرر الذي وقع بالفعل…"
صمت الكاهن.
"إذًا، هل أبلغ عنك مالك المنزل؟" سألت دوروثي بحذر.
هز سليماني رأسه.
"لحماية نفسي، لم يكن أمامي سوى الموافقة على طلبه. ذهبت إلى مركز الشرطة، وسرقت مفتاح غرفة الأدلة…"
تنهد المحامي بألم.
"لكنها كانت المرة الأولى فحسب. ظل مالك المنزل يضغط عليّ ويطالبني بالمزيد. بدأ يطلب مني القيام بأمور أخرى من أجله، مثل إبلاغه مسبقًا عندما يخرج رجال الشرطة لتنفيذ حملات التفتيش، حتى يتمكن من إخفاء المهاجرين غير الشرعيين والعمال الذين يعملون في السوق السوداء، أو تصريف التحف المسروقة. بل إنه أجبرني على أخذ الأموال التي كان يدسها في يدي، وكأنه يريد إقحامي معه في الأمر. وإذا رفضت، لوّح بابنتي في وجهي…"
"تفوّ! يا له من حقير!" قال ورنياك مستاءً. "وهل تركته يتنمر عليك هكذا؟ لمجرد أنك رزقت بطفلة… سيئة الحظ؟"
ظل سليماني صامتًا. وحين تكلم مجددًا، كانت كلماته مشبعة بالكراهية.
"أنت محق. كيف أمكنني أن أنسى؟ هاه؟"
صرّ على أسنانه.
"كيف سمحت له باستخدام طفلتي لابتزازي وتهديدي؟ خصوصًا أن زوجتي كانت لا تزال تستيقظ كل ليلة من كوابيسها وهي تصرخ، وتتشبث بالمهد الفارغ وتبكي؟"
شعر تاليس بانقباض في قلبه.
"لذا، عندما جاءني للمرة الأخيرة ليطلب مني "إنجاز عمل"، وأخذ يلمح صراحةً وتلميحًا إلى "طفلتي الميتة"، اتخذت قراري. كتبت رسالة إبلاغ مجهولة المصدر". أخذ سليماني نفسًا عميقًا. "وأرسلته هو وابنه البائس، ذلك الوغد عديم الأمل، إلى السجن مباشرة".
قطب تاليس حاجبيه.
"وماذا حدث بعد ذلك؟"
"الإعدام شنقًا". أجاب سليماني بهدوء شديد، حتى إن نبرته أفزعت الجميع. "كانت التهم حيازة المخدرات والاتجار بها، وكذلك… عبادة الشياطين".
عقد هاوزر حاجبيه.
"ماذا؟"
أومأ سليماني، وقد انعقد الألم بين حاجبيه.
"كان أقوى الأدلة وأكثرها حسمًا… جثة رضيعة بلا مؤخرة رأسها، عُثر عليها مخبأة تحت ألواح أرضية المنزل الذي كان يؤجره، وقد حُفظت بعناية شديدة".
صُدم الجميع.
غطت دوروثي فمها بيدها.
"أكان ذلك…؟"
أغمض سليماني عينيه وأومأ بذهول.
ساد الصمت في الأنفاق.
تنهد الكاهن تشادويك بعمق.
"إن ابتلاء الإلهة لا يختبر المرء نفسه فحسب، بل يختبر أيضًا من تربطهم به صلة، بل ويمتحن مؤمني الإلهة كذلك".
"لقد فعلت الصواب". تكلمت هيلي فجأة. "لقد ساعدتك ابنتك على الانتقام".
قطّب تاليس حاجبيه قليلًا.
"نعم، العين بالعين! كان على مالك المنزل أن يتوقع هذه النهاية عندما آذى الآخرين! لقد استحق ما حدث له!" قال ورنياك وهو يصرّ على أسنانه.
"لكن الأمر… محزن للغاية أيضًا". ارتجف صوت دوروثي.
"وووووو!" أخذ بوبو يلوح بذراعيه مستاءً.
"اهدؤوا". أسكت هاوزر الجموع المتكلمة بنظراته، ثم استدار ليواسي سليماني. "لا بأس يا صاحبي. على الأقل… على الأقل انتهى كل شيء الآن".
فتح سليماني عينيه.
"نعم، ظننت… كنت أظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنني أستطيع أخيرًا العودة إلى حياتي. لكن…"
توقف للحظة، وازداد الشحوب في عينيه.
"في مركز الشرطة، اكتشف رئيسي — أو بالأحرى، رئيس رئيسي — بطريقة ما ما حدث. أخرج رسالة الإبلاغ المجهولة التي كتبتها، وقال إن مهاراتي في الكتابة جيدة جدًا بالنسبة إلى شخص لا يفعل سوى الأعمال البسيطة. ثم ابتسم وأخبرني ألا أقلق؛ فهو لن يحاسبني فحسب، بل سيرقّيني أيضًا".
لمعت عينا ورنياك.
"أليس ذلك أمرًا جيدًا؟"
لكن تاليس قطّب حاجبيه.
"بلى، أمر جيد".
كانت ضحكة سليماني يائسة.
"كان الشرط أن أجتاز اختبارًا: أن أكتب تقريرًا لإغلاق قضية تتعلق باعتداء ابن أخ أحد كبار المسؤولين على امرأة مدنية".
"لا أفهم"، قال ورنياك بحيرة.
غطى سليماني وجهه وسخر من نفسه.
"كانت تلك القضية ورطة لا يريد أحد الاقتراب منها. لم يرغب ذلك الرئيس في إغضاب أي طرف، ولم يرد ارتكاب أي خطأ، لذا دفع بي إلى الواجهة. فإذا حدث خطأ في التقرير، فسيكون كاتبه كبش الفداء؛ موظفًا بديلًا، أو عاملًا مؤقتًا…"
أخذ يشد شعره بأصابعه.
"لكنني لم أستطع الرفض. كان رئيسي يملك ما يبتزني به؛ فقد كنت قد قبلت رشاوى وتواطأت مع مالك المنزل، بل و… لفّقت التهم للآخرين".
تنهد تاليس بخفوت.
ساد الصمت في الأنفاق، ولم يُسمع سوى خرير الماء المتساقط.
"عندما يحلّ الابتلاء، تهمس الشياطين وتتمتم الأرواح الشريرة"، تلا الكاهن تشادويك كلمات من الكتاب المقدس، وكانت كلماته جادة، فيما ظل وجهه مشفقًا ورحيمًا. "بلغة لا نستطيع فهمها".
أخذ سليماني نفسًا عميقًا، ثم هز رأسه بعجز.
"لم يكن أمامي مفر. كان عليّ فعل ذلك. اضطررت إلى إعمال فكري واستنفاد كل ما تعلمته من قواعد اللغة في مدرسة الكتبة، لأنهي أول تقرير لإغلاق قضية أكتبه بصفتي شرطيًا — يا إلهي، كم انتظرت تلك اللحظة وتطلعت إليها قبل أن تأتي، إلى أن وصلت أخيرًا — تقريرًا محكمًا لا تشوبه شائبة ولا يترك ثغرة واحدة".
ثم تابع بصوت مثقل بالمرارة:
""المجني عليها امرأة شابة، وقعت الحادثة عند الغروب، وكانت بمفردها، ترتدي ملابس خفيفة وتضع مساحيق تجميل كاملة، كما تبيّن أن الأزهار التي كانت تحملها قد تحتوي على مواد ذات تأثير مثير للشهوة… وكانت على علاقة وثيقة بعدد من الرجال في مكان عملها… ولا يزال تحديد ما إذا كانت العلاقة بين الرجل والمرأة قد تمت بالتراضي يتطلب مزيدًا من الأدلة…"".
ضحك سليماني بمرارة.
"هاه، أقسم إنني لم أكتب كذبة واحدة. كل ما ورد كان استنتاجًا مبنيًا على التحقيق. لكن عندما حان موعد الإدلاء بالشهادة أمام المحكمة، كان كل من يقرأ التقرير سيظن أن الفتاة سيئة السلوك، وأن خلفيتها مريبة، وأنها خرجت وحدها ليلًا، وربما كان الأمر في حقيقته نزاعًا ماليًا نشب بعد الواقعة…"
"ماذا؟" أدركت دوروثي ما يقصده، فاستشاطت غضبًا. "كيف أمكنك فعل ذلك؟"
بدا الخزي على وجه سليماني، وعجز عن رفع رأسه.
"نعم، أعلم. كثيرون يعرفون أن ما فعلته كان حقيرًا. لكن لو لم أفعل ذلك، لكان رئيسي… رئيس رئيسي قد… لم يكن لديّ، لم يكن لديّ خيار…"
ساد الصمت، ولم يعرف أحد كيف يرد.
"لكنك اخترت أن تفعل ذلك. كنت تفعل ذلك في كل مرة". تكلمت هيلي فجأة. "كل ما في الأمر أنك لم ترغب في الاعتراف بذلك، أو لم تجرؤ عليه".
فتح سليماني فمه محاولًا الكلام، لكنه في النهاية لم يفعل سوى أن أخفض رأسه مستسلمًا لليأس.
"همسات الشيطان كثيفة، وتمتمات الأرواح الشريرة لا تهدأ".
تنهد الكاهن تشادويك.
"أولئك الذين لا تثبت قلوبهم سيواجهون المصائب دائمًا. وأما الذين يترددون ويلتفتون إلى الوراء، فسيجدون الطريق أمامهم عسير الاجتياز".
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.