مساحة للحكاية، ووقت لك← سلالة الحديد
الفصل 89: الزجاجنحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 89: الزجاج

الفصل 89: الزجاج

"صاحب السمو… أنا مستعد بكل ما أملك!"

كان التأثر والفرح واضحين على ملامح فان تسنغ؛ فقد أمضى معظم حياته مغموراً دون أن يبتسم له الحظ، ولم يخطر بباله أن تأتيه فرصة كهذه في خريف عمره. فإن لم يغتنمها الآن، فمتى تأتيه ثانية؟

قال شياو مينغ: "حسناً. سيكتمل بناء مقر الصحيفة داخل أكاديمية بووِن بنهاية الشهر. ورغم أنه سيكون متواضعاً في البداية، إلا أنه سيكون جاهزاً للعمل. يمكنك البدء في اختيار الموظفين وتعيينهم من الآن. وهذه وثيقة توضح الهيكل الإداري للمكتب، خذها واقرأها جيداً."

أشار شياو مينغ للولوه بإحضار مخطوطة من غرفته. كانت الوثيقة تمثل المخطط الإداري والتنظيمي الذي وضعه للصحيفة، مستوحى من المؤسسات الصحفية الحديثة ومعدلاً ليناسب واقع إمبراطورية دا يو.

ومع اكتمال التأسيس، سينتهي مسمى "موزع الصحف" ليحل محله "المراسلون"؛ ولن يقتصر دورهم على جمع الأخبار والشكاوى، بل سيواصلون قراءة الصحف بصوت عالٍ لأهالي القرى. كما قُسّم المكتب إلى أقسام متخصصة: الطباعة، والتحرير، والخدمات اللوجستية، ليكون نواة لمؤسسة إعلامية متكاملة.

ومن خلال تعامله مع مختلف فئات الناس في دا يو، تأكد شياو مينغ أن أهل هذا العصر لا ينقصهم الذكاء، بل تنقصهم التجربة والمعرفة المنهجية فقط. فما إن تُشرح لهم الأمور ببساطة حتى يستوعبوها ويطبقوها ببراعة؛ فالإنسان في أي عصر يملك طاقات إبداعية لا ينبغي الاستهانة بها.

لذلك، وبفضل رعاية شياو مينغ ودعمه المستمر، بدأت عقول عمال قسم الآلات وطلاب أكاديمية بووِن والحرفيين تتفتح تدريجياً وتتخلص من الجمود الفكري القديم، وأقبلوا على التجريب بحماس، مدركين أن العلم والتكنولوجيا هما المحرك الأساسي لقوى الإنتاج.

وكان شياو مينغ يؤمن بأن نهضة أي حضارة تبدأ من توجهات الطبقة الحاكمة ورؤيتها؛ فالأمر ينبع دوماً من رأس السلطة.

فمنذ أن أحرق إمبراطور تشين الأول الكتب ودفن العلماء، مروراً بمحاكم التفتيش الفكرية وقمع المدارس الأخرى لصالح الكونفوشيوسية وحدها، سعت النخب الحاكمة دائماً إلى إبقاء عامة الناس في جهل لضمان بقاء عروشهم. وانحصرت طموحات المتعلمين لآلاف السنين في الوصول إلى المناصب الرسمية كأدوات في يد السلطة.

أما ظهور الصحيفة اليوم، فكان وسيلة شياو مينغ لكسر هذا الركود الثقافي، وربما إطلاق عصر نهضة حقيقي في إقطاعيته يغير مجرى التاريخ.

وبعد تعيين فان تسنغ مديراً للمكتب، بقيت الخطوة التالية هي بناء الهيكل الإداري خطوة بخطوة؛ وتحت إشرافه المباشر، سيسير العمل وفق الخطة الموضوعة تماماً.

عاد فان تسنغ إلى بيته وهو لا يكاد يصدق ما حدث. وأمام زوجته التي اعتادت توبيخه والتقليل من شأنه، وقف اليوم واثقاً مرفوع الرأس، فقد عُين بمرسوم مباشر مديراً عاماً لمكتب الصحيفة!

وحين أخبر عائلته، عم الفرح أرجاء البيت، حتى أن زوجته سارعت إلى ذبح دجاجة احتفالاً بالأمر. وأخيراً، بعد سنوات طويلة من التهميش والخلافات، نال فان تسنغ لحظة التقدير التي يستحقها.

كانت التغييرات في تشينغتشو تمضي بهدوء وسلاسة، وتصل إلى كل مكان دون ضجة. ولم يكن فان تسنغ إلا واحداً ممن لمسوا هذا التحول؛ ورغم أن أغلب البسطاء لم يستوعبوا بعد حجم التغيير الكبير من حولهم، إلا أنه كان واضحاً تماماً للغرباء والتجار القادمين من الأقاليم الأخرى.

كان هؤلاء التجار يقفون مذهولين أمام ما تشهده تشينغتشو، وخاصة المنطقة الصناعية المحاطة بأسوار عالية وحراسة مشددة. ورغم محاولاتهم المستميتة لمعرفة أسرارها، لم يظفروا إلا بمعلومات شحيحة، مكتفين بمعرفة أن داخل تلك الأسوار آلات جديدة وغريبة تتزايد يوماً بعد يوم.

والآن، فاجأتهم تشينغتشو بشيء جديد يدعى: "الصحيفة".

وبطبيعة الحال، فكر التجار أولاً في المكسب المالي: هل يمكن لهذه الصحيفة أن تدر أرباحاً؟ فهذا ما اعتادوا التفكير فيه مع كل منتج يطلقه أمير تشي. لكن بعد أيام من المراقبة، استنتجوا بخيبة أمل أنها مشروع خاسر تجارياً؛ فتكلفة طباعتها تفوق سعر بيعها الزهيد بكثير، والقادرون على شرائها قلة محدودة.

في إحدى الحانات المحلية، قال تاجر وهو يحتسي شرابه: "يبدو أن أمير تشي قد نفدت أفكاره، ولم يعد يبتكر منتجات جديدة تدر الفضة مؤخراً."

رد عليه تاجر آخر بسخرية: "مع الصابون، والعطور، ونبيذ 'سكر تشينغتشو'، جمع الأمير ثروة هائلة بالفعل! أضف إلى ذلك الترويج القوي الذي يقوده لي كاي يوان، حتى ارتفعت المبيعات بشكل قياسي. يقال إن قصر الأمير يجني ملايين التالات شهرياً، فهل يحتاج إلى المزيد حقاً؟"

أجاب الأول: "كلامك صحيح، لكن التجار هنا يشعرون بالخيبة؛ فالذين سبقونا استولوا على الوكالات الحصرية لتلك البضائع وتقاسموا الأرباح، ولم يتركوا للقادمين الجدد سوى الفتات."

ثم تناول نسخة من الصحيفة ملقاة على الطاولة وشرع في قراءتها. وحين بلغ مقالاً صغيراً في أسفل الصفحة، اتسعت عيناه فجأة!

ذكر المقال بإيجاز أن أمير تشي يقود نخبة الحرفيين في قسم الآلات لتصنيع "منتج استثنائي ومذهل"، دون ذكر أي تفاصيل، مكتفياً بدعوة التجار إلى الترقب والانتظار.

انتشر الخبر بسرعة بين تجار المدينة، فصاروا يتفحصون أعداد الصحيفة بجدية واهتمام، بعدما أدركوا أن بين سطورها معلومات تجارية ثمينة. ولأيام متتالية، انشغلت أسواق تشينغتشو بالتكهنات حول الشيء الذي يعكف الأمير على ابتكاره.

وكان الخيط الوحيد الذي توصلوا إليه هو أن الأمير أمر بجمع كميات ضخمة من رمال الشواطئ وضفاف الأنهار ونقلها إلى الورش!

رمال؟! احتار التجار تماماً؛ ففيمَ عسى أن تُستخدم الرمال الرخيصة؟!

أما بالنسبة لشخص قادم من العصر الحديث، فالإجابة بديهية: الرمال تُستخدم لصناعة الزجاج.

وكان هذا هو مشروع شياو مينغ التالي. وفي الواقع، لم يكن هدفه الأساسي جني الأرباح فقط، بل كان الأهم بالنسبة له استخدام الزجاج في صناعة المناظير (التلسكوبات) والأدوات الكيميائية؛ فالمختبر بحاجة ماسة إلى هذه الأدوات لتنقية المركبات واستخلاص المواد مثل القلويات. كما أن جميع المواد الخام اللازمة لصناعة الزجاج باتت متوفرة لديه بالكامل:

الرمل (السيليكا): لتوفير ثاني أكسيد السيليكون.

رماد الصودا (القلويات): لخفض درجة انصهار السيليكا وتسهيل التفاعل.الحجر الجيري: لتوفير الكالسيوم وإكساب الزجاج متانته واستقراره.باجتماع هذه المواد الثلاث، يُنتج زجاج الصودا والجير (Soda-lime glass) الشفاف، وهو المادة الأساسية لصناعة الدوارق، والأنابيب المدرجة، والمخابير، وأنابيب الاختبار، مما يحول المختبر الكيميائي إلى منشأة علمية متكاملة تضاهي المعايير الحديثة.

ومع توفر المواد، حانت مرحلة الصهر. وتشكيل الزجاج يحتاج إلى حرارة تصل إلى 1300 درجة مئوية، وهي قريبة من حرارة إنتاج فحم الكوك. ولتوفير هذه الحرارة العالية، صمم شياو مينغ جهازاً متطوراً: فرن الاسترجاع الحراري (Regenerator furnace).

كان الفرن مبنياً من الطوب الحراري، ويتكون من حجرتين متناظرتين بينهما موقد الصهر. تُملأ الحجرتان بشبكة من الطوب النفاذ، ويُضخ الهواء عبرهما بالتبادل للاستفادة من الحرارة المفقودة وإعادة تدويرها، مما يرفع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة.

في السابق، لم يستطع شياو مينغ بناء مثل هذه الأفران لعدم توفر الطوب الحراري المناسب. أما الآن، ومع توفر الطوب والعمالة، بدأ التحديث الشامل؛ فسواء في صهر حديد الأفران العالية أو إنتاج فحم الكوك، بدأ استخدام أفران الاسترجاع على نطاق واسع.

ونتيجة لذلك، تحسنت جودة فحم الكوك كثيراً، مما رفع تلقائياً من نقاء وصلابة الحديد المنتج، كما استفادت صناعة الزجاج من هذه الأفران عالية الكفاءة منذ البداية.

وبعد أن شرح شياو مينغ للحرفيين أساسيات صناعة الزجاج، أمرهم بخلط الرمل والجير والقلويات بالنسب المحددة ووضعها في الفرن. وما إن ذاب الخليط وتحول إلى سائل متوهج، بدأت مرحلة التبريد التدريجي والنفخ اليدوي لتشكيل الأواني والقطع الزجاجية—وهي حرفة يدوية لا بد منها في هذه المرحلة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.