الفصل 40: شياو وينشوان
الفصل 40: شياو وينشوان
"آه، أمير تشي بارٌّ حقاً بجلالتكِ وبالمحظية تشن. أما نحن، فليس بوسعنا سوى المراقبة بحسرة بينما تظل هذه العطور الفاخرة بعيدة عن متناولنا."
بينما كانت المحظية تشن والإمبراطورة تشاو تتجاذبان أطراف الحديث، ازداد تلهف المحظيات الأخريات للحصول على العطر. وإدراكاً منها لاحتمال تفويت الفرصة، تحدثت المحظية شو.
ورغم أن كلماتها امتدحت برّ أمير تشي، إلا أن الغيرة الكامنة خلف نبرتها كانت واضحة للعيان.
ابتسمت الإمبراطورة تشاو برقة؛ فقد نبعت قدرتها على الحفاظ على وئام الحريم الإمبراطوري من مراعاتها لمشاعر الجميع، فقالت: "المحظية شو، أنتِ مخطئة. كما ذكرت المحظية تشن، أرسل أمير تشي هذا العطر لي، لكن هذا لا يعني إقصاء البقية. هناك كمية وافرة من العطور هنا، وبالتأكيد لا يمكنني استخدامها وحدي بالكامل."
أضافت المحظية تشن مبتسمة: "جلالتها محقة تماماً. أيتها الأخوات، أرسل أمير تشي كل هذه العطور لأجلنا جميعاً. ومع ذلك، لو توليتُ توزيعها بنفسي، فقد أقع في حرج عدم الإنصاف، ولهذا وضعتها بالكامل بين يدي جلالتها."
أشرقت وجوه المحظيات بالبهجة، وعلقت المحظية لي: "لقد غدا أمير تشي شديد الفطنة والاهتمام."
تبادلت الإمبراطورة تشاو والمحظية تشن النظرات. جمعت بين الاثنتين علاقة طيبة وسط محظيات البلاط، لاتسامهما بالدبلوماسية ودماثة الخلق وحرصهما على تجنب إغضاب أحد.
والمحظية تشن على وجه الخصوص، ورغم افتقارها لسند عائلي نافذ، استطاعت خوض معترك الحريم بأمان بفضل دهائها وطبعها الودود.
عند رؤية توق المحظيات، قالت الإمبراطورة تشاو: "في هذه الحالة، دعونا لا نكتفي بالجلوس هكذا. هلممن جميعاً، انظرن واخترن الزجاجة التي تعجبكن."
كانت المحظيات ذوات الرتب الرفيعة فقط هن من تجرأن على القدوم إلى مسكن المحظية تشن، بينما لم تجسر ذوات الرتب الدنيا على التطفل.
ومع إذن الإمبراطورة، لم تعد المحظيات قادرات على كبح أنفسهن، فانطلقن بلهفة تتدافعن لنيل زجاجاتهن. وسرعان ما لم يتبق في الصندوق سوى ست زجاجات—اثنتان من كل أريج، حُفظت للإمبراطورة تشاو، حيث راعت المحظيات عدم الإفراط في الطمع.
وبينما انشغلت الغرفة بالمحظيات وهن يجربن العطر، أومأت الإمبراطورة تشاو للمحظية تشن للتنحي جانباً في حديث خاص.
فهمت المحظية تشن الإشارة وقادت الإمبراطورة إلى زاوية معزولة من القاعة الرئيسية. قالت الإمبراطورة تشاو: "هذا العطر فريد للغاية، ولا بد أن تكلفته باهظة. إقطاعية أمير تشي معدمة، وإنتاج مثل هذه الكمية لا بد أنه كلفه ثروة طائلة."
تنهدت المحظية تشن وعلامات القلق تعلو وجهها: "لأكون صادقة معكِ، أرسل أمير تشي العطر إلى القصر سعياً لنيل رضا جلالتكِ وحظوتكِ. لا مبرر لدي لإخفاء ذلك. تتذكر جلالتكِ بالتأكيد الحادثة التي وقعت قبل ثلاث سنوات حين فر أمير تشي عائداً إلى تشانغآن. لقد ارتكب خطأً جسيماً، لكن إقطاعيته بائسة لدرجة أنه يفتقر إلى المال لصيانة جيشه. فكيف لثلاثة آلاف جندي ضعيفي التسليح أن يصدوا غزوات البرابرة؟ علاوة على ذلك، ووفقاً لـ لي سان، دُفنت تشينغتشو تحت وطأة الثلوج الكثيفة لنصف شهر، ولجأ الكثير من العوام اليائسين إلى قطع الطرق. ورغم أن أمير تشي يوزع العصيدة في ست مدن، فإن الخزانة تكاد تنضب."
توقفت قليلاً قبل أن تواصل: "لذا، أرسل العطر لسببين. الأول، أمله في أن تذكري جلالتكِ اسمه بكلمة طيبة أمام الإمبراطور لتأمين بعض المخصصات المالية التي تعينه على تجاوز هذه الأزمة. والسبب الثاني، أنه لم يعد يملك خياراً آخر؛ فإن واصل جلالة الإمبراطور رفضه، فلن يجد سبيلاً سوى بيع العطر لجمع المال."
تنهدت الإمبراطورة تشاو: "لم تكن لدي أدنى فكرة أن حال أمير تشي بلغ هذا المأزق الشديد. حتى اليوم، يستشيط الإمبراطور غضباً كلما ذُكرت عودة أمير تشي دون إذن إلى تشانغآن. وبالنظر إلى مساعيه الحالية، سأرى ما يمكنني فعله."
انحنت المحظية تشن بعمق: "أشكركِ، يا جلالة الإمبراطورة."
قالت الإمبراطورة تشاو: "لا داعي للشكر. دعيني أستطلع مزاج الإمبراطور أولاً." ثم أردفت ببريق من الاهتمام: "ذكرتِ أن أمير تشي يستطيع ابتكار روائح مخصصة لي؟"
فوجئت المحظية تشن للحظة وسرعان ما ابتسمت: "نعم، يا جلالة الإمبراطورة. أكد أمير تشي في رسالته قدرته على صياغة أي أريج ترغبين به."
أومأت الإمبراطورة تشاو بتأمل: "هذه الروائح الثلاث بديعة، لكن بعد أن استخدمتها جميع المحظيات، باتت شائعة واعتيادية."
أدركت المحظية تشن بفطنتها قصد الإمبراطورة فوراً؛ فبصفتها الإمبراطورة، لا يمكنها استخدام نفس العطر الذي تضعه بقية المحظيات. كانت ترغب في عبير فريد يميزها عن الجميع.
قالت المحظية تشن بابتسامة: "جلالتكِ، هذا ليس عائقاً على الإطلاق. ما عليكِ سوى إبلاغ أمير تشي بالأريج الذي تفضلينه، وسيبتكر عطراً حصرياً لجلالتكِ لن تحظى به أي محظية أخرى."
أومأت الإمبراطورة تشاو برضا. كان الحديث دائماً أكثر سلاسة مع شخص بفطنة المحظية تشن، على عكس المحظية دي التي دأبت على ادعاء البلاهة.
قالت الإمبراطورة: "إذن سأكلف أمير تشي بهذا الطلب. والليلة، سأتحدث مع الإمبراطور بشأن وضعه."
تذكرت المحظية تشن نبيذ "سُكر تشينغتشو" وأضافت: "بالمناسبة، أرسل أمير تشي أيضاً بعض النبيذ الفاخر. قد ترغب جلالتكِ في مشاركة كأس مع الإمبراطور الليلة؛ فقد زعم أمير تشي أن الإمبراطور لن يرغب في المغادرة بعد تذوقه."
"حقاً؟" التمعت عينا الإمبراطورة تشاو باهتمام.
فشأنها شأن سائر المحظيات، كانت تتوق إلى أن يقضي الإمبراطور وقتاً أطول في مسكنها.
أكدت المحظية تشن: "أضمن لكِ ذلك يا جلالة الإمبراطورة. تذوقته بنفسي، وهو استثنائي حقاً."
"في هذه الحالة، سآخذه معي وأدع الإمبراطور يحكم بنفسه."
بعد نيل مبتغاها، عادت الإمبراطورة تشاو إلى مقعدها، وتبادلت بضع كلمات مع المحظيات، ثم استأذنت بالرحيل.
وبمجرد مغادرتها، التمست المحظيات الأخريات الأعذار للانصراف، ليعاودن التسلل إلى مسكن المحظية تشن واحدة تلو الأخرى.
فما فطنته الإمبراطورة أدركته بقية المحظيات أيضاً؛ إذ رغبت كل واحدة منهن في رائحة فريدة تميزها. وافقت المحظية تشن على طلباتهن، لكنها، وخلافاً لتعاملها مع الإمبراطورة، أوضحت صراحة أن ابتكار عطور مخصصة سيكون مكلفاً وسيتعين عليهن توفير الأموال اللازمة.
كانت هؤلاء المحظيات ينحدرن من أكثر العائلات ثراءً ونفوذاً في الإمبراطورية، ومع مخصصاتهن الشهرية وثروات عائلاتهن، لم يكن المال عائقاً أمامهن على الإطلاق.
انقضى اليوم بأكمله في حسم ترتيبات العطور داخل الحريم الإمبراطوري. وبحلول المساء، لزمت المحظية تشن مخدعها ترتقب الأخبار من الإمبراطورة تشاو.
وفي غضون ذلك، داخل "قصر فنغمينغ"، كانت الإمبراطورة تشاو تقاسم الإمبراطور شياو وينشوان كؤوس الشراب. كان العرف يقتضي أن يزور الإمبراطور الإمبراطورة مرة واحدة شهرياً قبل الانتقال إلى مآدب سائر المحظيات.
لكنه في تلك الليلة، كان مأسوراً بجرة من النبيذ الفاخر.
سأل الإمبراطور شياو وينشوان في دهشة: "هذا النبيذ أرسله أمير تشي؟"
وضعت الإمبراطورة تشاو قطعة من لحم الضأن في وعاء الإمبراطور وقالت: "نعم، لكن أمير تشي خشي إغضاب جلالتك، لذا أرسله إليّ أولاً."
أظلمت ملامح الإمبراطور شياو وينشوان: "همف! تشينغتشو معدمة لدرجة أنهم بالكاد يجدون حبات الحبوب لسد رمقهم، ومع ذلك يملك فائضاً لتخمير النبيذ؟ لقد تساهلتُ معه كثيراً قبل ثلاث سنوات."
قالت الإمبراطورة تشاو بنبرة لينة: "جلالتك، أرجوك هدئ من روعك وغضبك. مهما عظمت أخطاؤه، يظل أمير تشي ابنك وأميراً من أمراء إمبراطورية دا يو العظمى."
——————–
ملاحظة المترجم
شو تفاعل وتعليقات واعدكم بدفعة فصول لانهائية *-*
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.