مساحة للحكاية، ووقت لك← سلالة الحديد
الفصل 113: اشتعال الشررنحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 113: اشتعال الشرر

الفصل 113: اشتعال الشرر

مع بزوغ الفجر، اخترقت خيوط الشمس الأولى غيوم الصباح، لتلامس نوافذ الورق الزيتي في قصر أمير تشي؛ وبدأ الخدم والحرّاس حركتهم المعتادة منذ ساعات الصباح الأولى.

أمضى شياو مينغ ليلته مستيقظاً دون أن يذوق طعم النوم، ونهض مبكراً، بينما تولى لي سان تنظيم وتوزيع الخدم المكلفين بمرافقة الأمير إلى المأدبة.

ففي نزهة كهذه، كان من الطبيعي أن يخرج الأمير محاطاً بحاشيته؛ وتحت هذا الغطاء المألوف، زرع لي سان عدداً من عناصر الحرس السري متنكرين في زي الخدم. وإلى جانب حراس لو في الثلاثين المختارين بعناية، تواجد أكثر من عشرين حارساً سرياً لحماية شياو مينغ عن قرب.

وبدا القصر هادئاً كعادته، غير أن لو في وبانغ يوكون عملا طوال الليل كخلية نحل لا تهدأ؛ حيث تحركت قوات جيش تشينغتشو خارج الأسوار منذ منتصف الليل لتتمركز في كمائنها داخل الغابة الكثيفة.

وكان لو في قد وضع ترتيبات محكمة لضمان تدخل القوات بالسرعة المطلوبة؛ فطالما أن شياو مينغ لم يقع في أسر المتآمرين فوراً، فسيمتلك الجيش وقتاً كافياً لقلب الموازين وسحق أي تمرد.

وعند منتصف النهار، انطلق موكب شياو مينغ ترافقه الحاشية والحرّاس.

وفي المرج الأخضر الممتد جنوب بركة اللوتس، كان تشين تشوانيون قد وجّه خدمه لتجهيز موائد الشواء في الهواء الطلق، في انتظار وصول الأمير والضيوف.

وحين وصل شياو مينغ، وجد تشين تشوانيون وسون يوان تشي وبقية الوجهاء جالسين على العشب يتجاذبون أطراف الحديث.

أسرع تشين تشوانيون نحوه مرحباً بأدب: "شرفتنا يا صاحب السمو؛ طال انتظارنا لمقدمكم الكريم."

وقف بقية رؤوس العائلات وانحنوا إجلالاً للأمير.

تقدم شياو مينغ وجلس في صدارة الطاولة الرئيسية، ورد التحية بإيماءة هادئة: "تفضلوا بالجلوس جميعاً."

استقر بانغ يوكون إلى جانب الأمير، بينما انتظم ثلاثون حارساً من أصحاب الدروع الصفيحية في صفين ثابتين على الجانبين.

نظر سون يوان تشي إلى هؤلاء الحراس وابتسم بتهكم: "يا صاحب السمو، مأدبة اليوم أُقيمت للمصالحة والتقارب؛ وقريباً سنحل قواتنا الخاصة ونعيد الأراضي. ووجود هؤلاء الجنود بأسلحتهم يعكر صفو الجلسة ويفسد بهجة النزهة."

وقبل أن يجيب شياو مينغ، رد لو في بلهجة صارمة: "يا سيد سون، أنت تبالغ في الأمر؛ فحتى أنت حين تسافر يحيط بك رجالك وخدمك. وسمو الأمير، وهو أمير إمبراطوري يحكم إقليماً كاملاً، يكتفي بثلاثين حارساً فقط لحمايته؛ وهذا تواضع لا يستحق منك كل هذا التذمر."

تدخل تشين تشوانيون محاولاً تلطيف الأجواء: "القائد لو محق تماماً؛ فسمو الأمير ينتمي للبيت الحاكم. وحين ارتحلت صاحبة السمو الأميرة مؤخراً، رافقها أكثر من ألف فارس؛ ولا داعي لتضخيم المسألة يا سيد سون."

لكن سون يوان تشي أظهر بروداً وتكبراً واضحين؛ ففي تقديره، ما إن وطئت قدما شياو مينغ هذا المكان المفتوح، حتى وقع في فخه المحكم، ولم يعد هناك مبرر للتملق أو إخفاء النوايا.

فقد كان يملك خطة مدروسة بعناية.

فالعائلتان، سون ووانغ، ترتبطان بالمصاهرة والمصالح منذ أجيال؛ وكانت تحركات عائلة وانغ ومعاملاتها السرية معلومة لعائلة سون بالكامل. ولهذا علم سون يوان تشي يقيناً أن استئصال عائلة وانغ سيعقبه حتماً إنهاء نفوذ عائلته أيضاً.

أما بقية العائلات التي ورطها معه في هذا التمرد، فلم تكن سوى أوراق ضغط في يده؛ فإن نجحت الخطة فبها، وإن تعقدت، فسيفر مع رجاله نحو سهول البرابرة في الشمال، حيث لن يطالهم شياو مينغ هناك.

وبعد لحظات من الصمت، رفع سون يوان تشي صوته وقال بجرأة لافتة: "لستُ أبالغ، بل إن سموكم كان دائماً يتربص بنا ويرتاب في أمرنا؛ وإلا فكيف نبرر السقوط السريع والمفاجئ لعائلة وانغ؟! ورغم أنني لستُ من بيت وانغ، إلا أنني أعرف وانغ تشنغتشو جيداً؛ فهو لم يكن ليتجرأ أبداً على محاولة اغتيال الأميرة. وسموكم يعرف الحقيقة أفضل من الجميع!"

ضحك سون يوان تشي بسخرية وتابع: "مستغلاً ما حدث لعائلة وانغ، سارعت إلى إصدار مراسيم إجبارية لتجريد عائلات تشينغتشو من قوتها وأملاكها؛ كنتَ متعجلاً في خطوتك، وهذا يوضح حجم كراهيتك لنا!"

ساد المرج صمت تام، وتوترت أنفاس الحاضرين فجأة.

امتقع وجه تشين تشوانيون ووقف مرتجفاً وصاح: "سون يوان تشي! ما هذا الكلام الخطير؟! أنت من طلب لقاء الأمير في هذه المأدبة، فكيف تتحدث بهذه الوقاحة؟!"

أشار سون يوان تشي بسبابته نحو تشين تشوانيون باحتقار: "يا تشين تشوانيون، لقد مرغت كرامة عائلات تشينغتشو في التراب بتنازلك المخزي! قل لي: في أرجاء إمبراطورية دا يو كلها، أين توجد عائلة كبيرة لا يعاملها الحكام باحترام وإجلال؟! أما أنت، فركعت بملء إرادتك لتنزل إلى مرتبة العامة؛ لقد جلبت العار علينا جميعاً!"

انتفض وي هونغ بغضب وقال: "سون يوان تشي! ما هذا الهراء؟! أئتيت لتفتعل الشقاق وتخرب هذا اللقاء؟! تنازلنا عن الأراضي وحللنا المسلحين، لكننا نمارس تجارتنا بحرية وكرامة؛ فأي عار تتحدث عنه؟!"

وتعالت الأصوات حولهما:

"بالضبط! أي عار هذا؟!"

"بل هو تفريط في هيبة وتاريخ العائلات الكبرى!"

"لا أحد يجبرنا على التنازل هكذا!"

وتصاعد الشجار الحاد والجدال بين العائلات المؤيدة لسون يوان تشي وتلك التابعة لتشين تشوانيون، حتى مالت المأدبة نحو الفوضى.

"كفوا عن هذا الصياح جميعاً! دعوا السيد سون يكمل ما بدأه،" جاء صوت شياو مينغ هادئاً وحازماً لينهي الجدال.

فقد كان واضحاً أن سون يوان تشي مستعجل ومندفع لكشف ما في جعبته فور حضور الأمير.

ابتسم سون يوان تشي بتهكم: "مطالبي بسيطة يا صاحب السمو؛ أريد إلغاء المراسيم فوراً، وإعادة الاعتبار وتبرئة عائلة وانغ."

رد شياو مينغ ببرود وثبات: "مطلب جميل لتبرئة آل وانغ! وإن وافقتُ على هذا، فهل ستسرع إلى العاصمة تشانغآن لترفع شكوى ضدي، وتطلب عزلي ونفيي؟"

"بالتأكيد! فمنصب الأمير لا يليق إلا بمن يحفظ مكانة النبلاء، وواضح أنك لست جديراً به، بدليل سخط عائلات الإقليم كافة عليك؛ حتى تشين تشوانيون رضخ بالإكراه فقط. المثل يقول: 'من ملك الفضيلة التفَّ حوله الناس، ومن تجرد منها نبذه الجميع'؛ ألا تدرك هذه الحقيقة يا صاحب السمو؟"

ضحك شياو مينغ بسخرية هادئة: "مثل جميل حقاً—'من ملك الفضيلة التفَّ حوله الناس'! سيد سون، لمَ لا تسأل عموم الرعية والفلاحين في القرى: من منا يملك الفضيلة والعدل، ومن منا تجرد منهما؟"

صرخ سون يوان تشي بحدة: "وما شأن أولئك الرعاع بالفضيلة والحكم؟! فضيلتي هي فضيلة النخبة والأعيان! هذه الإمبراطورية قامت على أكتاف عائلاتنا؛ ومصالحنا هي الأساس، وأنت تحاول قلب هذا النظام. وما دمت ترفض التراجع، فلن ننتظر العدالة بل سننتزعها بأيدينا!"

وما إن أكمل عبارته، حتى أطلق صفيراً حاداً هز المكان!

ومن داخل الغابة الكثيفة المجاورة، انطلقت أصوات صياح وضجيج مرعب لاندفاع مئات المسلحين التابعين للعائلات وهم يهجمون نحو المرج المفتوح!

تغيرت ملامح لو في واستل سيفه، وأشار للحراس الثلاثين فطوقوا شياو مينغ بجدار فولاذي متراص.

وفي اللحظة عينها، دوت صرخات مفاجئة من قلب حلقة المأدبة نفسها!

فقد فوجئ سون يوان تشي بأن الخدم والمرافقين الواقفين لتقديم الأطباق انقلبوا فجأة؛ فاستلوا خناجرهم المخبأة وهاجموا أكثر من عشرة من وجهاء العائلات المتحالفة معه وطرحوهم أرضاً!

واندفع عدد من أولئك الحراس المتنكرين بضرباتهم نحو سون يوان تشي نفسه!

صرخ سون يوان تشي بذعر: "احموني!" فهب رجاله الخاصون وأحاطوا به مشكلين درعاً ليصدوا الهجوم المباغت.

بينما وقف تشين تشوانيون مذهولاً في مكانه، والتفتت أنظاره برعب نحو الشمال؛ حيث انطلقت من بين الأشجار كتائب كثيفة من مقاتلي تشينغتشو المتشحين بالدروع الفضية الصقيلة، يتقدمون بخطى ثابتة ومخيفة لسحق التمرد وإحكام الطوق على المرج بالكامل!

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.