مساحة للحكاية، ووقت لك← سلالة الحديد
الفصل 112: الاستعداداتنحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 112: الاستعدادات

الفصل 112: الاستعدادات

"هذا صحيح؛ فبتلات أزهار الخوخ الملتصقة بنعله تؤكد أنه وقف وقتاً طويلاً أمام عتبة القاعة الكبرى ليسترق السمع، ومن هنا شككتُ في أنه سيخرج الليلة لينقل ما سمعه. وما ظننتُ أن حدسي سيكون دقيقاً إلى هذا الحد،" قال لي سان وهو ينظر إلى كوي تسي باحتقار واضح.

أثنى عليه أحد رجاله بإعجاب: "أيها القائد… فراستك حادة حقاً! لا عجب أن سمو الأمير اختارك من بين جميع الخدم لتتولى قيادة هذا الجهاز. على عكس هذا الخائن الذي لا يجيد سوى الغدر والدسائس في الظلام."

ظهر الفخر على وجه لي سان، ونظر إلى الرجل بتقدير وقال: "إن تحدثنا عن الحكمة، فلا أحد يقارن بسمو الأمير؛ والآن فقط فهمتُ سبب تصرفه طوال السنوات الماضية؛ لقد تظاهر بالضعف في تشينغتشو واستدرجهم بهدوء، حتى يتمكن اليوم من إنهاء نفوذ هذه العائلات بضربة واحدة حاسمة!"

أضاف جندي آخر: "صدقت؛ لقد صبر خمس سنوات كاملة، ولم يظهر قوته إلا اليوم. صبر سمو الأمير عميق وبعيد المدى حقاً."

ثم تابع أحدهم بصوت خافت: "ومع قائد بهذا الذكاء… من يدري؟ ربما يكون لسموه شأن كبير في صراع العرش بالعاصمة…"

لم يكمل الرجل كلامه، إذ التفت الجميع—وفي مقدمتهم لي سان—ونظروا إليه بصمت وتحذير صارم.

قال لي سان بحزم وحدة: "إياك أن تكرر هذا الكلام مرة أخرى! سمو الأمير يركز على شؤون إقطاعيته ولا يخوض في تلك الصراعات الآن. أنتم رجالي الموثوقون، ولا بأس بالحديث بيننا داخل هذه الغرفة؛ لكن إن خرج حرف واحد خارج هذه الجدران، فلن تلوموا إلا أنفسكم!"

سكت الرجال الأربعة وأومأوا برؤوسهم بطاعة وخوف.

تلفت لي سان حوله ثم أمر: "أنتما الاثنان، خذا هذا الخائن وضعاه في السجن أولاً. وأنتما الآخران، اتبعاني خارج الأسوار؛ فالأمير يرتب خطته، ولابد أن تلك العائلات تعد كمينها أيضاً. سنخرج الليلة لنستطلع أماكنهم ونرصد تحركاتهم بدقة."

"أمرك!" رد الرجال الأربعة؛ فأخذ اثنان منهم كوي تسي المغشي عليه، بينما رافق الآخران لي سان متسللين خارج المدينة.

وعند بوابات المدينة، أظهروا تصاريحهم الرسمية وخرجوا، متوجهين مباشرة نحو بركة اللوتس خارج الأسوار.

وكانت تلك البركة من أجمل المتنزهات الطبيعية في تشينغتشو؛ حيث يصب فيها أحد فروع نهر شياوتشينغ ليشكل بحيرة واسعة وصافية، تحيط بها مروج خضراء وأشجار كثيفة.

وهناك تحديداً كانت وجهة لي سان ورجاله.

وفي ضوء القمر الخافت، تحرك الثلاثة بحذر؛ متجنبين الطريق الرئيسي، وسالكين مسارات خفية بين الأحراش والأشجار على الجانبين.

وبعد أن قطعوا مسافة نحو عشرين لي، ظهرت بركة اللوتس تلمع تحت ضوء القمر؛ ولمحوا ظلال رجال يتحركون في الخفاء بين الأشجار.

انبطح الثلاثة على بطونهم وزحفوا بحذر شديد بين الأعشاب الكثيفة ليراقبوا في صمت.

وكان شياو مينغ قد درب لي سان في أكاديمية بووين على مبادئ الاستطلاع والمراقبة بدقة.

لذا لم يكن لي سان يتحرك في خط مستقيم؛ بل كان يسلك مساراً متعرجاً في المساحات المفتوحة لتضليل أي مراقب محتمل، وترك مسافات أمان بينه وبين رفيقيه، مع التوقف بين حين وآخر للإصغاء لأي حركة مريبة.

همس أحد المستطلعين بصوت منخفض جداً: "أيها القائد، عددهم هناك لا يقل عن ألف رجل."

قطب لي سان حاجبيه بقلق: "هذا عدد كبير؛ هل سيكفي خمسمائة جندي من رجالنا لمواجهة هذا الحشد؟"

سأل الآخر: "هل نعود لنخبر سمو الأمير فوراً؟"

أجاب لي سان بحزم: "ليس بعد؛ فلننتظر قليلاً لنجمع تفاصيل أوضح وأدق."

بقي الثلاثة في مخبئهم يراقبون المكان بدقة؛ ومع انتصاف الليل، اكتمل تجمع مقاتلي العائلات حول بركة اللوتس واستقروا في الغابة الجنوبية، ليتبين أن عددهم يقارب ألفاً وثلاثمائة مقاتل!

وحينها فقط، أشار لي سان لرفيقيه بالانسحاب، وعادوا سراً إلى داخل مدينة تشينغتشو.

وفي قصر أمير تشي، كان الغد هو موعد النزهة؛ وظل شياو مينغ مستيقظاً طوال الليل يفكر في تفاصيل المواجهة القادمة.

فقبل مجيئه إلى هذا العالم، لم يكن سوى باحث يفضل الهدوء والعمل داخل المختبر، وها هو الآن يجد نفسه في قلب صراع حقيقي ومصيري كأمير حاكم.

وهذه أول مرة يضع فيها نفسه في مواجهة مباشرة بهذا الحجم.

وسيكون كاذباً إن أنكر شعوره بالقلق والتوتر؛ لكنه يعلم تماماً أنه لا مفر من هذا الامتحان. فهذا هو الاختبار الطبيعي لمن يتولى المسؤولية في هذا العصر المضطرب.

فموقعه الحالي لا يسمح له بالتردد أو الضعف؛ وعبر التاريخ، لم يثبت في صراعات الحكم إلا أصحاب العزيمة القوية والقرارات الحاسمة.

صحيح أنه يستطيع بناء الصناعات وتطوير التكنولوجيا بفضل المعارف المخزونة في عقله، لكن إدارة الصراعات السياسية والتعامل مع الخصوم مهارة لا بد من ممارستها في الواقع؛ وإلا فإن كل ما يبنيه قد يضيع في لحظة واحدة.

وحضوره لهذه النزهة لم يكن لاستدراج المتآمرين فقط، بل لترسيخ هيبته ومكانته أمام مسؤولي الإمارة وأهلها: كأمير لا يتردد في مواجهة المخاطر من أجل تثبيت النظام وحماية أرضه.

وحينها فقط، سيلتف الناس والمسؤولون حوله بصدق؛ فلن يجدوا قائداً أحرص منه على حمايتهم. فالشعوب لا تحترم الحاكم الضعيف الذي يتوارى خلف أسواره.

وفوق ذلك، كان يدرك أن مؤسس إمبراطورية دا يو، الإمبراطور شياو يوانتشي، وضع نظام الإقطاعيات عمداً ليختبر قدرة الأمراء؛ فالعرش لا يناله إلا الأقوى والأكفأ في إدارة الأزمات وحسم المعارك.

لذا كان عليه أن يختبر نفسه في مثل هذه المواقف، حتى لا ينهار أمام أول خطر يواجهه مستقبلاً.

وبينما هو مستغرق في هذه الأفكار، سمع وقع خطوات سريعة، تلاها صوت لي سان الحذر من خلف الباب:

"يا صاحب السمو، رصدنا سون يوان تشي وهو يجمع أكثر من ألف مقاتل من رجاله الخاصين في الغابة المجاورة لبركة اللوتس!"

فتح شياو مينغ الباب فوراً وأدخله: "أكثر من ألف مقاتل؟"

أكد لي سان: "نعم يا مولاي؛ عددهم يقارب ألفاً وثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة مقاتل تقريباً."

ابتسم شياو مينغ بهدوء بارد: "يبدو أن سون يوان تشي حشد كل ما يملك من رجال لهذه المواجهة."

علا القلق وجه لي سان: "يا صاحب السمو، نرجو أن تعيد التفكير في الذهاب؛ فالأمر خطير حقاً."

رد شياو مينغ بثبات رغم القلق الذي يخالجه: "السهم خرج من القوس ولا تراجع الآن؛ لقد حسمتُ أمري. اذهب فوراً واستدعِ القائد لو في والوزير بانغ لنضع خطة التحرك النهائية."

انطلق لي سان مسرعاً، ولم يمضِ وقت طويل حتى حضر لو في وبانغ يوكون إلى القصر.

وحين سمع لو في تقرير لي سان، قال بحماس: "يا صاحب السمو، إذا كان الأمر كذلك، فيمكننا وضع كمين لجيش تشينغتشو في الجهة الشمالية أثناء النزهة؛ فقد أكد لي سان أن الشمال خالٍ تماماً من وجودهم."

اعترض بانغ يوكون بحذر: "لكن المرجح أن المأدبة ستقام في المساحة المفتوحة جنوب الغابة؛ والجهة الشمالية تبعد مئات الأمتار عن البركة، وأخشى ألا تصل القوات المساندة في الوقت المناسب إن بدأ الاشتباك فجأة."

قال لو في بثقة: "سأقود بنفسي ثلاثين مقاتلاً من نخبة الحرس لحماية سمو الأمير عن قرب، وسنصمد في وجههم بقوة حتى تصل القوات المساندة!"

سكت بانغ يوكون ونظر نحو لو في بتفكير.

تنهد شياو مينغ بعمق وقال: "يا قائد لو، سلامتي ونجاح هذه المهمة معلقان على شجاعتك ويقظتك غداً."

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.