الفصل 177
⟢ الفصلُ 177 ⟢
* * *
علّق غواك هان موك إصبعه بعقدة ربطة العنق، ثم جذبها ليُرخيها.
وبينما يُخفّف من شدّ العقدة المحكمة، شعر مجددًا بمدى عبثية الموقف.
أن تُقام حفلةٌ كهذه ضمن محنة تدور أحداثها في عالم من الخيال العلمي؟!
كانت بدلة السهرة ذات الذيل الطويل، والمُزيّنة بأنابيب من الألياف الضوئية على امتداد خطوط الخياطة ذات تصميم قديم ومبتذل.
قالوا إنهم كائنات فضائية، لكن تصرّفاتهم لم تختلف عن تصرّفات نبلاء العصور الوسطى قيد أنملة.
أخذت الإشعارات تتوالى بلا انقطاع من السوار المعدني الملتف حول معصمه.
كانت طلبات الضيوف وأوامر رؤسائه تنهال عليه، لكن غواك هان موك تجاهلها جميعًا، ومضى يتجه بتمهّل نحو غرفة التدخين.
كان ذلك المكان الذي اتفق مع هان غو يو على تبادل الملاحظات فيه.
رغم أنه لم يعثر على طرف خيط مناسب بعد، إلا أنه لم يستطع الجلوس ساكنًا لقلقه على هان غو يو.
صحيح أن قد وصلته رسالةً منه، لكنّه شعر بأن رؤية وجهه ولو لمرة واحدة ستُطمئن قلبه.
وأثناء سيره، أدرك غواك هان موك أنه يمشي بتعجّل لا يليق بنادل.
فأبطأ خطواته متأخرًا، وحاول الاندماج في محيطه.
كان غواك هان موك يشعر باضطرابٍ لم يعتده من نفسه.
ففي سيوف، أدرك إدراكًا مريرًا أن الكائنات الموجودة خارج الأرض تريد هان غو يو.
بل إن الحفلة التنكرية نفسها كانت فعاليةً تستهدف هان غو يو صراحةً، دون أي محاولة لإخفاء ذلك.
وبعد أن بلغ الأمر هذا الحد، لم يكن أمام غواك هان موك سوى أن يتساءل.
لماذا لا يهرب هان غو يو؟
منذ اللحظة التي اقتاد فيها الحاكم الذي يُدعى سيد سيوف، جي هيون وو، كانت أمام هان غو يو خياراتٌ أخرى كثيرة.
كان بإمكانه التخلّي عنه والهرب إلى برّ الأمان، لكنه لم يفعل.
بل خاطر بنفسه لإنقاذ جي هيون وو، وكأن الأمر بديهيّ لا يستدعي التفكير.
لم يُظهر أدنى تردّد أو تذبذب في قراره.
لكن هان غو يو، بصفته حاكمًا، لم يكن قد بلغ من النضج شيئًا يُذكر؛ ولذلك انتهى به المطاف مطاردًا من قِبل حكام أخريـن، وكأنه فريسةٌ يتعقّبونها.
إذًا، ماذا بوسعه هو، وماذا بوسع أتباع الحاكم، أن يفعلوا من أجل هان غويو؟
كان يعرف ذلك أكثر من غيره، لأنه اختبر بنفسه حقيقة الكائنات التي تُسمّى حكام.
فمهما بلغت ملاءمة الإنسان ليكون مختارًا، فإنه يظلّ مجرد إنسان، ولا يملك من القوة ما يكفي لمواجهة كائنات سامية كالحكام، تفوقه بمراحل لا تُحصى.
أحقًّا أن دور الأتباع لا يتجاوز، كما يقول الفضائيون، أن يكونوا مجرد ألعابٍ يتسلّى بها الأطفال؟
ألا يستطيعون حتى حماية سيّدهم…؟
‘اللـXـنة، يا له من وضعٍ مُهين.’
ظلّ ذلك الضيق المتشبّث بصدر غواك هان موك يعذّبه بلا هوادة.
كان ذلك شعورًا بالعجز، شعورًا بأنه لا يستطيع فعل أي شيء، وهو شعورٌ لم يكن يريد اختباره مجددًا أبدًا.
—’هيـونغ، أنا بخير.’
تداخلت في ذهنه صورة الطفل الصغير الذي قال هذه الكلمات في الماضي، رغم أن حاله لم تكن توحي بأنه بخير على الإطلاق، مع صورة هان غو يو في الحاضر.
تجعّد وجه غواك هان موك دون وعي، وابتلع شتيمةً كادت تفلت من فمه.
في ذلك الوقت، لم يكن للقتال بكل ما أوتي من قوة أي جدوى. لكن هذه المرة، أراد أن ينجح، مهما كلّفه الأمر.
كان بحاجة إلى تغيير، أيّ تغيير كان.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، اشتاق غواك هان موك إلى رؤية جي هيون وو.
لم يكن يتوقّع أن يجيبه عن أسئلته بوضوح، مهما كانت، لكنه كان رئيسًا يُصدر توجيهات حاسمة في مثل هذه الظروف.
وبينما كان يفكّر في ضرورة إخراج جي هيون وو من البرج بأسرع وقت، وصل إلى غرفة التدخين.
كانت الغرفة خالية تمامًا.
ففي عالم سيوف، يُعدّ التدخين باستخدام التبغ سلوكًا لا يُقدم عليه عادةً سوى أفراد الطبقة العاملة، لذا لم يكن غريبًا أن تكون الغرفة خالية تمامًا.
فقد أُنشئت هذه المساحة من باب المظاهر فحسب.
ولهذا السبب، اختار هذا المكان من بين غرف التدخين المتعددة، إذ كان بعيدًا عن قاعة الحفل.
كان يتفقّد المكان حوله ليتأكّد من عدم وجود أحد في إحدى الزوايا المعزولة، عندما انفتح باب غرفة التدخين.
كان غواك هان موك يتظاهر بأنه نادل جاء لتنظيف المكان، لكنّه أرخى جسده حين رأى الداخل.
ومع ذلك، لم يتخلَّ عن حذره.
كانت الوافدة هي سيسيليا، وهي تجرّ وراءها فستانها الأبيض.
وبما أنها كانت هي الأخرى جزءًا من عملية التغطية الصحفية، فلم يكن مجيئها إلى هنا أمرًا مستغربًا.
لكن لا سيسيليا ولا غواك هان موك بادر إلى إظهار معرفته بالآخر دون داعٍ.
أخرجت سيسيليا علبة سجائر من حقيبتها الصغيرة، ثم سألت فجأة:
“أتريد سيجارة؟”
حرّك غواك هان موك، الذي كان وجهه خاليًا من التعبير، عينيه نحوها ببطء.
في اللحظة التي التقت فيها عينا سيسيليا بعيني غواك هان موك، ابتسم ابتسامة عريضة وكأن شيئًا لم يكن، ثم أجاب:
“إن منحتِني سيجارة واحدة، فلن أنسى لكِ هذا الجميل ما حييت، يا أختي الكبرى.”
ناولته سيسيليا سيجارة بصمت، وحين وضع غواك هان موك طرفها بين شفتيه، أشعلتها له بقدّاحة بلازمية.
راقبته وهو يستنشق الدخان، فضيّقت عينيها قليلًا.
كانت السجائر الاصطناعية التي يدخّنها أفراد الطبقة العاملة في هايبر إيدن تحتوي على مواد كيميائية تُسبّب قدرًا من الصحوة.
وكانت قوية إلى حدّ يصعب على غير المعتادين عليها تحمّله، لكن غواك هان موك دخّنها بلا اكتراث، وكأنها لا تؤثّر فيه.
وحين شعر بنظرات سيسيليا، أطلق صوتًا متفاجئًا، ثم أدار رأسه جانبًا ونفث الدخان قائلًا:
“آه، لا تسيئي فهم الأمر. أنا لا أدخّن أصلًا. هذه السيجارة الوحيدة التي سأدخّنها الآن، لا أكثر.”
لم تكن قد سألته عن شيء من الأساس، ومع ذلك أخذ يسوق الأعذار واحدًا تلو الآخر، فضحكت سيسيليا ضحكة قصيرة ساخرة.
ظلّا يدخّنان لبعض الوقت دون كلام، فيما أخذ الدخان ذو اللون الفلوري، الذي يميّز السجائر الاصطناعية، يتبدّد في الهواء.
لم تكن سيسيليا هي الشخص الذي ينتظره، لكنّه كان يرغب في التحدّث معها ولو مرة واحدة.
كان يريد أن يفهم سرّ الميل الغريب الذي يُظهره الشخصيات غير القابلة للعب تجاه هان غو يو، والذي يتكرّر على نحو لافت.
وكانت سيسيليا، على وجه الخصوص، تُظهر علاقتها الوطيدة بهان غو يو علانيةً، مما جعل التحدّث معها أكثر ضرورة.
ما الذي فعله هان غو يو حتى يدفع شخصية غير قابلة للعب إلى التعلّق به والدفاع عنه بهذا الشكل؟
كان غواك هان موك لا يزال يفكّر في موضوع مناسب لبدء الحديث حين قالت سيسيليا فجأة:
“كنت أتمنى ألّا يعود غونبام إلى هنا. لقد عانى كثيرًا.”
تحدّثت سيسيليا دون مقدّمات، ثم تابعت وهي تحدّق مباشرةً في غواك هان موك:
“ولكن إن كان سيعودُ مجدداً…. فقد فكّرتُ أنه يتوجبُ عليَّ أن أظلّ معهُ دائماً. فهو يكرهُ أن يكونَ وحيداً.”
كان في كلامها تأكيد واضح على أنها ترى أنكم لا فائدة منكم لغونبام.
كانت كلماتها تحملُ معنىً قاطعاً مفادهُ ‘أنكم لا فائدةَ منكم لـ غونبام.’
ومع ذلك، تظاهر غواك هان موك بأنه لم يفهم التلميح، وأجاب:
“آه، فهمتُ. لكن أظنّ أنكِ لم تعودي بحاجة إلى القلق عليه.”
“……”
“فأخونا ألبام لديه ثلاثة إخوة أصغر منه، تخيّلي ذلك! وسيتولّى إخوته الاهتمام به على أكمل وجه. ثم إنكِ تعرفين، يا أختي الكبرى، أنهم ليسوا مجرد إخوة صغار عاديين.”
أجاب غواك هان موك بوقاحة واضحة، وهو يعلّق السيجارة بين أصابعه.
“ألسنا أتباعه؟”
تغيّرت نظرة سيسيليا إلى الشراسة في لمح البصر. وابتسمت بعينيها اللامعتين ابتسامةً ماكرة.
“ولكن بالنسبة لكونكم إخوةً صغار وتابِعين…. تبدو معلوماتكم عن غونبام شحيحةً للغاية.”
“مـاذاا؟”
تظاهر بالدهشة على نحو مبالغ فيه، فبدأت سيسيليا تسرد ذكرياتها عن الوقت الذي قضته مع غونبام.
ورغم أنها تظاهرتْ باسترجاعِ الذكريات، إلا أن نيتها كانت واحدةً.
كانت تقصدُ أنه مهما ادّعيتم أنكم إخوةٌ صغار أو تابِعون، فإن علاقتها هي بهِ في النهاية أكثرُ عمقاً بكثير.
“يحبُّ غونبام النومَ صباحاً، ولا يستيقظُ بسهولةٍ.”
وبينما كان يستمع إليها وهي تتحدّث حتى عن عاداته اليومية البسيطة، تذكّر غواك هان موك ما قاله مو هاي إن ذات مرة.
—’ألم أكن غريبة الأطوار بعض الشيء؟’
كان ذلك سؤالًا طرحته مو هاي إن على غواك هان موك وحده، بهدوء، بعد مهمة التغطية الصحفية في متجر المستلزمات الكبير.
كانت مو هاي إن قد دخلت في مواجهة مع سيسيليا بسبب هان غو يو.
وبالطبع، كانت سيسيليا هي من بدأت الاستفزاز.
لكن مو هاي إن أيضًا لم تتمكّن من التزام الهدوء، وردّت عليها بالمثل.
لم تكن هناك حاجة إلى افتعال خلاف مع شخصية غير قابلة للعب ذات أهمية، ومع ذلك تصرّفت وكأنها تتباهى بمدى قربها من هان غو يو.
وقد اعترفت مو هاي إن بأنها شعرت في تلك اللحظة بدافع قوي إلى حدّ لم تستطع معه كبح نفسها.
وقالت إن مشاعرها، التي كانت ستتجاهلها في الظروف العادية، بدت وكأنها تضخّمت على نحو غير طبيعي.
والآن، كان غواك هان موك يخوضُ الشعورَ الذي تحدثتْ عنه مو هاي إن بطريقةٍ صريحةٍ للغاية.
“هذا صحيحٌ بالتأكيد. فـ هاتبام هيونغ لا يستطيعُ الاستيقاظَ خاصةً في الأيام الممطرة.”
هزّ رأسه نافيًا، ثم تابع:
“وحين يستيقظُ من النوم، يكونُ شعرهُ منفوشاً دائماً…. آه، وفي المرة الماضية، جاء إلى غرفة نومي قائلاً إنه لا يريدُ النومَ بمفرده.”
مع أنه جاء ليقتلع عينيّ.
وبينما كان غواك هان موك يسرد قصصه مع هان غو يو، أخذ يشتم نفسه في سرّه.
‘ما الذي أفعله بحق خالق الجحيم؟’
كان يعلم أن تصرّفه طفوليٌّ إلى أبعد حدّ، ومع ذلك لم يستطع التوقف عن الكلام.
لقد بدا وكأنه طفل صغير لا يريد لأحد أن يستحوذ على اهتمام سيّده.
لم يعرف إن كان السبب هو ارتباطه هو ومو هاي إن بهان غو يو بصفتهما حاكم وأتباع، أم أن هناك سببًا آخر.
وفي الوقت الحالي، اختار أن يُطلق لسانه بدلًا من أن يُمعن التفكير في الأمر.
وبينما كانت سيسيليا تستمع إلى حديثه، نفثت الدخان طويلًا، ثم سألته بابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها:
“لكن لماذا لم تكونوا إلى جانبه في ذلك الوقت؟”
لم تدع له فرصةً لالتقاط أنفاسه بعد أن ارتبك للحظة، بل تابعت:
“عندما جاء ذلك الطفلُ الصغيرُ بمفردهِ إلى هايبر إيدن، وعملَ بضراوةٍ في التغطية الصحفية، وجنى المالَ بشتى الطرق والوسائل، وكان يبكي سرّاً في الليالي من شدة الألم والحرقة….”
سألت سيسيليا مجددًا بنبرة ساخرة:
“لماذا لم يكن أحدٌ بجانبِ غونبام في ذلك الوقت؟”
ثم أطفأت سيجارتها بالضغط عليها في منفضة السجائر.
وكسرت السيجارة الطويلة قبل أن تُكمل تدخينها، ثم همست:
“أنا من بقيت إلى جانب غونبام حين كان في أشدّ لحظاته قسوة. أنا من أنقذته حين كان يحتضر، وهو أيضًا أعادني إلى الحياة.”
أخذت نظرات سيسيليا تزداد قتامةً شيئًا فشيئًا. كان ذلك وجهًا لم تكن تُظهره لهان غو يو أبدًا.
“لقد عاد الطفل الذي أخرجته بنفسي من هايبر إيدن، متمنيةً ألّا يتألّم مجددًا مهما حدث.”
قالت سيسيليا وعيناها توحيان بأنها على وشك إخراج مسدس النبض وإطلاق النار عشوائيًا في كل اتجاه:
“ولا أستطيع التوقف عن التفكير في أن هذا كلّه بسبب إخوته الصغار.”
ظلّ غواك هان موك ينظر إلى سيسيليا بصمت للحظات.
ثم أطفأ سيجارته هو الآخر، وفتح فمه ببطء.
“…كانت لدينا ظروفنا الخاصة آنذاك.”
أجابها بصدق، بنبرة خلت تمامًا من أي مزاح.
“لن نسمح بحدوث أمرٍ كهذا مجددًا. أبدًا.”
“……”
اهتزّت نظرات سيسيليا للحظة.
بدا أنها لم تتوقع منه أن يستجيب بهذه الطريقة، إذ ظلّت صامتة، مكتفيةً بمبادلته النظرات.
عندها انفتح باب غرفة التدخين بعنف، مُصدرًا ضجيجًا.
“….!”
كانت مو هاي إن واقفة عند الباب، ووجهها متجمّد وقد شحب بشدة.
استشعر غواك هان موك وسيسيليا أن أمرًا خطيرًا قد حدث، فتغيّرت ملامحهما في اللحظة نفسها.
تفحّصت مو هاي إن غرفة التدخين، ثم تمتمت بوجهٍ يائس مذهول:
“لقد اختفى المتدرّب.”
* * *
كانت هناك لوحة جدارية هولوغرافية طويلة تمتد أفقيًا، وتغطي جدارًا كاملًا من أحد جوانبه. وكان سطحها غير شفاف، بحيث لا يمكن رؤية ما وراء الشاشة.
ومع ذلك، استطعت أن أتخيّل وجود ذلك الكائن في الخارج، وكأن اللوحة تصوّره أمامي.
رجلًا يبلغ طوله ثلاثة أمتار، لا بدّ أنه يسير بخطوات هادئة ومتمهّلة.
لم أعد أشعر بالحرارة الطفيفة المنبعثة من جهاز عرض الشاشة الهولوغرافية، رغم أنني كنت أشعر بها قبل لحظات.
بل خُيّل إليّ أنني أرتجف من البرد.
حتى الحاكم الصغير، الذي كان يتلذّذ قبل قليل بمضايقة الرئيس تشا كما يحلو له، لزم الصمت وحبس أنفاسه.
لماذا؟
لماذا كان دومينيك برفقة السيد ذو الكتل السوداء؟
كنت قد خمّنت بالفعل أنهما قد يعرفان بعضهما بعضًا.
ففي اتصالنا السابق، أشارَ السيد ذو الكتل السوداء إلى دومينيك بعبارة ‘ذلك الشخص’، ولمح بطريقة غير مباشرة إلى معرفته به.
لكن دومينيك كان يتجاهل السيد ذو الكتل السوداء.
لكنَّ دومينيك تجاهلَ السيد ذو الكتل السوداء وقتَها، ولم ينطقْ إلا عندما تصرّفَ السيد ذو الكتل السوداء بنبرةٍ تهديديةٍ تجاهي.
لذلك، كنت أفترض لا شعوريًا أن دومينيك سيساعدني أو سينحاز إلى صفي، كما اعتاد أن يفعل دائمًا.
لكن ظهور دومينيك، الذي اختفى فجأة، إلى جانب السيد ذو الكتل السوداء…
ألم يكن ذلك يعني أنه استعاد كل شيء؟
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فعلى الأقل…
بدا لي أنه ذهب إلى السيد ذو الكتل السوداء بحثًا عمّا فقده.
‘لا، دعنا لا نستبقْ الأحداثَ. فالأمرُ… لا يزالُ غيرَ حاسمٍ بعدُ.’
كان دومينيك كائنًا فضائيًا يستحيل معرفة ما يدور في ذهنه.
وبدلًا من التسرّع في تخمين نواياه، لم يفت الأوان بعد كي أراقب تطوّر الموقف قليلًا، ثم أستسلم لليأس إن لزم الأمر.
أجبرت نفسي على التفكير بإيجابية، ثم ألقيت نظرة على الرئيس تشا.
لم تكن المسافة بين الشاشة الهولوغرافية والجدار تتّسع إلا لشخص واحد بالكاد.
كنا أنا والرئيس تشا متلصقَينِ بالجدارِ تقريبًا ونقفُ وجهًا لوجهٍ جنباً إلى جنبٍ.
كان الرئيس تشا يمسك بساعدي بقوة، كي يمنعني من الخروج إلى الخارج، وقد بدا عليه توتر شديد يفوق كل ما رأيته منه من قبل.
لم أرَه بهذه الهيئة من قبل، لا حتى أمام الكائن الفضائي ذي العيون الغريبة، ولا حين كان يتعامل مع الحاكم الصغير.
اختبأنا خلف الحاجز الرقيق الذي تشكّله الشاشة الهولوغرافية، وأرهفنا السمع إلى أصوات الحكام.
“كما طلبت، لم أُبلغ أحدًا من الخارج بقدومك. فلو علموا أنك أتيت، لربما سبّب ذلك لك الكثير من الإزعاج!”
كان السيد ذو الكتل السوداء يتصرّف بتهذيب ملحوظ.
كانَ السيد ذو الكتل السوداء يتكلمُ بمفردهِ في أغلبِ الأحيانِ، بينما يكتفي دومينيك بإجاباتٍ قصيرةٍ، غيرَ أنَّ دومينيك واصلَ الحديثَ بلغةٍ لم أستطعْ فهمَها على الإطلاقِ.
كان صوته يبدو مرتاحًا، كما لو أنه يرتدي بدلة رسمية فُصّلت خصيصًا له.
وشعرت بأن تلك اللغة تليق بدومينيك تمامًا.
‘إذًا، كان دومينيك يتكلّم بلغتي مراعاةً لي طوال هذا الوقت.’
وفي اللحظة التي أدركت فيها هذه الحقيقة التي لم أنتبه إليها من قبل، توقّف صوت خطوات حذاء أنيق أمام الشاشة.
“……”
اشتدّت قبضة الرئيس تشا قليلًا على يدي.
كان الأمر مؤلمًا إلى حدٍّ ما، لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالشعور بالألم على نحوٍ طبيعي أنا أيضًا.
بدا الرجل خلف الشاشة وكأنه يتأمّل اللوحة الجدارية.
أخذ السيد ذو الكتل السوداء يشرح الرسم المعروض على شاشة الهولوغرام.
“إنها مجرّة حلزونية أضفناها حديثًا إلى نطاقنا.”
لم يكن من الممكن أن يجهل دومينيك أو السيد ذو الكتل السوداء أنني أختبئ هنا في هذه اللحظة.
لا بد أن وراء تظاهرهما بالجهل، وكأنهما يؤديان مشهدًا مسرحيًا متقنًا، سببًا ما.
حبست أنفاسي، وانتظرت ما سيقال بعد ذلك.
“إنها تشبه المجرّة التي تقع فيها كوكبة أوريـون يانغ! إذا دُمّرت كوكبته، فسأهديه هذه المجرّة بدلًا منها!”
راحَ السيد ذو الكتل السوداء يتودّد إليّ بإلحاحٍ مُثير للشفقة، وأنا خلف الشاشة، معبّرًا عن أمله في أن تنال إعجاب أوريـون يانغ.
ثم أضاف عبارة مبهمة، كما لو كان يتمتم بها لنفسه.
“أتساءل إن كان كوكب أوريـون يانغ سينجو هذه المرّة.”
هذه المرّة…؟
أوحى كلامه بأن الكوكب قد دُمّر من قبل.
وفي تلك اللحظة، أدركت السبب.
أدركت لماذا تعمّد كلٌّ من دومينيك والسيد ذو الكتل السوداء أن يجعلا الأمر يبدو وكأنني أتنصّت على حديثهما.
فالحصول على المعلومات يعني تحمّل ثمنٍ مقابلها، ولعلّهما أرادا تخفيف ذلك الثمن عنّي.
لكنني لم أفهم لماذا كان السيد ذو الكتل السوداء يُغدق عليّ كل هذه المجاملة، ويمنحني المعلومات إلى هذا الحد.
تدفّع الشكّ في داخلي بفعل غريزتي.
‘هل يُسمح لي حقًّا بسماع هذا؟’
لسببٍ ما، شعرتُ أنه لو كانت نافذة النظام موجودة، لأخذت تُظهر أمامي نوافذ مربّعة متتالية، تحذّرني بشدّة من الاستماع.
وبينما كنت غارقًا في حيرتي، سمعتُ كلامًا لم أفهم معناه.
“■■■■.”
لم أكن متأكدًا، لكنني شعرتُ لسببٍ ما أنه كان يتحدّث عن جي هيون وو.
وحين سمعَ السيد ذو الكتل السوداظ كلام دومينيك، أصدر بصوته أنينًا متقطّعًا يشبه البكاء.
“لم يكن أمامي خيار آخر! فلولا ذلك، لما أولاني أيّ اهتمام أصلًا. لكن أوريـون يانغ بدأ البثّ فجأة.”
أخذ السيد ذو الكتل السوداء يتوسّل إلى دومينيك، متذمّرًا من أن خطّته قد انهارت بالكامل، وأنه لم يحصل على أيّ شيء في النهاية.
ثم هتف بصوتٍ عالٍ، وكأنه يُعلن عن الفقرة الرئيسية في عرضه.
“ولهذا السببِ قمتُ بتغييرِ القواعدِ لجعلِ الأمرِ أكثرَ إثارةً ومتعةً! وأنا واثقٌ من أنَّ الأمرَ سينالُ إعجابَكَ.”
وفي اللحظة نفسها، تموّجت الشاشة.
اتسعتْ عيناي وأنا أنظرُ إلى ما يحدثُ أمامي.
كانت يدٌ ترتدي قفّازًا تعبث بشاشة الهولوغرام، وكأنها تلهو.
ووفقًا لحركةِ اليدِ، تموجتِ الشاشةُ واضطربتْ، غيرَ أنَّ الجانبَ الآخرَ ظَلَّ محجوبًا لا يُرى.
“لا بدّ من وجود جائزة مخصّصة للبطل الرئيسي، أوريـون يانغ! وها هو أحد أتباع أوريـون يانغ موجود هنا أيضًا. لكن…”
وجّه السيد ذو الكتل السوداء كلامه نحوي، وأنا خلف الشاشة.
“لن يكون بالشكل الذي يتذكّره أوريـون يانغ!”
وفي اللحظة نفسها، اندفعتُ نحو الخارج.
أو بالأحرى، حاولتُ ذلك.
فلولا أن الرئيس تشا أمسك بي، لاندفعتُ بالتأكيد إلى خارج الشاشة.
ولم أستطع حتى الصراخ في وجه السيد ذو الكتل السوداء.
فقد أطبق الرئيس تشا بيده على فمي، مانعًا إيّاي من إصدار أيّ صوت.
رمقته بنظرة حادّة، لكنه ظلّ ممسكًا بي بإحكام، وهزّ رأسه نافيًا.
كان يحاول أن يُفهمني أن هذا تحديدًا هو ردّ الفعل الذي يسعى إليه الكائن الموجود في الخارج.
وبينما كنت ألهث، أخرج السيد ذو الكتل السوداء يده من الشاشة.
وتلاشى صوتهُ في أذنيَّ وهو يترددُ كالصدى:
“ستكون لعبة الغميضة من أجل الحاكم الصغير ممتعة.”
“ستكونُ لعبةُ الغميضةِ هذهِ ممتعةً جدًا من أجلِ الحاكم الصغيرِ.”
~~~~~~~
اذا ما شفت تفاعل بالموقع حوقف انشر فيه، تلاقوني في قروب التيليقرام
⊹₊˚‧︵‿₊୨ᰔ୧₊‿︵‧˚₊⊹
⋮ Snow 💐.
ˎˊ˗ جـروب التيليقرام حيث الفصول تنشر هناك أولًا ༉‧₊˚. :
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.