الفصل 14: 14
14
الفصل الرابع عشر
كان أرباد قد بلغ الثالثة والعشرين من عمره بالفعل. وفي الحقيقة، يُعدّ ذلك عمرًا متأخرًا قليلًا للزواج.
فالنبلاء عادةً ما يتزوجون بين أواخر سن المراهقة وبدايات العشرينات. ولأن الإمبراطور لم يكن يثق بابنه كوريث للعرش، لم يدفع نحو تزويجه. بل وصل به الأمر إلى أن ألحقني بابن أخيه، مستندًا إلى نفوذ آل ديلفين.
”لكن الخطوبة والعلاقات العاطفية أمران ‘مختلفان.’
في جميع الحيوات الثلاث التي عشتها قبل العودة بالزمن، سمعت الشائعة نفسها:
أن ولي العهد أرباد كان يملك حبيبة خفية. لم أعرف هويتها بالتحديد. لكن المؤكد أنها كانت علاقة محرمة. وبعد أن انتُزعت منه… أو فقدها… جنّ جنونه. هذا كل ما عرفته. وفوق ذلك…
“يبدو… أن ذلك الفتى كان يحب امرأة. ولم أعرف حتى هذا الأمر إلا بعد موته، وبعد أن فشلت في حمايته.”
كان قائل هذه الكلمات والد أرباد نفسه: الإمبراطور الحالي فالتير إيستريد. أكان ذلك في حياتي الثانية؟
في ذلك الوقت، قضيت فترة إلى جانب الإمبراطور بعدما قتل ابنه المجنون بيده، واختار أن يعيش منعزلًا في معبد ناءٍ. حينها بدا كرجل لم يتبقَّ منه سوى قشرة فارغة.كان شعره قد ابيضّ بالكامل.
مع أن الزمن لم يكن قد تجاوز عامين فقط عن الحاضر. وبما أن مصدر المعلومة هو الإمبراطور نفسه، فلم يكن هناك ما يدعو للشك فيها. لهذا أضفت بند “حق الطلاق الحر” مراعاةً له! ومع ذلك، لم أكن أفهم حقًا سبب غضبه!
‘حتى إن لم تكن تلك المرأة موجودة الآن، فقد تظهر لاحقًا!’
وبينما كنت أرمش بحيرة، سأل أرباد مجددًا:
“لماذا أصررتِ على إضافة هذا البند؟”
“لأن سموك تملك شخصًا تحبه… أو ربما ستقع في حب شخص ما مستقبلًا؟”
أمال أرباد رأسه قليلًا. ثم قال شيئًا يكاد يصيب المرء بالإغماء من شدّة سخافته:
“أليس الأمر ببساطة أنكِ تحاولين وضع صمام أمان يسمح لكِ بالانسحاب متى شئتِ؟”
“ماذا؟!”
أي هراء هذا؟كان ينظر إليّ كما لو كنت نصّابة تبيع وثائق تأمين مزيفة وتخطط للهرب بالأموال عند أول فرصة.
ثم أضاف:
“بمعنى أنكِ تنوين أخذ ما تريدينه مني ثم الفرار وقتما تشائين.””كشريرة تتخلص من فتاة بريئة وضعيفة!”
“ما هذه التشبيهات الغريبة التي ترددها منذ قليل؟!”
لم أعد أحتمل. فمددت يديّ الاثنتين وأطبقت بهما على فمه الذي لم يتوقف عن إطلاق التفاهات…!
ولم أدرك إلا متأخرة أنني اقتربت منه أكثر مما ينبغي. عندما تداخلت أنفاسنا، دغدغ هواء زفيره باطن كفي. كانت شفتاه أكثر دفئًا ورطوبة مما توقعت. وأعادني ذلك الإحساس الناعم إلى قبلة العهد التي تبادلناها قبل قليل…
‘لا! ليس هذا المقصود!’
تماسكت بصعوبة وهتفت:
“ومع ذلك… لا!”
“لا ماذا؟”
سألني وهو لا يزال محاصرًا بين يدي. فداعبت أنفاسه راحتي بوضوح أكبر.
“هييك!”
ارتجف جسدي كله. وفي النهاية سحبت يدي بسرعة. شعرت وكأنني أنا الخاسرة في هذه المواجهة. وذلك أغضبني. فهذا البند لم أضعه لأجلي، بل لأجله هو.
‘لأنه بحلول ذلك الوقت سيكون قد التقى بحبيبته.’
لذلك أعلنت بابتسامة استفزازية:
“لاحقًا، لا تفكر حتى في أن تشكرني لأنني أضفت هذا البند إلى العقد.”
عندما يحين الوقت، ستكون أنت من يتوسل إليّ من أجل الطلاق. عقد أرباد ذراعيه بضيق.
“وماذا لو لم يحدث ذلك؟”
“…هاه؟”
“ماذا لو جاء ذلك اليوم، ولم أشعر بالامتنان لهذا البند، بل كانت لديّ شكوى منه؟”
أدركت فجأة أن بيني وبينه قاسمًا مشتركًا.كلانا لا يطيق الخسارة. لكن سؤاله بدا ساذجًا. فهو لا يعرف المستقبل.
“مستحيل.”
“لا أفهم سر ثقتكِِ هذه.”
وجود شكوى من بند الطلاق الحر يعني ببساطة أنه لا يريد الطلاق. ولم يكن هناك أي احتمال لأن يحدث ذلك مع أرباد. كانت تلك ثقة شخص يعرف المستقبل. ظل يحدق بي بتعبير مستاء للحظات، ثم قال فجأة:
“إذن فلنعدّل البند قليلًا.”
“كيف؟”
“إذا اتضح لاحقًا أن لديّ اعتراضًا على بند الطلاق الحر، يُلغى البند بالكامل. أما إذا كنتِ محقة، وشعرت فعلًا بالامتنان والسعادة…”
توقف لحظة.
‘هل أنا أتخيل؟’
لكن كلامه بدا وكأنه واثق تمامًا من أنه سيرفض الطلاق مستقبلًا. وهذا مستحيل. أملت رأسي بحيرة.
“وإذا كنت سعيدًا وممتنًا؟”
“فسأمنحك هذا القصر المنفصل نفقة طلاق.”
“موافقة!”
ضحكت فورًا وعدّلت البند في العقد.
‘جيد! الممتلكات الإضافية مرحب بها دائمًا!’
في تلك اللحظة،كنت أظن أنني ربحت هذا الرهان مسبقًا. لأنني الوحيدة التي تعرف المستقبل.
***
بعد حرب كلامية طويلة نسبيًا، انتهينا أخيرًا من صياغة عقد التكليف وتوقيعه. نظرت إليه بفخر.
“هل يعجبك إلى هذه الدرجة؟”
“بالطبع! هل تعرف كم هو مهم؟”
تمتم أرباد بصوت متجهم:
“حقًا لا تملكين أي إحساس بالمناسبة التي نعيشها اليوم.”
“وأي مناسبة أهم من يوم إتمام العقد؟”
هل تعرف مدى أهمية هذا؟ لقد حصلت على حليف قوي اسمه أرباد. وربطته بي بإحكام عبر الزواج.
‘شيء لم يحدث في أي من حيواتي السابقة!’
وكان ذلك وحده تقدمًا هائلًا.
“…”
لسبب ما، أخذ أرباد يدلك جبهته وكأن صداعًا يهاجمه.
“حسنًا. بما أنه يوم مهم إلى هذا الحد، فسأطرح سؤالًا واحدًا فقط.”
“تفضل.”
والآن بعد أن أصبح العقد بين يدي،كنت مرتاحة تمامًا.
“كيف عرفتِ بملك المرتزقة؟ وكيف تستطيعين جعلي أعتلي العرش دون أن أجن؟ وهل هذا ممكن أصلًا…؟”
راقب وجهي قليلًا ثم عدّل سؤاله.
“…يبدو أنكِ لن تخبريني بسهولة.”
“صحيح.”
مهما كانت المناسبة، لا أستطيع إخبارك الآن. فبيننا لا يزال الحذر والشك أكبر من الثقة. ولو بدأت أتحدث عن العودة بالزمن… فسوف يزداد شك أرباد بي فقط.
‘وبعد أن أثبت له الأمور ويثق بي تمامًا… هل سأحتاج أصلًا لإخباره؟’
فبحلول ذلك الوقت سيكون قد التقى بحبيبته.
وسأكون أنا مطلقة وحرة بالفعل. إذا تعاملت مع المستحوِذة ولودفيغ كما ينبغي قبل ذلك، فلن يهم الأمر بأي حال. ظل أرباد يعبس ويرخي حاجبيه عدة مرات، ثم اختار سؤالًا آخر أخيرًا.
“ما طبيعة علاقتك بذلك الرجل بالضبط؟”
“هاه؟ أي رجل؟”
حين حدقت فيه باستغراب أوضح:
“الرجل الوحيد الذي سلّ سيفه في وجهـي أثناء موكب الزفاف قبل ثلاثة أيام.”
“آه! السير بيلتين!”
“”نعم، هو.”
“ما الذي يمثله لكِ بالضبط؟”
أملت رأسي قليلًا.
“مجرد فارس وسيدته.”
ثم فكرت للحظة.
“أو ربما… سيد وفارسه؟
“على أي حال، هو تقريبًا فارسي الوحيد. كما أشرت أنت بنفسك.”
حتى الآن ما زلت أشعر ببعض الخجل من ذلك المشهد. ففي موكب مكتظ بالناس، كان الشخص الوحيد الذي استل سيفه لحماية العروس هو بيلتين. ولم يكن الفارس الوحيد من آل ديلفين هناك. في النهاية، كان ذلك دليلًا واضحًا على ضعف سيطرتي على أسرتي. لكن أرباد لم يبدُ مقتنعًا.
“اشرحي أكثر.”
أجبت بمنتهى الصدق:
“أممم أنه… شخص أشعر بالامتنان له كثيرًا؟ وأريد حمايته؟”
“هذا سمعته بالفعل.”
“لأن هذا كل ما في الأمر.”
حككت خدي. حقًا لم أفهم ما نوع الإجابة التي ينتظرها. تنهد أرباد طويلًا ثم سأل بصراحة:
“سأطرح السؤال مباشرة.”
“هل هو… حبيبكِ؟”
“…ماذا؟!”
قفزت من مكاني مصدومة. لكن افتراضاته الغريبة لم تتوقف.
“وبخصوص بند الطلاق الذي أضفته قبل قليل. أليس هدفكِ أن تستخدِميني لإيقاف لودفيغ، ثم تتزوجيه هو بعد ذلك؟”
كدت أقول إن هذا سخيف. لكن ذكرى اليوم الذي هرب فيه السير بيلتين معي في حياتي الثالثة مرت في ذهني. في ذلك اليوم تخلى عن شرفه كفارس وهرب مع عروس ليلة زفافها. ومع ذلك… ومع ذلك…
“لا تحزني هكذا. إن استطعتُ… أن أكون عونًا لكِ ولو قليلًا، فهذا يكفيني…”
عندما عادت النهاية المروعة التي لقيها إلى ذاكرتي، تصلب جسدي دون أن أشعر. وبسبب ذلك، ضيعت فرصة الرد على سؤال أرباد. فضحك ضحكة حادة.
“يكفي، لا داعي للإجابة. تعبير وجهكِ وصمتكِ يكفيان.”
“…”
بدا وكأنه أساء فهم شيء ما. لكن ذلك لم يكن مهمًا. فعلاقتنا قائمة على عقد. وبما أن أرباد فتح الموضوع، انتهزت الفرصة لأسأل عما كان يشغل بالي.
“بما أنك جهزت هذا القصر مسبقًا، فأنت تتابع ما يحدث في العاصمة أيضًا، أليس كذلك؟”
“هل ينبغي أن أشكرك على ثقتك الكبيرة بقدراتي؟”
حتى سخريته الصريحة لم تستطع إخفاء أنه ليس في مزاج جيد.
“نعم. وبما أن قدراتك موثوقة إلى هذا الحد، أرجوك تحقق من أحوال السير بيلتين والخادمة آني.”
“…ألا ترين أن إدخال الخادمة ضمن الطلب بينما تسألين عن عشيقكِ أمر سطحي جدًا؟”
“اعتبار السير بيلتين عشيقًا إهانة لفارس شريف.”
“ثم إن هذا ليس تبريرًا.”
“هذان الشخصان من القلة داخل آل ديلفين الذين يقفون إلى جانبي.”
“…”
“أرجوك.”
أنحنيت برأسي.
“هذا طلب لا علاقة له بعقدنا.”
ظل أرباد يفرك شفتيه مفكرًا للحظات. لكنه لم يرفض.
“…سأتحقق من الأمر.”
“شكرًا لك.”
استطعت قولها هذه المرة بصدق تام، دون أي نوايا خفية. أما أرباد فكان مذهولًا قليلًا.
‘أن تطلب زوجة من زوجها أن يتحقق من أحوال عشيقها… يا لها من جرأة.’
وبالطبع… لم يصدق احتجاجات هيليا ولو قليلًا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.