الفصل 13: 13
13
الفصل الثالث عشر
كانت تلك الكلمات الخطيرة للغاية تُقال بنبرةٍ مريبة، وكأنها صادرة من شخصٍ مؤذٍ بحق.
تلعثمت قليلًا وأنا أتراجع إلى الخلف.
“لِـ… لماذا تتحدث بهذه الطريقة؟”
“لأنها الحقيقة؟”
لم يكن هناك مفر. اصطدم وركاي وفخذاي بالسرير شديد النعومة وغرقت فيهما. وحين سقطت إلى الخلف بارتطامٍ خافت:
“كياااه!”
ربما وجد الأمر مضحكًا، إذ انسكبت ضحكة أرباد على الأرض كحبات كريستال تتناثر بعد تحطمها.
‘واو… يا له من رجلٍ مستفز حقًا. لماذا حتى طريقته في السخرية من الناس يجب أن تكون بهذه الوسامة والجاذبية؟’
وكان ثمن لحظة الغفلة باهظًا. فقد تقدم أرباد بخطواتٍ واسعة نحو السرير وألقى بنفسه فوقي!
“كياااك!”
لا… تصحيح. ألقى بنفسه فوق السرير. لقد اقترب وجه أرباد مني فجأةً لدرجة أنني أسأت الفهم. لم يكن منطرحًا فوقي وأنا مستلقية، بل كان يقف عند حافة السرير، ينظر إليّ من أعلى.
وكأنه يراقب شيئًا يثير فضوله بشدة. ضاقت حدقتاه القرمزيتان الرقيقتان، وانكمشتا كحدقتَي زاحفٍ غريب. كنت أستطيع أن أرى بوضوح. كان مهتمًا جدًا… مستمتعًا… ومشككًا أيضًا.
ثم نطق ذلك الرجل الخطير بحماقةٍ مؤذية أخرى:
“أهذه محاولة ساذجة لإغرائي؟ أم خطة لجعلي أخفض حذري؟”
“إغراؤك؟! ما هذه الكلمات المقززة؟!”
قفزت واقفةً كدمية “داروما” تعود إلى الاعتدال كلما أُسقطت. وكانت مكافأة الحركة المفاجئة هي الدوار.
‘آه… اللعنة على الحمية!’
بعد ثلاثة أيام من ركوب الخيل، ومع جسدٍ أضعفته الحمية التي اتبعتها استعدادًا للزفاف، أصبحت حالتي مزرية تمامًا. وحين كنت على وشك السقوط، التف ذراع أرباد القوي حول خصري وأوقفني.
وبفضله تجنبت كارثة أن أضرب جبهتي بجبهته الوسيمة.
‘لكن… أليس هذا وضعًا أكثر خطورة؟’
كنت الآن أرتدي قميص نومٍ رقيقًا فقط. أما أرباد فلم يكن يرتدي سوى ذلك الرداء الأحمر. وكانت الغرفة كلها غارقة في رائحةٍ حلوة غريبة… وخلفنا سرير مغطى بتلات الورد.
وحين همس بصوتٍ منخفض، بدا صوته وكأنه يتركز بكثافةٍ عند أذني.
“”أنتِ تعلمين، أليس كذلك؟”
“…!”
“ماذا يعني أن يكتمل الزواج.”
كانت كلماتٍ خطيرة جدًا. بل شديدة الخطورة. اندفع الدم في أنحاء جسدي كلها. وشعرت بأن قلبي يخفق حتى عند أطراف أصابعي. وحين بدأ بصري يبيضّ وشارف جسدي على الاشتعال حرارةً…
استعدت وعيي بصعوبة وصرخت:
“أعلم! فلننسق بنود التكليف والعقد بوضوح أولًا!”
شددت قبضتي ورفعتها أمام أرباد صارخةً ، بيأس، ثم قال:
“لقد أفسدتِ الأجواء.”
ولحسن الحظ، تلاشت تلك الأجواء الخطيرة وغير اللائقة التي أحاطت به قبل قليل.
لكن الكلمات التي تمتم بها بعد ذلك كانت غريبة.
“هذا أمر ستضطرين إلى تسديده لاحقًا… مع الفوائد.”
‘أي هراءٍ هذا؟!’
وبفضل ذلك استطعت أخيرًا الإفلات من ذراعيه الخطيرتين. وجلسنا أنا وأرباد متقابلين على جانبي طاولةٍ نظيفة، لا على ذلك السرير المريب المملوء بالورود.
كانت رحلةً شاقة للوصول إلى هذه المرحلة. جلس أرباد إلى الطاولة في هيئةٍ متغطرسة إلى أقصى حد. كانت أصابعه الأنيقة التي تسند ذقنه الحاد تتحرك بلا اكتراث.
وعند هذا الموقف المستفز، انفجرت المرأة ذات الشعر الوردي الناعم، المشابه لبراعم أزهار الكرز، غضبًا.
“ركّز قليلًا!”
“أأركز أكثر على ذلك الشرح الممل؟ هل تعلمين كم يساوي انتباهي من ثمن؟”
“إذا واصلت التصرف هكذا فسأكتب العقد كما يحلو لي!”
صحيح.كانت هيليا الآن تكتب عقدًا متأخرًا للغاية. عقد التكليف. وعندها اختفى ولي العهد أرباد، وظهر ملك المرتزقة جيرالد.
“العقد المكتوب من طرفٍ واحد يمنح الطرف المرتزق الحق في إبطاله أيضًا… أيتها العميلة.”
“غغغغ!”
لأن كلامه كان صحيحًا تمامًا، قبضت هيليا على يدها التي كانت على وشك أن تهوي على وجهه.
‘مزعج! مزعج جدًا!’
حتى لودفيغ، خطيبها السابق وزوجها السابق، لم يكن يقارن بهذا الرجل في قدرته على إثارة الأعصاب.
‘ولهذا اخترته أصلًا.’
فلو لم يكن مجنونًا بمستوى أرباد، لما استطاع تحطيم ذلك الزواج. أخذت هيليا نفسًا عميقًا وحاولت استعادة هدوئها.
‘لا. إذا واصلت الانجرار خلفه فسأكون أنا الخاسرة. الطرف الآخر مجنون. ولا يمكن التعامل مع المجانين بالمنطق.’
وأجبرت يدها المرتخية على التماسك وتحرك قلمها من جديد.
“على أي حال… بما أننا أقمنا مراسم الزواج الآن، فإن سموكم قد أنجز أهم جزء من التكليف.”
“أهم جزء؟ وليس كله؟”
هزت هيليا رأسها.
“على الأقل حتى لا أعود بحاجة إليه، يجب أن نحافظ على حالة الزواج.”
هذا بند بالغ الأهمية. ورسمت خطين تحت البند المكتوب في العقد. لأن هذا مهم جدًا!
“تتحدثين وكأن الحفاظ على الزواج سيكون أمرًا صعبًا.”
“بالطبع، لا يمكن أن يبقى لودفيغ مكتوف اليدين.”
“صحيح، فهذا الزواج كان جزءًا من تمهيد والدي الإمبراطور لجعل ذلك الوغد لودفيغ منافسًا لي.”
بدّل أرباد ساقًا فوق الأخرى. وكادت ساقاه العاريتان تظهران بالكامل، حتى إن هيليا لم تعرف أين تضع عينيها.
‘لا تقل لي… إنه لا يرتدي شيئًا تحت ذلك الرداء!’
ولم تجرؤ على السؤال خوفًا من أن يكون الجواب نعم. فثبتت بصرها على الورقة وحدها وقرأت بصوتٍ رسمي:
“وبالنسبة للدفعة المقدمة، فقد قامت العميلة بالفعل بتسليم “دمعة أغريبينا…”
ضحك أرباد بخفة وهو يرى محاولاتها اليائسة للتجاهل. ثم اقترب ونفث أنفاسه عمدًا عند أذنها مصححًا:
“وبدقة أكبر، يجب القول إنك دفعتِ “دمعة أغريبينا” والمعلومات المتعلقة بها.”
“هـ… هيياك! نـ… نعم، هذا صحيح!”
كانت هيليا قد تحولت إلى لونٍ يصعب معه التمييز بين بشرتها وشعرها. وكان منظرها وهي تغطي أذنيها المتوردتين بلون أزهار الكرز بيدها، وتتلعثم، لطيفًا على نحوٍ لا يُنكر.
‘همم… أذناها حسّاستان.’
ولو عرفت أنه يفكر بذلك، لأقامت ضجة أكبر بكثير. أما هيليا، التي تحول جسدها كله إلى اللون الوردي، فتعلقت بالعقد بحماسٍ أكبر. ثم ألقى أرباد ملاحظةً جانبية وهو يشير إلى أول سطر في أعلى العقد.
“بالمناسبة، هذا غريب، لماذا أنتِ “الطرف الأول”، وأنا “الطرف الثاني”؟”
[من الآن فصاعدًا، تُشار إلى العميلة هيليا ديلفين بـ”الطرف الأول”، وإلى المرتزق جيرالد أرباد إيستريد بـ”الطرف الثاني”.]
والمثير للدهشة أن لغة هذا العالم كانت تملك مصطلحين يقابلان تمامًا مفهومي “الطرف الأول” و”الطرف الثاني”. وقد كتبتهما هيليا كما هما. والآن كان أرباد، الذي صار “الطرف الثاني”، يحتج على ذلك. ضيقت هيليا عينيها حتى أصبحتا مثلثتين.
“أليس من البديهي أن يكون العميل هو الطرف الأول؟”
“هذا ليس تكليفًا عاديًا. يبدو أنكِ تواصلين نسيان من أكون.”
“لم أنسَ. أرباد إيستريد، ولي العهد، صاحب السمو!”
ثم تابعت بسرعة:
“وإذا كنت ستعترض حتى على أمرٍ بسيط كهذا، ألم يكن عليك أن تركز منذ اللحظة التي بدأت فيها كتابة العقد؟”
كانت تقف بيدٍ على خصرها والأخرى تشير بإصبعها مباشرةً إلى وجهه. والمفاجئ أن هيئتها بدت مهيبة على نحوٍ غير متوقع. أما أرباد فاكتفى بالضحك ساخرًا.
“حسنًا. سأتجاوز هذه النقطة.”
“الشخص الذي يتجاوزها هو أنا، لا سموك!”
ومع ذلك، واصلت هيليا كتابة بنود العقد باجتهاد. وكان ذلك إنجازًا تحقق رغم تدخلات أرباد المستمرة، ذلك “الطرف الثاني” الذي تحول إلى العقبة الوحيدة في طريق إتمام العقد. لكن عندما وصلا إلى البند الأخير، ارتفع حاجب أرباد.
“[إذا طلب أيٌّ من الطرف الأول أو الطرف الثاني الطلاق بعد صعود الطرف الثاني إلى العرش الإمبراطوري، يُعتمد الطلاق فورًا.] ما هذا؟ هل تقولين إن الطلاق ممكن حتى لو أراده طرف واحد فقط؟”
اتسعت عينا هيليا.
“صحيح. بحلول ذلك الوقت ستكون معظم الأمور قد انتهت، ولن يهم إن تطلقنا.”
“إذا كان ذلك بعد أن أصبح إمبراطورًا، فستكونين أنتِ الإمبراطورة بالفعل. ومع ذلك ستطلبين الطلاق؟”
سأل وكأنه لا يستطيع استيعاب الأمر. فأومأت هيليا بحيوية.
“بالضبط! وهذا أكبر دليل على نزاهتي!”
“نـ… زاهتك؟”
للمرة الأولى، تسلل الاضطراب إلى صوت أرباد. لم يكن ارتجافًا بقدر ما كان شعورًا مزعجًا،كمن يجد نصف دودة داخل تفاحة كان يأكلها بشهية.
“نعم! بهذا أستطيع أن أثبت أنني لا أقوم بهذا التكليف طمعًا في منصب الإمبراطورة أو السلطة!”
كانت هيليا متحمسة للغاية.كموظفة تشرح أهم ميزة في المنتج الذي تحاول بيعه.
لكن رد فعل المشتري لم يكن إيجابيًا.
“ولماذا عليكِ أن تثبتي ذلك أصلًا؟”
“…عفوًا؟”
بل على العكس…كان سلبيًا إلى حدٍ كبير، فارتبكت هيليا.
‘ماذا؟ لماذا يتصرف هكذا فجأة؟ أي جزء لم يعجبه؟!’
لقد أضافت هذا البند بحسن نيةٍ خالص.
‘فلديك حبيبة أصلًا… أو ستظهر قريبًا!’
نعم.كانت هيليا تتذكر بوضوح الشائعات التي انتشرت عن أرباد قبل عودتها بالزمن.
“يقال إن ولي العهد جنّ بعدما فقد المرأة التي أحبها.”
“ويقال إنه فقد عقله تمامًا بعد أن انتُزعت منه حبيبته.”
وما شابه ذلك. ولهذا، إذا ظهرت تلك الحبيبة المأساوية يومًا ما،كانت تنوي أن تختفي من تلقاء نفسها. وفوق ذلك، هي لا تطمع حتى في سلطة الإمبراطورة، بل تعرض أن تتنازل عن المنصب بكل أناقة. فلماذا…
كان يتصرف بهذه الطريقة؟!
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.