الفصل 71
الفصل الواحد والسبعون
طش!
خرير!
توقّفت خطوات كلود فجأة وهو عائد من المبنى الرئيسي للقصر الإمبراطوري إلى قاعة الولائم.أدار رأسه نحو الجانب، ونظر إلى ما وراء الأشجار المشذّبة بعناية.
كان النهار قد انقضى بالفعل، وأخذت الأضواء المزيّنة تُنير الظلام، لكنّه لم يستطع رؤية ما يقع في الأعماق البعيدة.
“ما الأمر؟”
سأله إرفين، الذي كان عائدًا معه.
“…أكانت هناك نافورة في ذلك الاتجاه؟”
أجاب إرفين وهو ينظر نحو الجهة التي اتّجه إليها بصر كلود.
“لا، هناك بركة، أمّا النافورة ففي الجهة المقابلة.”
بركة…
“البركة ليست كبيرة، لكنّها عميقة إلى حدٍّ لا بأس به، لذا عليك توخّي الحذر عندما يحلّ الظلام.”
قال إرفين بلا اكتراث.وفي تلك اللحظة، وقعت عينا كلود على هيئة شخصٍ ما.
“إيزابيلا؟”
تمتم كلود وهو يضيّق عينيه ليتأكّد من أنّها إيزابيلا.
“آه… كلود…”
أشرق وجه إيزابيلا، التي التقت عيناها بعيني كلود، وكأنّها شخص عثر للتوّ على طوق النجاة.
“ما هذا يا إيزابيلا؟ لماذا تخرجين من تلك الجهة، بينما يُفترض بكِ أن تكوني في قاعة الولائم؟ وفوق ذلك، وحدكِ؟”
سألها إرفين بدهشة.
ترنّحت إيزابيلا وهي تقترب من كلود، ثم أمسكت بساعده.
وبدا أنّها تعثّرت وسقطت، إذ كان فستانها مغطّى بالطين وأوراق العشب الصغيرة.كما لفتت انتباهه بقعة حمراء على كمّها الأيمن.
“ماذا حدث؟”
سألها كلود على عجل وهو يسندها.
“ذلك… كلود…”
هوي!
لم تستطع إيزابيلا إكمال كلامها، إذ فقدت وعيها فجأة وارتمت بين ذراعي كلود، مستندةً إلى صدره.
“إيزابيلا!”
صرخ كلود وإرفين في الوقت نفسه من شدّة المفاجأة.
“كلود، أسرع وخذها إلى الداخل.”
استجابةً لحثّ إرفين، حمل كلود إيزابيلا بين ذراعيه واتّجه نحو المبنى الرئيسي لقصر سيراس. لكنّه شعر فجأة بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام، فتوقّف مجددًا.
“كلود، ماذا تفعل؟”
سأله إرفين، الذي توقّف بدوره، بنبرة تحثّه على الإسراع.
“هناك شيء غريب.”
“ماذا؟”
لم يستطع كلود إخراج صوت الماء الذي سمعه قرب البركة من رأسه.وكانت إيزابيلا قد ظهرت وكأنّها جاءت من جهة البركة أيضًا.لكنّها ظهرت بسرعة أكبر مما تسمح به المسافة التي دلّ عليها صوت الماء.
هل يُعقل أن…؟
في تلك اللحظة، سرت قشعريرة باردة على طول عموده الفقري.
“إرفين، اعتنِ بإيزابيلا!”
“ماذا تفعل بحق!”
ارتبك إرفين حين ناوله كلود إيزابيلا فجأةً، فتلقّفها على عجل.
وفي تلك اللحظة، اقترب أحد الخدم من كلود على وجه السرعة بعدما رآه.
“سموّ الدوق الأكبر…”
“إن لم يكن الأمر عاجلًا، فأخبرني لاحقًا.”
استدار كلود على الفور، لكنّ جسده تجمّد في مكانه عندما سمع كلمات الخادم التالية.
“الآنسة كارتر تنتظر عند البركة، ويا سيدي الكونت فايسون الأصغر…”
“اللعنة!”
ما إن سمع كلود كلمتي «كارتر» و«البركة» حتى انطلق راكضًا دون تردّد.
ركض كلود بأقصى سرعته، دون أن يتوقّف ولو للحظة واحدة. وكانت النظرات المندهشة والمتسائلة تتبعه، لكنّ ذهنه ظلّ يرسم صورًا قاتمة لما قد يكون حلّ بريانا، ثم يمحوها ويعيد رسمها مرارًا.
اللعنة.
كان عليه أن يثق بحدسه. كان ينبغي أن يسلّم إيزابيلا إلى إرفين فورًا ويتفقّد البركة. حتى لو كان الإمبراطور نفسه قد استدعاه، لم يكن ينبغي له أن يترك ريانا خلفه. لا، بل لم يكن ينبغي له إحضار ريانا إلى هذا المكان من الأساس.
كانت مشاعر الندم المتراكمة تسحبه إلى مستنقع من العذاب.
وأخيرًا، وصل كلود إلى البركة، وراح ينادي ريانا بأعلى صوته كالمجنون. لكن لم يجبه أحد. وعندها، سمع صوت خرير الماء، فاستدار نحو مصدره.
كان رجل يخرج من البركة. فاندفع كلود نحوه، وأمسك بذراعه وسحبه إلى الخارج، ثم سأله مباشرةً دون أي مقدّمات.
“هل رأيت الآنسة ريانا؟”
رفع الرجل، الذي كان يلهث بشدّة، رأسه مذعورًا ما إن سمع اسم ريانا.
“هاه!”
سقط الرجل على مؤخرته، وكأنّه رأى شبحًا، ثم أخذ يتراجع ببطء، محاولًا الفرار.
أصبحت نظرات كلود حادّة كخناجر الجليد.
“أجبني حالًا!”
لكن صوته المرعب انقطع في منتصف الجملة. فقد وقعت عيناه على قطعة قماش ذهبية اللون، عالقة تحت حجر بحجم قبضة اليد.
التقط كلود قطعة القماش، وكانت ملطّخة بدم أحمر.
نهض الرجل الذي كان يراقب المشهد على عجل، وفرّ هاربًا. لكنّ كلود لم يعد يعبأ بوجوده أصلًا.
اتّجهت نظراته نحو البركة التي انعكس عليها ضوء القمر، ثم ألقى بنفسه في الماء دون تردّد.
***
كان هناك أمران لم تحسب ريانا حسابهما حين قفزت بجرأة إلى البركة. أوّلهما عمق البركة، وثانيهما أنّ ما تحت سطح الماء بعد غروب الشمس ليس سوى ظلام دامس.
لكنّ أكثر ما أربكها كان فستانها. كانت ريانا ترفع وجهها فوق سطح الماء وتخبط بيديها وقدميها في محاولة يائسة للبقاء طافية، إلا أنّها أخذت تغوص تدريجيًّا بسبب فستانها الذي ازداد ثقلًا شيئًا فشيئًا.
أخذت تحرّك جسدها بعنف، وتدير رأسها بسرعة لتتفحّص ما حولها بحثًا عن شيء تستطيع التمسّك به. لكنّ قدميها اللتين كانتا تتخبّطان في الماء اصطدمتا بطرف فستانها، فتشابكتا معه. حاولت ريانا، التي استبدّ بها الذعر، تخليص قدميها من الفستان، لكنّها لم تفعل سوى الغرق بوتيرة أسرع. وسرعان ما غمر الماء ريانا بالكامل.
أخذت تحرّك ذراعيها وساقيها بعشوائية، لكنّ أقصى ما استطاعت فعله هو إبطاء سرعة هبوطها نحو الأعماق قليلًا.
كان الفستان يسحبها نحو القاع البعيد، وكأنّه قيود تكبّل جسدها. وفجأة، راود ريانا شعور بأنّ هذا الموقف مألوف لها. ذلك الصمت الخانق الذي كانت تعيشه أحيانًا في أحلامها، والإحساس المزعج الذي يلتصق بها بإلحاح، والخوف من الظلام الذي لا يتسلّل إليه بصيص واحد من الضوء. وكان الخوف يتسرّب إلى جسدها بأكمله، حتى شعرت بأنّه يخنقها.
وصل إلى مسامعها صوت امرأة من مكان ما، أشبه بصوت وهميّ يتردّد في أذنيها.
حاولت ريانا، التي بدأ وعيها يتلاشى، التمسّك بما تبقّى منه بصعوبة، وأخذت تحرّك رأسها في كلّ اتجاه لتتفحّص محيطها. لكنّ الماء لم يكن يضمّ سوى الصمت مجددًا، ولم يكن هناك ما تراه سوى الظلام الدامس.
كانت ريانا قد أخرجت كلّ ما في رئتيها من هواء، ثم حبست أنفاسها حتى بلغت أقصى حدود قدرتها على الاحتمال. وبدأ وعيها يتسرّب منها ببطء، فيما أخذ ذهنها يغشاه الضباب.
وسرعان ما نفدت كلّ القوّة المتبقّية في جسدها، بعدما وصلت إلى حدود تحمّلها.
هل… انتهى الأمر هكذا؟ هناك شيء… هذا عبثيّ للغاية…
وفي اللحظة التي أوشكت فيها على إغماض عينيها الخاويتين من الحياة، انساب من بعيد خيط رفيع من الضوء الذهبي.
كان الظلام مخيفًا وموحشًا. ومع ذلك، شعرت ريانا بشيء من العزاء لتمكّنها من رؤية الضوء ولو للمرة الأخيرة.
تذكّرت كلود، الذي كان ينظر إليها بعينين دافئتين ويبتسم ابتسامة مشرقة تخطف الأنفاس. وكانت فكرة أنّها لن ترى ابتسامته مجددًا أمرًا… مؤسفًا بعض الشيء.
ابتسمت ريانا ابتسامة باهتة نحو الضوء الذهبي الذي كان يقترب منها، وهي تستحضر وجه كلود في ذهنها، ثم أغمضت عينيها.
***
“إيزابيلا!”
ما إن سمعت إيريكا بخبر انهيار إيزابيلا حتى هرعت إلى الغرفة، وفتحت الباب بعنف.
“أخي… ما الذي أصاب إيزابيلا؟”
سألت إيريكا وهي تقترب من السرير الذي كانت إيزابيلا ترقد عليه.
“لا تُثيري كلّ هذه الضجّة، فلا شيء خطيرًا بها.”
قال إرفين، الذي كان يستند إلى الحائط غارقًا في أفكاره، بصوت خالٍ من الاكتراث.
“هل حضر طبيب القصر الإمبراطوري؟”
“نعم.”
كان إرفين يتساءل عن سبب انهيار إيزابيلا رغم أنّ جسدها لم يكن يعاني من أيّ مشكلة. وقد شعر بالذنب تجاه إيزابيلا لانتابه مثل هذا التفكير، لكنّه أدرك أنّه إذا كانت ريانا قد تعرّضت للخطر فعلًا، فإنّ إيزابيلا تكون قد تسبّبت في إضاعة الوقت الذي كان من الممكن أن يُنقذها فيه أحد.
ثم هزّ رأسه نافيًا، معتبرًا أنّه ربما بالغ في التفكير.
“لكن ألم تكن مع كلود؟ ما الذي يفعله كلود وأين ذهب، بينما إيزابيلا في هذه الحالة؟”
سألت إيريكا وهي تجلس على حافة السرير، وتنظر إلى إيزابيلا الممدّدة أمامها وقد شحب وجهها بشدّة.
“لا تُعقل أن يكون قد ذهب إلى ريانا؟”
أطلقت إيريكا ضحكة ساخرة، ثم رفعت طرف فمها باستهزاء.
“إلى ريانا التي خرجت لتستمتع بلقاء سرّي مع رجل آخر، بينما كان كلود بعيدًا عنها؟”
“ما الذي تتحدّثين عنه؟”
سألها إرفين عابسًا.
“لقد غادرت قاعة الولائم برفقة الكونت فايسون الأصغر، ويبدو أنّها تعرفه.”
رأت إيريكا الكونت فايسون الأصغر حين عاد إلى القاعة وحده قبل أن تغادرها هي، لكنها لم تذكر هذه الحقيقة.
“الكونت فايسون الأصغر؟”
تذكّر إرفين كلمات الخادم الذي جاء ليُخبر كلود بأخبار ريانا.
“يا لها من امرأة مذهلة، هذه ريانا. كيف تنجح في استمالة كلّ هؤلاء الرجال الذين يتنافس الجميع على جذب انتباههم؟”
كان إرفين يكبح قلقه على ريانا ويبقى إلى جوار إيزابيلا. لكنّ سماعه إيريكا تسخر من ريانا جعل أعصابه تتوتّر وتصبح حدّة انفعاله أشدّ. وفي الوقت نفسه، تذكّر ردّ فعل إيريكا حين استدعاهما الإمبراطور، وكيف سمحت لهما بالمغادرة بهدوء، وكأنّها كانت تتوقّع الأمر مسبقًا.
“إيريكا، هل استخدمتِ أبي لتفريق ريانا وكلود؟”
اضطربت ملامح إيريكا قليلًا.
“…كلّ ما أردته هو أن أرسل إيزابيلا عندما يحين وقت عودة كلود، لأمنحهما فرصة للتحدّث معًا لبعض الوقت. فكلود لم يعد يخصّص أيّ وقت لإيزابيلا هذه الأيام.”
“ها…”
مرّر إرفين يده في شعره بعنف، وأطلق تنهيدة طويلة.
“إيريكا، من الأفضل لك أن تأملي أن تكون ريانا بخير.”
“ما الذي تعنيه؟”
سألت إيريكا وهي تعقد حاجبيها. وفي تلك اللحظة، سُمع طرق على الباب، وبعد أن أذن إرفين بالدخول، دخل طبيب القصر الإمبراطوري. وكان هو الطبيب الذي أرسله إرفين إلى البركة لأنّه كان قلقًا على ريانا.
“وماذا عن ريانا؟”
“عندما وصلت، كانت قد استعادت أنفاسها بالفعل بفضل الإسعافات الأولية التي قدّمها سموّ الدوق الأكبر.”
عرف إرفين من الطبيب أنّ ريانا سقطت في البركة، وأنّ الطبيب اقترح نقلها إلى القصر الإمبراطوري، لكنّها رفضت بعد أن استعادت وعيها للحظات، أو بدا أنّها فعلت ذلك، فعاد بها كلود إلى مقرّ الدوق الأكبر.
“هل كانت حالتها تسمح بنقلها؟”
“لقد اتّخذتُ التدابير اللازمة، لذا لا أظنّ أنّها ستكون معرّضة للخطر.”
“ها… فهمت. أحسنتَ صنعًا، يمكنك العودة الآن والراحة.”
انحنى طبيب القصر الإمبراطوري باحترام، ثم غادر الغرفة.
“إيريكا.”
نادى إرفين إيريكا بصوت بارد، موجّهًا إليها نظرة جليدية.
ارتجفت كتفا إيريكا من شدّة المفاجأة.
“ألم أحذّركِ في المرة السابقة؟”
“…”
“قلت لك ألّا تعبثي بريانا وكلود.”
“…ما الذي فعلتُه أنا؟”
“إيريكا، لا تجبريني على التحرّك.”
ارتسمت على وجه إرفين ابتسامة قاتمة ومخيفة.
“أتعلمين، أليس كذلك؟ أنّ السبب الوحيد لبقائكِ حتى الآن في إمبراطورية فيرنوس هو أنّني لم أُبدِ أيّ اهتمام بمنصب وليّ العهد.”
“أخي!”
أخذ إرفين يقترب من إيريكا ببطء.
“ما زلت لا أرغب في مشاهدة زواج أختي الصغيرة العزيزة من أمير دولة أخرى.”
“كيف يمكنك أن تقول هذا؟! هل أصبح كلود وريانا أهمّ عندك منّي؟! لا تُقل لي… إنّك تفعل هذا من أجل ريانا، وليس من أجل كلود؟”
تلعثمت إيريكا، وكأنّها تلقّت صدمة قاسية. كانت تعلم أنّ إرفين يُكنّ مشاعر لريانا، لكنها ظنّت أنّها ليست مشاعر عميقة إلى هذا الحدّ.
حدّقت في الابتسامة المخيفة التي ارتسمت على وجه أخيها.
“هناك طرق كثيرة للاعتناء بشخصٍ ما.”
قال إرفين بنبرة بدت وكأنّه يستمتع بالأمر.
“أنا أتمنّى أن تسير الأمور على ما يُرام بين كلود وريانا، الشخصين اللذين أعتزّ بهما.”
“…”
“هذا تحذيري الأخير يا إيريكا. أرجوكِ، لا تفسدي عليّ متعتي.”
ربّت إرفين على كتف إيريكا، ثم غادر الغرفة. أمّا إيريكا، فظلّت متجمّدة في مكانها لوقت طويل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.