الفصل 51
الفصل الواحد والخمسون
بعد أن عادت ريانا من قصر سيراس في اليوم السابق، كانت تثير قلق آنا لأنها لم تضع شيئًا في فمها طوال اليوم بسبب فقدانها الشهية وفوق ذلك، كانت تقف متكئةً بشرود على الباب المتصل بالشرفة، بعينين تائهتين، منذ ثلاث ساعات.
تنهدت آنا وهي تنظر إلى آنستها التي لم تكن تجيبها إلا بإجابات مقتضبة كلما حاولت التحدث إليها، ثم غادرت الغرفة بهدوء، وهكذا أخذ وقت الظهيرة يمرّ من جديد.
دق، دق.
“آنسة! لقد وصلت هدية.”
قالت آنا ذلك بصوت مشرق متعمّد، وهي تدخل الغرفة.
“هدية؟”
كانت ريانا تعرف أنه لا يوجد أحد قد يرسل لها هدية، فظنت أن آنا تحاول مواساة مزاجها بلا داعٍ، واستدارت نحوها، لكن صندوقًا فاخرًا مربوطًا بشريط أزرق كان بين يدي آنا. وضعت آنا الصندوق على الطاولة وفكّت الشريط، وعندها انفتح الصندوق من جميع الجهات، وظهرت كعكة تعلوها كمية كبيرة من الفراولة والتوت الأزرق.
ظلت ريانا تحدق في الكعكة بعينين مذهولتين لفترة طويلة، ثم نظرت إلى آنا، وناولتها بطاقة.
الأميرة إيريكا؟
قطبت ريانا حاجبيها.
تعطيني الداء ثم تعطيني الدواء… لا… كلود؟
فتحت ريانا البطاقة.
**[إنها حلوى من قصر سيراس، فتذكرتكِ.]
سطر واحد قصير للغاية، لكنه كان سطرًا يحمل الكثير من الكلام.
إذا كان من قصر سيراس، فلا بد أنه المكان الذي كان فيه أمس مع إيزابيلا والأميرة إيريكا.
أصبح تعبير وجه ريانا الذي ظل متجمدًا طوال اليوم أصبح الطف، كان الأمر مضحكًا، أن تشعر بالسعادة في الحال لمجرد حقيقة أنه فكر فيها رغم وجوده معهما.
“آنا، لنأكل هذا كله!”
“نعم؟ كله؟”
“أجل! أنا جائعة!”
***
ارتدت ريانا شعرًا مستعارًا بني اللون، واستأجرت عربة، ودخلت حيّ التجار، ثم نزلت أمام مبنى نقابة ليك التجارية، رفعت نظرها لبعض الوقت إلى المبنى الكبير والفخم. وأعطت ريانا السائق إكرامية وطلبت منه الانتظار قليلًا، ثم حاولت دخول النقابة التجارية، لكن الرجال الذين كانوا يحرسون مدخل المبنى أوقفوها.
“ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟”
فكرت ريانا أنه ربما لن يكون من السهل دخول مبنى فخم بهذا الشكل.
“جئت لأعرض بضاعة.”
“مع مَن لديكِ موعد؟”
“ليس لديّ موعد، لا يهم مَن كان الشخص الذي يستطيع رؤية البضاعة وإجراء صفقة بشأنها. هل يمكنك استدعاء شخص مناسب؟”
“عذرًا، آنسة. إذا لم يكن لديكِ موعد مسبق، فلا يمكنكِ الدخول.”
كما توقعت…
“إذًا، كيف يمكنني حجز موعد…”
وبينما كانت على وشك السؤال عن طريقة تحديد موعد، خرج من الداخل رجل أنيق المظهر. ومن النظرة الأولى، بدا وكأنه أحد المسؤولين المتوسطين في النقابة التجارية.
تحدث مع الرجل الذي كان يتحدث مع ريانا للتو، ثم اقترب منها بابتسامة ودودة.
“مرحبًا، أنا برانر، المثمّن في نقابة ليك التجارية. سمعتِ أن لديكِ بضاعة.”
“هذا صحيح.”
“تفضّلي بالدخول.”
ترددت ريانا للحظة، فقد بدا لها برانر، الذي دعاها إلى الدخول من دون أن يسألها حتى عن التفاصيل، مريبًا.
“آه، لا داعي للحذر. أنا شخص فضولي بطبعي، وبمجرد النظر إليكِ يبدو أنكِ آنسة نبيلة مرموقة، لذلك أردت فقط أن أرى ما الشيء الثمين الذي أحضرته معكِ.”
عندما رأت ريانا أنه لم يحاول الاتفاق على الصفقة فورًا، اختارت الدخول أولًا ففي وضعها الحالي، لم يكن هناك الكثير مما يمكن أن يكون خطرًا عليها، وكان من السخيف أن تتردد بعد أن وصلت إلى هنا.
دخلت ريانا إلى غرفة مخصصة للصفقات الخاصة، وأخرجت صندوق المجوهرات وفتحته.
“واو… إنها مجوهرات من أعلى درجة.”
“أريد بيعها، هل هذا ممكن؟”
“بالطبع، كم تريدين؟”
كان الأمر غريبًا أيضًا، هل سيعطيها ما تريده؟ هل تجري نقابة تجارية كبيرة كهذه صفقاتها بهذه الطريقة؟
“أريد أكبر مبلغ ممكن.”
“همم… في البداية، لا توجد عليها آثار استخدام كثيرة، لكنها ليست جديدة، لذا… سأعطيكِ ثمانين بالمئة من سعرها الأصلي.”
اتسعت عينا ريانا، فكان ذلك المبلغ كافيًا لشراء منزل صغير في ضواحي العاصمة.
“لكن لا يمكنني أن أعطيكِ المبلغ كاملًا على الفور، سأعطيكِ أولًا ثلاثين بالمئة كدفعة مقدّمة. وبعد ذلك، كلما بِيعَت هذه المجوهرات، سأعطيكِ المبالغ المتبقية.
ما رأيكِ؟”
كان الأمر مخيبًا مقارنةً بما كانت تتوقعه قبل لحظات، لكنه لم يكن سيئًا. وفي الواقع، يبدو أن ثلاثين بالمئة ستكون كافية لتغطية تكاليف هروبها داخل الإمبراطورية، ما دامت لن تهرب إلى دولة أخرى.
“كم سيستغرق بيعها؟”
“غادرت سفينة تجارية مؤخرًا، لذا حتى تعود، سيستغرق الأمر شهرًا في أسرع الحالات، وثلاثة أشهر في أسوأها.”
“آه… لكن لا يوجد ضمان بأنها ستباع، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح. لكن عدد المرات التي حاولنا فيها إتمام صفقة وفشلنا يمكن عدّه على أصابع اليد، اختاري وأنتِ مرتاحة.”
“حسنًا.”
لم يكن أمام ريانا خيار آخر، فلم تتردد.
“لكن ألا تسألني عن هويتي؟”
“ما دامت البضاعة مؤكدة، فلا نتعمق في السؤال. وفوق ذلك، أنا أجيد قراءة الناس قليلًا. هاهاها.”
ضحك المثمّن الذي يُدعى برانر ضحكةً صاخبة ثم ناولها بطاقة أعماله.
“في المرة القادمة التي تأتين فيها، أريهم هذه وسيسمحون لكِ بالدخول فورًا.”
أحضر برانر عقد الصفقة على الفور.
***
بعد أن صفّت ريانا جميع الأموال التي جمعتها من تعاملاتها السابقة مع دار أزياء روزيتا، استأجرت عربة وبعض الموظفين، وذهبت إلى منزل دوق كارتر، وأمرت بنقل جميع الفساتين الفاخرة من أعلى درجة، ثم توجهت مباشرةً إلى وسط المدينة.
توقفت عربة دار أزياء روزيتا أمام كشك نوا، حيث كانت الأدوية والأعشاب الطبية معروضة.
قطب نوا وجهه عندما رأى العربة.
نزلت ريانا من العربة واقتربت من نوا.
“أين بِرت؟”
“إنه في الداخل.”
“نوا، هل يمكنك مساعدتي في نقل الأمتعة؟”
قالت ريانا وهي تبتسم لنوا.
“هل هربتِ من المنزل أم ماذا؟ لماذا كل هذه الأشياء؟”
تذمر نوا وهو يحمل إحدى حقائب الأمتعة على مضض.
“الهروب من المنزل… إنها عبارة جميلة جدًا.”
ضحكت ريانا وهي تحمل حقيبة في كل يد أيضًا.
“اتركيها، لا أريد أن أسمع محاضرة من بِرت.”
تجاهلت ريانا كلام نوا المتجهم بابتسامة، وأصرت على حمل الحقائب إلى الداخل.
“دوقة كارتر!”
نهض باتلر من كرسي المكتب على عجل، وقد بدا عليه الذهول عندما رأى ريانا.
اقترب منها بخطوة واحدة ومدّ يده ليحمل حقيبتها.
“كان عليكِ أن تستدعيني.”
وبينما كان باتلر يتحدث إلى ريانا، حدّق ببرود في نوا الذي دخل خلفها.
“انظري، انظري. دوقة كارتر، انظري إلى عيني هذا الرجل.”
قال نوا بشعور بالظلم.
“نوا كان يقول لي ألّا أحملها، لكنني أصررت. لا تنظر إليه هكذا يا بِرت.”
قالت ريانا وهي تضحك، وعندها فقط سحب باتلر نظرته الحادة عن نوا، ونظر نوا إليه بعدم استيعاب، ثم خرج مجددًا ليحمل الحقائب.
“هل هذه الحقائب هي الأشياء التي تريدين أن تتركيها لدينا؟”
سألها باتلر وهو يعرض عليها كرسيًا.
“هناك أشياء أخرى أريد أن أتركها. أما هذه، فلديّ طلب آخر بشأنها.”
“تفضّلي.”
“هناك فساتين داخل تلك الحقائب، وربما تكون أغلى الفساتين في الإمبراطورية. أريدك أن تبيعها بسعر مناسب، حتى لو أخذتَ ثمن القماش فقط، فسيكون المبلغ كبيرًا.”
“تبيعينها مقابل ثمن القماش فقط؟”
سأل نوا بوجه لا يفهم منه شيئًا.
“سأنزع جميع المجوهرات المثبتة على الفساتين، لذا سيكون الحصول على ثمن القماش هو الخيار الأفضل على أي حال.”
فتح نوا وبِرت بعض الحقائب.
“لا أعرف الكثير عن شؤون السوق بما يكفي لأتولى الصفقة بنفسي، وإذا اكتشف أحد هويتي، فقد يصبح الأمر مزعجًا، لذا أرجوك.”
“دوقة كارتر… لماذا تتخلصين منها؟”
سألها باتلر بقلق.
“في البداية كنت أخطط لاستخدامها كرأس مال استثماري، لكن قد أضطر إلى إنفاق المال على عجل، لذلك أبيعها مسبقًا.”
“هل حدث شيء؟”
“لم يحدث شيء، فقط… قد أضطر إلى تقديم موعد هروبي من المنزل.”
قالت ريانا وهي تبتسم لباتلر لطمأنته.
“لم أكن أنوي إشراك بِرت في هروبي، لكنك الشخص الوحيد الذي أثق به، أنا آسفة.”
“لا تقولي ذلك، دوقة كارتر. أنا سعيد لأنني أستطيع مساعدتكِ ولو في أمر كهذا.”
“آه… قلت لك ألّا تتورط مع عائلة دوق كارتر…”
تحسر نوا، الذي كان يستمع إلى حديثهما، وكأنه عاجز عن إيقاف الأمر.
“لن أبقي بِرت معك طويلًا، لا تقلقي يا نوا.”
وبينما كانت ريانا تتحدث إلى نوا، رفعت إحدى الحقائب التي كانت قد وضعتها بجانبها إلى حجرها وفتحتها.
كانت مليئة بالمال، وفوقه ظرف من المستندات.
“بِرت، هل يمكنك أن تحتفظ بهذا أيضًا؟”
“بالطبع.”
أجاب باتلر من دون أن يسأل عن أي شيء.
“واو! حتى لو بعنا هذا القدر من المال وهذه الفساتين، فسيكون كافيًا للاستثمار في النقابة التجارية. هل وجدتِ جهةً تستثمرين فيها؟”
سأل نوا.
“ليس بعد. بالمناسبة، هناك شيء أريد أن أسألك عنه.”
قالت ريانا وكأنها تذكرت الأمر للتو.
“هل تعرف نقابة سيرفيل التجارية؟ سمعتُ أنها نقابة متخصصة أساسًا في الأدوية والأعشاب الطبية.”
بعد أن أنهت ريانا كلامها، ساد صمت للحظات داخل المختبر.
“هل تفكرين في الاستثمار في نقابة سيرفيل التجارية؟”
سأل نوك.
“نعم.”
“لماذا نقابة سيرفيل التجارية؟”
“أريد الاستثمار في الأدوية أو الأعشاب الطبية.”
“لماذا؟”
“أنت مهتم بي كثيرًا يا نوا، أليس كذلك؟”
قالت ريانا بمزاح.
“نقابة سيرفيل التجارية لن تقبلكِ.”
“لماذا؟”
“لأنهم لا يريدون التورط مع عائلة دوق كارتر.”
“هذا ما أريده أنا أيضًا، لذلك سأستثمر بصفتي ريانا شخصيًا، وليس بصفتي دوقة من عائلة دوق كارتر.”
“بف! هل تقصدين أنكِ ستتخلين عن عائلة دوق كارتر؟ آه، هل هذا ما قصدتِه بالهروب من المنزل؟”
أطلق نوا ضحكةً ساخرة.
“نوا.”
ناداه باتلر محذرًا.
“وماذا لو تخلّيت عنها؟ هل ستتعامل معي حينها؟ لا، قبل ذلك، نوا، لو كنتَ مكاني، هل ستتعامل معي؟”
على الرغم من أن ريانا لم تكن تظن أن كلود سيطلب فسخ الخطوبة فورًا، فإن عودة إيزابيلا جعلتها تشعر بالقلق من أنها لا تعرف كيف ستتطور الأمور، وهذا القلق كان يدفعها إلى الأمام.
“ومَن سيصدق ذلك؟”
“أنا أصدق.”
نظر نوا إلى باتلر باستغراب عند سماع كلماته الثقيلة.
“لا أستطيع أن أخبرك بالتفاصيل، لكنني غادرت منزل الدوق لأنكِ، يا دوقة كارتر، منحتني اليقين بأنكِ ستغادرين منزل الدوق أيضًا.”
“آه… لا أستطيع فهم هذا.”
“لن تفهم، يا نوا. لأنك لست ابن دوق كارتر.”
قالت ريانا لنوا بابتسامة، وشعر نوا بأن ابتسامتها تثير في نفسه شيئًا من عدم الارتياح، ثم اتجه نظره إلى باتلر الذي بدا كئيبًا.
“إذًا، نوا، هل ستتعامل معي؟”
“لن أفعل، لأنني لا أعرفكِ يا دوقة.”
أومأت ريانا برأسها، وهي تحاول أن تتظاهر بأنها لم تشعر بخيبة أمل رغم أنها كانت تتوقع القليل.
“لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا يجعل بِرت يتحرك بهذا القدر. أنا لا أعرفكِ يا دوقة، لكنني أعرف بِرت.”
“…”
“إذا كان ذلك الرجل يحميكِ إلى هذا الحد، فيمكنني أن أمنحكِ فرصةً وأثق بكِ مرةً واحدة.”
“إذًا… هذا يعني…”
“آه… سأقبل التعامل معكِ، ولكن فيما يتعلق بالدواء الذي أبديتِ اهتمامكِ به في المرة الماضية فقط.”
كانت ريانا مستسلمةً للأمر، لكنها شكّت في أذنيها وهي تنظر إلى باتلر، فابتسم باتلر لريانا ابتسامةً مشرقة.
أخرجت ريانا الظرف من الحقيبة التي كانت مفتوحة على حجرها، ثم أغلقت الحقيبة ومدّتها كاملةً إلى نوا، ثم ابتسمت بسعادة.
“سأستثمر هذا كله، بالإضافة إلى الأشياء التي سأبيعها هنا!
هل سيساعد ذلك؟”
“…لم نكتب حتى العقد بعد، دوقة كارتر.”
“لا بأس، يمكنك كتابته ببطء. أنا أيضًا أثق بصديق بِرت.”
كانت ريانا سعيدة كطفلة، من دون أي تصنع، لدرجة أن نوا كاد يبتسم من تلقاء نفسه.
“دوقة كارتر، ما هذا؟”
سأل باتلر وهو ينظر إلى الظرف الذي أخرجته ريانا من الحقيبة ووضعته على المكتب.
“آه، هذا هو الشيء الذي كنت أنوي حقًا أن أطلب من بِرت الاحتفاظ به. إنها مستندات مهمة، هل يمكنك الاحتفاظ بها؟”
سألت ريانا بحذر.
“بِرت، مجرد خروجك بهذا الشكل يعني أن الأمر خطير.
فكّر جيدًا.”
“سأحفظها جيدًا.”
“تس.”
نقر نوا بلسانه وهو ينظر إلى باتلر الذي أجاب من دون أي تردد.
“كما هو الحال دائمًا… شكرًا لك يا بِرت.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.