مساحة للحكاية، ووقت لك← طريقة سرقة قلب سيدكِ
الفصل 134نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 134

134

لم يتوقّف الضجيج إلّا بعد لحظة، وخيّم السكون.

 

تدحرجت العربة من فوق الجرف قبل أن تتوقّف، وكان ذلك بفضل تعلّقها بشجرة بارزة من الجرف. لكن ذلك لم يَدُم طويلًا، فهذه الشجرة لم تكن تملك القوة لتحمّل وزن العربة.

 

وبينما كان يُسمع صوت تكسّر الشجرة شيئًا فشيئًا، ركل إيدموند باب العربة وتفقّد ما حوله.

 

فعلى الرغم من أنّ هذه الجبال مليئة بالأشجار الكثيفة، إلّا أنّ الصخور كانت كثيرة بشكل غريب. 

 

ولو استمرّ تساقط الصخور، لكان مجرّد خروجهم من العربة يعني احتمال تلقّي صخرة في الرأس، لكنّ انهمار الصخور من الأعلى كان قد توقّف لحسن الحظ.

 

ولم تكن الصخور وحدها ما يشكّل الخطر. فلو تدحرجت العربة أكثر إلى الأسفل، لكانت حياتهم في خطر. فلو اخترق جسدهم غصنٌ حاد، أو ارتطم رأسهم بصخرة بارزة بقوّة، لكان الوضع قاتلًا.

 

“هف.”

 

ربط إيدموند أوليفيا المغمى عليها معه بإحكام ببطانية داخل العربة.

 

ومهما حدث له، كان عليه أن يُنقذ أوليفيا. وهو يفكّر بذلك، راح يُمعن النظر بسرعة في التضاريس من حوله.

 

ددق— تشقق.

سمع صوتَ امتداد الشقوق فوق الغصن.

 

فأمسك بسرعة بالصخرة التي سبق أن رصدها، وخرج من العربة. وسقطت العربة إلى الأسفل لترتطم بصخرة بارزة وتتحطّم بالكامل حتى غدا من المستحيل التعرّف على هيئتها.

 

“لقد كان من حسن الحظ أنها علقت في تلك الشجرة.”

 

تقدّم إيدموند بحذر نحو الأسفل مستندًا إلى الصخور والأشجار. وبمجرّد وصوله إلى الأرض، راح يتفقّد أوليفيا بسرعة، مُصِرًّا على ألّا تتعرّض لأيّ أذى.

 

ولحسن الحظ، لم يكن هناك جرح واضح. لكن لا يمكنهما إضاعة الوقت في هذا المكان. 

 

فمع هذا المطر الغزير، قد تبدأ انهيارات جديدة في أيّ لحظة. 

وكان عليهما مغادرة المكان فورًا.

 

“فيا، فيا.”

هزّها إيدموند بلطف.

 

كان الدم يسيل فوق جبين أوليفيا المستوي، وملابسها كانت ممزّقة وخُدِشَت هنا وهناك. وقد شعر بالغصّة.

 

فإيدموند رأى أوليفيا تُصاب كثيرًا. وفي كلّ مرة كان يقسم ألّا يدع ذلك يتكرّر، لكن ها هو أمام المشهد نفسه من جديد، بشكلٍ مثير للسخرية.

 

“أرجوكِ … افتحي عينيكِ.”

 

لعلّ صوته الملهوف وصل إليها. فقد بدأت جفونها، التي ظنّ أنّها ستبقى مغلقة، تتحرّك ببطء. وما إن التقت عيناه بعينيها الصافيتين كالبحيرة، حتى خارت قوّته قليلًا.

 

“هاه … حقًّا … أنتِ بخير”

 

وبينما سقط جالسًا من شدّة الارتخاء، كان الفرسان الذين نزلوا بحثًا عنهما قد اقتربوا.

 

“سموّك، هل أنتَ بخير؟!”

 

“سيّدتي أوليفيا!”

 

“يا إلهي، أسرعوا، الطبيب!”

 

ونهضت أوليفيا ببطء.

 

“… سموّك؟”

 

“فيا، هل أنتِ بخير؟”

 

أمسك إيدموند يدها وهو يناديها، فدفعت أوليفيا يده بارتباك.

 

“لماذا تفعل هذا فجأة؟”

 

“فيا؟”

 

ارتجفت عيناه الحمراء كبركة يعصف بها النسيم.

 

“فيا؟ لماذا تنادينني بهذا فجأة؟”

 

وكأنّ حجرًا ألقي في سطح ماء هادئ، راحت أمواج من المشاعر تتّسع في عينيها الزرقاوين.

 

كان الأمر غريبًا. فَمتى كان ينظر إليها كما لو كانت حشرة؟

ومتى كان يكرهها؟ والآن فجأة “فيا”؟

 

“ثمّ … أين نحن؟ من الواضح أنّ هذا ليس القصر الإمبراطوري.”

 

“سيّدتي أوليفيا …”

 

“فيا.”

 

كان الجميع يحدّق فيها بوجوه مذعورة. وفي وسط ذلك، كانت أوليفيا تحدّق من حولها بذهول، غير قادرة على فهم ما يجري.

 

***

 

دمّر الانهيار الأرضي العربة، وجرف معظم الخيول. وذهب بعض الفرسان سريعًا إلى أقرب قرية لإحضار عربة أخرى، فيما استأجر الباقون غرفة في نُزل القرية لإيواء أوليفيا.

 

“إذًا … تقولون إنّي تجاوزت العشرين؟”

 

“نعم.”

قالت ناتاشا وهي تجلس قربها وتمسّد ظهرها.

 

“وأنتِ مخطوبة لسموّ الأمير.”

 

“هذا لا يُصدَّق.”

تمتمت أوليفيا، وهي تحدّق في المرآة الصغيرة التي ناولتها إياها ناتاشا. حدّقت طويلاً في وجهها المنعكس.

 

وبصراحة، لم يتغيّر وجهها كثيرًا. أمّا ما اختلف عمّا تتذكّره، فهو أنّ شعرها، الذي كان يصل إلى خصرها، لم يعد إلا بطولٍ يصل أسفل كتفيها بقليل.

 

“ها … هاها.”

 

لم تستطع التكيّف مع الوضع. وبما أنّها ما زالت على قيد الحياة، فهذا يعني أنّ إيدموند هو “السيّد” على ما يبدو.

 

‘لكن لماذا ما زلتُ هنا؟’

 

ماذا عن أمّها؟ فميسيفتو كان قد وعد بأن يعيدها إلى عالمها إذا استولت على قلب “السيّد”.

 

“ناتاشا، هل يمكنني الدخول؟”

 

“نعم، سموّك.”

 

غادرت ناتاشا فورًا حين دخل إيدموند، وعمّ الصمت.

كانت أوليفيا تعبث بغطاء السرير وهي تنظر إليه من حين إلى آخر.

 

‘هل يعرف إيدموند شيئًا؟’

هل تسأله؟ هل يُفترض أن تسأل؟ ماذا لو لم يكن يعرف شيئًا؟

 

وبينما تتزاحم الأسئلة في رأسها، تكلّم إيدموند أولًا.

 

“إلى أيّ حدّ … تتذكّرين؟”

 

“أتذكّر … أني حصلتُ على وظيفة في مكتب سموّك، وأنّ سموّك ظنّني جاسوسة تابعة للأمير لوسيد.”

 

تلك كانت اللحظة الأولى التي التقيا فيها أوليفيا وإيدموند.

 

“إذًا ينبغي أن أشرح لكِ ما حدث حتى الآن.”

وأخبرها إيدموند بإيجاز بما حدث بينهما طوال الفترة الماضية.

 

“فهمت … وأمي الآن سعيدة.”

 

وقد بدا أنّ هذا الخبر طمأنها. ثمّ نظرت إليه بارتباك.

فقد وجدت “السيّد”، وأمّها بخير. هذا جيد. ولكن …

 

“إذًا، سموّك … تقصد … أنّك …”

 

“أحبّك.”

 

جلس إيدموند إلى جانبها بحذر، ومدّ يده ولمس خدّها المصطبغ بلونٍ ورديّ.

 

“وحتى لو لم تستعيدي ذاكرتكِ … فلا بأس. سأجعلكِ تُحبّينني من جديد.”

 

“…”

 

ما هذا؟ قبضت أوليفيا على الغطاء فجأة وهي تشعر بوخزة غريبة في صدرها.

 

“فيا، قد لا تتذكّرين … لكنّكِ كنتِ تحبّينني بكلّ كيانك.”

 

وانزلقت يد إيدموند من خدّها إلى ذراعها، ثم إلى ظاهر يدها التي كانت تقبض على الغطاء بقوّة.

 

“لذا لا تبذلي جهدًا لتتذكّري. ولا تتعبي نفسكِ. فأنا واثق تمامًا.”

 

نظراته الحانية … لهجته اللطيفة … ابتسامته الجديدة … ولمساته التي تبدو وكأنها تعرف جسدها.

 

كلّ شيء يبدو غريبًا، لكن بطريقة ما … مألوف.

غريب ومألوف معًا. كيف يجتمعان؟ لم تكن تدري، لكنها كانت تشعر بذلك حقًّا.

 

نعم، إن هذا غريب. كيف يتحوّل ذاك الأمير الوقح إلى رجلٍ يحبّها؟ كيف يتخلّى عن ولاية العهد لأجلها؟ هذا محض هراء.

 

كان ينبغي عليها رفض ذلك تمامًا. ولكن …

‘لماذا يرتجف قلبي إذًا؟’

 

ساد جوّ غريب. وعلى الرغم من أنّ أوليفيا رأت الأمر غير منطقي، إلّا أنّها لم تستطع صرف بصرها عن وجه إيدموند.

 

ومع اقتراب عينيه الحمراء شيئًا فشيئًا … بقيت ثابتة كأنّ فخًّا أمسك بها.

 

إلى أن—

 

“اهم، سموّك.”

جاء صوت فيليكس من الخارج.

 

“ماذا؟”

 

“يبدو أنّ في هذه القرية طبيبًا واحدًا فقط. وقد تبيّن أنّه يتقن اللغة الإمبراطورية، فأحضرناه.”

 

ولمّا سمع أن الطبيب وصل، أسرع إيدموند إلى الباب. 

 

فعلى الرغم من أنّ مظهره يوحي بأنه هو من يحتاج العلاج، إلا أنّ أوليفيا فقدت ذكريات آخر عامين.

 

ورغم أنّ الأمر قد يكون مؤقّتًا بسبب الصدمة، إلّا أنّ احتمال إصابة رأسها وارد، لذا استدعوا الطبيب.

 

“ولماذا لا يدخل فورًا؟”

 

“في الحقيقة … الطبيب هو …”

 

تردّد فيليكس قليلًا، ثم ابتعد جانبًا. فظهر وجهٌ مألوف يبتسم.

 

“مرّ وقت طويل يا سموّك. هل أنتَ بخير؟”

 

“غالرهيد.”

عبس إيدموند فورًا.

 

“سمعت أنّ السيّدة أوليفيا تُعاني من فقدان الذاكرة.”

 

دلف غالرهيد إلى الداخل مباشرة.

 

“هل يمكنني إلقاء نظرة؟”

 

“لا. لا نحتاج إلى مساعدتك. عُد من حيث أتيت.”

 

‘نعم، هذا هو الوجه.’

تلك العقدة الدائمة في حاجبيه، فمه المطبق بإحكام، ولهجته الفظة المزعجة.

 

هذا هو إيدموند الذي تتذكّره أوليفيا.

 

“هف.”

أطلقت أوليفيا أخيرًا زفرة ارتياح.

 

“جيد. الآن فقط بدأ التوتّر يزول.”

 

وابتسمت أوليفيا ابتسامة مشرقة … مشرقة حدّ الإبهار.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.