مساحة للحكاية، ووقت لك← داو الخالد العجيب
الفصل 3: القلادة اليشميةنحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 3: القلادة اليشمية

داو الخالد العجيب

الكاتب Foxtail Quill

ترجمة الخالد المجنون

الفصل 3: القلادة اليشمية.

بمجرد أن تأكد من أن قطعة الحلوى كانت حقيقية وملموسة، أخذ قلب "لي هوانغ" يخفق بعنف في صدره.

«يجب أن أخبر الدكتور لي فوراً!»

ولكن، ما إن همّ بأخذ خطوته الأولى حتى تسمر في مكانه، وسرعان ما غمرت عقله أفكار أخرى متلاحقة.

كان يعلم يقيناً أن قطعة الحلوى لم تكن الشيء الوحيد الذي رآه داخل هلوساته؛ بل كانت هناك أشياء أخرى كثيرة، وبعضها كان أكثر قيمة وثراءً بمراحل!

وبينما كان يتلذذ بحلاوة الطعم المتبقي في فمه، أخذ يذرع غرفة المصحة جيئة وذهاباً بخطوات مضطربة.

«هذه فرصتي الذهبية! يمكنني أنا ونانا أن نصبح أثرياء! بل يمكنني حتى أن أصل إلى ذروة حياتي!»

سرعان ما أدرك الأبعاد والمخاطر المترتبة على هذا الأمر كله.

«إياك أن تخبر الدكتور لي. آخر ما أحتاجه الآن هو أن يتم سحلي إلى مختبر تجارب ليقوموا بتشريحي وفحصي. بالإضافة إلى أن هذا الأمر يخرج تماماً عن نطاق تخصصهم وسلطتهم».

«ولكن مع ذلك.. لا يمكنني التسرع في هذا الشأن. يجب أن أفهم المنطق الذي يحكم هذه الظاهرة أولاً».

وهكذا، بدأت ملامح خطة تتشكل ببطء في خبايا عقله.

وبينما كان ينسج خيوط خطته، بدأت الغرفة من حوله تلتوي وتتشوه، وتتلاشى معالمها ببطء.

كان "هوانغ" قد اعتاد على هذه الظاهرة؛ لذا سارع بدس واجباته المدرسية وكتبه داخل حقيبته، وألقى بها نحو زاوية الغرفة لتجنب تمزقها أو تلفها أثناء غيابه في عالم الهلوسة.

ثم ضغط على الفور على الزر الأحمر المثبت بجانب سريره، ولحسن الحظ، اقتحم عدة ممرضين الغرفة بعد ثوانٍ معدودة، وقاموا بتكبيله وإحكام قيده فوق السرير.

وعندما فتح عينيه مرة أخرى، وجد نفسه قد عاد إلى داخل الكهف المظلم البارد، وكان بقية التلاميذ المشوهين يرمقونه بنظرات يملؤها الفضول.

نهض وجلس فوق الأرضية الصخرية الباردة، وأخذ يتفحص محيطه مجدداً، ولكن هذه المرة بنظرة وفهم مختلفين تماماً.

حتى وإن كان كل هذا مجرد هلوسة، فإن كل شيء من حوله في هذا المكان بدا الآن أشبه بكنوز ثمينة موضوعة داخل قبو سري.

«ربما لست مريضاً على الإطلاق.. ربما حظيت بقوة غامرة ووقرة لا يعلم الأطباء عنها شيئاً».

«أجل، هذا صحيح.. أنا لست مريضاً بالمرة».

لقد عانى الأمرين ولفترة طويلة من علته النفسية، وواجه نظرات التمييز والازدراء من الجميع أينما ذهب.

وكأن أصابته بالهلوسة قد نزعت عنه صفته البشرية وجعلته مجرد مسخ مشوه في أعينهم.

ومجرد التفكير في أنه قد يتحرر أخيراً من وصمة العار والتمييز تلك، أصابه بحالة عارمة من الحماس والإثارة.

وهكذا، وبمزاج مبتهج للغاية، انطلقت من "لي هوانغ" ضحكة مكتومة وهو يقترب من شاب أصلع يقف بالقرب منه، متمتماً: "هاها، هذا يزداد إثارة".

"ما بالكم تتجمعون وتتسكعون هنا كالمشردين؟ عودوا إلى عملكم فوراً! إذا لم يكن الإكسير الوسيط الذي طلبه السيد المجنون جاهزاً في وقته، وتسبب ذلك في إفساد فرصه في بلوغ الخلود، فسيقوم بسلخ جلودكم وأنتم أحياء!".

انطلق هذا الصوت الحاقد واللاذع من جهة المدخل.

التفت "لي هوانغ" نحو مصدر الصوت، ليرى أنه الكاهن الطاوي نفسه الذي استدعاه سابقاً، "شوان يانغ". كان لا يزال يتصرف بغطرسة وتعالٍ كالعادة؛ وكأن التحدث إلى هؤلاء التلاميذ المشوهين يمثل إهانة لشرفه ومقامه.

وعندما رأى "شوان يانغ" ملامح الجرأة واللامبالاة في عيني "لي هوانغ"، شعر بأن سلطته وهيبته تتعرضان للتحدي؛ فهز مذبة الغبار الطاوية التي في يده وتقدم نحوه مواجهاً إياه بحدة: "التلميذ لي، لم أكن أتوقع أن تنجو ولا تصبح جزءاً من الإكسير الوسيط لجسد السيد.. يا للأسف حقاً".

في هذه الأثناء، لم يكلف "لي هوانغ" نفسه عناء الانتباه لكلماته المستفزة بالمرة؛ بل كان تركيزه وحواسه كلها شاخصة نحو قلادة يشمية ثمينة تتدلى عند خصر "شوان يانغ".

«لا بد أن هذه قطعة أثرية نادرة.. لو تمكنت من وضع يدي عليها ونقلها معي إلى العالم الحقيقي، فستساوي ثروة طائلة، أليس كذلك؟ ولكن كيف أفعلها؟ هل يجب أن أسرقها وأضعها ملامسة لصدر ثيابي تماماً كما فعلت مع قطعة الحلوى؟»

وعندما رأى "شوان يانغ" صمت "لي هوانغ"، ظن واهماً أن الفتى يهابه ويخشى بأسه؛ فأطلق سخرية لاذعة واستدار مغادراً الكهف.

وإذ كان "لي هوانغ" يحدق في ظهر "شوان يانغ" المغادر، أخذ يمعن التفكير في خطته؛ كان يريد الاستيلاء على القلادة اليشمية ليرى إن كان بمقدوره نقلها إلى العالم الحقيقي، وكانت الطريقة الأسهل والأمن لفعل ذلك هي سرقتها تحت جنح الظلام.

«إنها حقاً قلادة يشمية رائعة.. وقريباً جداً، ستصبح ملكي».

في تلك اللحظة، امتدت يد بيضاء شاحبة، تعكس ضوء الكهف الخافت برقة، لتشد كم رداء "لي هوانغ" بخفة، وترافق ذلك مع صوت أنثوي ناعم يهمس له: "التلميذ لي، عد إلى عملك سريعاً، وإلا فستُحرم من طعام الليلة".

التفت "لي هوانغ" ليجدها الفتاة المصابة بالمَهَق التي هب لمساعدتها في المرة السابقة.

فكر في أمر ما لبرهة، قبل أن يخرج قطعة الحلوى السوداء الذائبة جزئياً ويضعها في كفها الصغيرة، ثم عاد إلى موضعه، وقبض على المدقة الحجرية مستأنفاً طحن الصخور بانتظام.

في الوقت الحالي، لم يكن بوسعه القيام بأي تصرف يثير الريبة أو يخرج عن طبيعته المعتادة، سواء في المستشفى أو داخل هذه الهلوسة.

يجب ألا يبوح لأي مخلوق بوجود هذه القوة الصادمة، وكان يخطط لاستكشاف القوانين والقواعد الشاذة التي تحكمها ببطء وروية قبل الإقدام على خطوته التالية.

وأخيراً، شارف ذلك العمل الروتيني والمنهك في طحن المواد الخام على الانتهاء مع حلول المساء.

وسرعان ما خيم ظلام الليل الدامس؛ ووسط العتمة المطبقة وأصوات شخير التلاميذ النائمين، فتح "لي هوانغ" عينيه.

كان المكان مظلماً للغاية؛ فلا وجود لنوافذ ولا لشموع تضيء عتمة المكان، وكان عليه أن يتلمس جدران الكهف ببطء ليشق طريقه نحو المخرج.

توجه أولاً نحو طاولة عمله، والتقط قبضة من مسحوق الصخرة الخضراء التي طحنها نهاراً؛ كانت تشع ببريق خافت وضئيل، لكنه كان كافياً لإنارة طريقه وسط الممرات المظلمة.

وعلى الرغم من أن مسيرته بمسحوق مشع وسط كهف غارق في الظلام الدامس كان يجعله مكشوفاً وواضحاً للغاية، إلا أنه لم يكترث بتاتاً.

«حتى وإن تم اكتشاف أمري، فكل ما سيحدث هو أنني سأستيقظ في المستشفى؛ لدي مهرب آمن من هذا المكان دائماً، لذا لا يوجد ما يخشاه قلبي».

طمأن نفسه بهذه الكلمات وهو يسير وحيداً في ممرات الكهف الملتوية.

بما أن هذه الهلوسة هي نتاج عقله الباطن، فكيف له أن يرتعد خوفاً منها؟ لقد كان جسوراً وممتلئاً بالجرأة رغم عجزه عن التحكم في مجريات هذا العالم.

كان نظام الكهوف شاسعاً، ولكن بما أن "لي هوانغ" قد قضى فيه وقتاً ليس بالقصير، فقد تمكن من التنقل بين ممراته بيسر وسهولة.

ولم يمضِ وقت طويل حتى وصل إلى الكهف الصغير الخاص بـ "شوان يانغ". كان المكان بسيطاً، لكن وجود سرير ضخم ينفرد به وحده كان دليلاً كافياً على حجم السلطة والنفوذ اللذين يتمتع بهما مقارنة ببقية التلاميذ المشوهين.

فوجئ "لي هوانغ" عندما وجد أن الكهف خالٍ وأن "شوان يانغ" ليس موجوداً فيه، ومع ذلك، كانت ثيابه الطاوية متروكة هناك؛ لم يهتم "لي هوانغ" بغيابه، واندفع فوراً ليمد يده وينتزع القلادة اليشمية الثمينة من الرداء الطاوي.

تسلل خارجاً من الكهف، وراح يتفحص القلادة بعناية تحت الضوء الخافت المنبعث من المسحوق الأخضر في يده.

كانت القلادة ناعمة الملمس ونقية بشكل مذهل، وقد نُقشت عليها صور غيوم وزخارف معقدة ومتداخلة باحترافية بالغة؛ وحتى الشخص الهاوي كان بوسعه أن يدرك فوراً أن هذا اليشم من أجود الأنواع وأثمنها.

وكلما أمعن "لي هوانغ" النظر في تفاصيل القلادة، تضاعفت بهجته وارتسمت على وجهه علامات النشوة الشديدة؛ فلو تمكن حقاً من نقلها معه إلى العالم الحقيقي، فستغطي تكاليف دراسته الجامعية هو و"يانغ نانا" لأربع سنوات كاملة دون أدنى عناء!

تمتم "لي هوانغ" بكلمات خافتة التمعت بها عيناه: "هيهيهي~ يا آنسة يانغ نانا، استعدي لتصبحي سيدة ثرية". ثم دس القلادة اليشمية بعناية فائقة داخل ثنايا ثيابه واستدار ليغادر المكان.

حتى تلك اللحظة، كانت كل خطواته تسير بسلاسة تامة ووفق ما خطط له؛ ولكن، بمجرد وصوله إلى المخرج، تفاجأ بوجود مجموعة من الأشخاص يصعدون درجات السلم الحجري.

كانوا فتياناً وفتيات في مثل عمره تقريباً، وكانت ملامح الرعب والذعر تكسو وجوههم الشاحبة تحت وهج شعلة نار متأرجحة يمسكون بها.

تسمر الطرفان في مكانهما من أثر المفاجأة، وخيم صمت مطبق ومربك لبرهة من الوقت دون أن ينطق أي منهم ببنت شفة.

في النهاية، كان "لي هوانغ" هو من كسر جمود الصمت؛ فرفع يده التي تحوي المسحوق الأخضر المشع ليسلط الضوء عليهم، ليرى "شوان يانغ" يرتدي ثياباً خشنة ويسأله بتعجب: "شوان يانغ؟ ثيابك.. هل تم تعيينك في غرفة التحضير؟".

ولم يكن "شوان يانغ" وحده؛ بل كان بقية التلاميذ المتواجدين معه يملكون مسؤوليات ومهام موزعة في قطاعات مختلفة من الكهف، وكان أحدهم هو الشخص نفسه الذي تولى مهمة تهوية نيران الفرن في النهار.

ولكن بغض النظر عن مهامهم المعتادة، كانوا جميعاً يرتدون في هذه اللحظة أردية فضفاضة منسوجة من قماش خشن، ولم يكن بحوزتهم أي شيء آخر سوى تلك الثياب التي تستر أجسادهم.

لم يكن "شوان يانغ" في هذه اللحظة يحمل أي ذرة من الغطرسة والتعالي التي كان يظهرها في وضح النهار؛ بل تغيرت تعابير وجهه بسرعة وتقدم نحو "لي هوانغ" حثيثاً، وهمس بصوت متهدج وخافت: "فلنذهب! يجب أن نغادر هذا المكان الآن! لقد حان وقت الفرار والهرب! لقد قمت بالفعل برشوة التلميذ الذي يحرس مخرج الكهف البوابة الرئيسية!".

اتسعت عينا "لي هوانغ" بصدمة وقال: "هرب؟ أوه! إذن أنتم تحاولون الـ—"

وقبل أن يتمكن "لي هوانغ" من إكمال جملته، اندفع "شوان يانغ" بسرعة خاطفة ووضع يده بقوة فوق فمه ليخرسه.

نهاية الفصل.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.