الفصل 2: لي هووانغ
داو الخالد العجيب
الكاتب Foxtail Quill
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 2: لي هوانغ
تنهد "لي هوانغ" بارتياح وتمتم: "آه.. وأخيراً عدت"، قبل أن يتحدث عبر الميكروفون المثبت عند رأس السرير مستدعياً طاقم الرعاية.
مرت بضع لحظات قبل أن يدخل طبيبه المعالج إلى الغرفة حاملاً في يده جهازاً لوحياً أبيض، وكانت ترافقه ممرضة الجناح.
جلس الطبيب على مقعد صغير وسأله بنبرة دافئة ولطيفة: "كيف تشعر الآن يا بني؟ هل طرأ أي تغيير على الهلوسة؟".
وصف "لي هوانغ" تفاصيل ما رآه بدقة قائلاً: "في الهلوسة، كنت عالقاً في المكان نفسه وأقوم بالعمل ذاته كالعادة. لكن هذه المرة، أقدم ذلك السيد المجنون على قتل فتاة بوحشية شديدة أمامي مباشرة، وحاول استخدام أشلاء جسدها لتنقية حبة إكسيرية".
أومأ الطبيب المعالج برأسه وهو يدون ملاحظاته على الجهاز اللوحي: "همم، أفهم".
فكر "لي هوانغ" في أمر ما، وتردد قليلاً قبل أن يسأل: "أيها الطبيب، ماذا تقصد عندما تقول إنها هلوسة مختلفة؟ كيف تعكس حالتي النفسية وعقلي الباطن؟ وهل لكل هذه التفاصيل معنى معين؟".
هز الطبيب رأسه متفادياً الإجابة المباشرة وقال: "لا، لا داعي لأن تشغل بالك بمثل هذه الأمور. ما يهمنا الآن هو مراقبة المدة التي تستغرقها هذه الهلوسة ومدى استقرارك النفسي".
ثم تابع مؤكداً: "بما أنها مجرد هلوسة، يجب أن تذكر نفسك دائماً بأنها ليست حقيقية. لقد تعافيت بالفعل من الاضطراب الحسي النفسي السابق، ولا نريد لك الانتكاس. في كل مرة تدخل فيها إلى الهلوسة، التزم بمنطق ذلك العالم ولا تقاومه بحدة. ومع استمرار علاجنا، ستتماثل للشفاء التام قريباً".
خفق قلب "لي هوانغ" بقوة عند سماع ذلك؛ فهذا الحديث هو مفتاح خروجه من المستشفى، ولا يمكنه تحمل أي هفوة أو استهتار.
في غضون ذلك، لم ينسَ الطبيب أن يرفع من معنويات مريضه قائلاً: "في الواقع، لقد أحرزت تقدماً كبيراً. عندما دخلت المستشفى أول مرة، لم تكن قادراً حتى على التمييز بين العالم الحقيقي وهلوساتك. أنت الآن على طريق التعافي، فاستمر في المقاومة ولا تستسلم!".
بينما كانا يتحدثان، تناهى إلى مسامعهما صوت خطوات خفيفة قادمة من جهة الباب.
التفت كلاهما في الوقت نفسه، ليريا فتاة تسترق النظر إلى داخل الغرفة، وكانت ترتدي قميصاً أسود ذو ياقة عالية.
بدت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها، وهو سن تكون فيه الفتاة أشبه بزهرة يافعة أوشكت على التفتح.
كانت بشرتها بيضاء كاليشم الصافي، وشعرها الأسود المسترسل ينسدل على كتفيها كشلال مظلم، مما زادها حسناً وبهاءً.
أراد المراهقان قول شيء ما، لكن الكلمات انعقدت في حلقيهما.
في هذه الأثناء، ضحك الطبيب خلسة؛ فقد أدرك ما يجري، فعدل نظارته وسارع بمغادرة الغرفة على الفور وهو يقول: "لا يزال لدي بعض الأعمال لأنجزها، سأترككما معاً. أوه صحيح، لا تنسَ تناول دوائك في وقته المحدد يا لي الصغير".
بمجرد خروج الطبيب، خطت الفتاة داخل الغرفة. تبادلا الابتسامات، وشعر "لي هوانغ" بدفء يغمر قلبه، متبدداً معه كل قلقه بشأن مرضه.
ابتسمت الفتاة بمكر وهي تُظهر حقيبة قماشية كانت تخفيها وراء ظهرها وقالت: "توقف عن الابتسام، فمظهرك يبدو مضحكاً هكذا. لقد أحضرت لك شيئاً مميزاً.. إنها الواجبات المدرسية التي كلفنا بها معلمنا العزيز!".
عند رؤية ذلك، اختفت ابتسامة "لي هوانغ" على الفور وهتف: "نانا! نحن أصدقاء طفولة! أهكذا تردين لي الجميل؟".
التفتت "يانغ نانا" لتغلق الباب، ثم أخرجت جهاز ألعاب محمول ولوحت به أمامه بطريقة شقية قائلة: "بالتأكيد هناك هذا أيضاً! نادني بأختي الكبرى، وسأعطيك إياه! هيهيهي~".
اندفع "لي هوانغ" نحوها بإثارة وخطف الجهاز من يدها قائلاً: "أختي الكبرى! أختي العزيزة! أنتِ أختي الكبرى الوحيدة في هذا العالم!".
لقد كان يموت مللاً من البقاء حبيساً داخل هذا المستشفى النفسي، ولم يكن من المبالغة القول إنه كاد يجن من شدة الضجر.
جلست "يانغ نانا" بجانب السرير ونبهته قائلة: "لا تلعب كثيراً، وتأكد من إنجاز واجباتك أولاً".
رد "لي هوانغ" وعيناه شاخصتان بكامل تركيزهما على الشاشة المضيئة: "أجل، أجل، علم".
امتدت أصابعها البيضاء النحيلة لتشد رداء المستشفى المخطط بالأزرق والأبيض الذي يرتديه، وقالت بصوت منخفض: "مهلاً، لا تنسَ وعدنا".
أوقف "لي هوانغ" لعبته مؤقتاً ونظر إليها، واكتست ملامحه بجدية وعزيمة قاطعة وقال: "بالتأكيد، لقد وعدنا بعضنا بأننا سندخل الجامعة نفسها".
عندما رأته ينظر إليها بهذا الإصرار، خفضت "يانغ نانا" رأسها بخجل، وأصبح صوتها خافتاً كطنين البعوض وهي تقول: "حسناً.. أرجوك تعافَ سريعاً، سأكون في انتظارك".
فجأة، جذبها "لي هوانغ" ليضمها إلى صدره.
احمرّ وجهها خجلاً لكنها لم تمنعه، بل أغلقت عينيها وهمست بصوت خفيض: "منحرف".
بقي كلاهما دون حراك، وشعرا بالاكتفاء والرضا لمجرد العناق الصامت.
بعد أن قضيا بعض الوقت معاً، كان على "يانغ نانا" المغادرة؛ فهي الآن في سنتها الثالثة من الثانوية، وهي سنة مصيرية في حياتها، وكان اقتطاع نصف يوم من جدولها المزدحم بمثابة ترف كبير.
ورغم أن زياراتها كانت قصيرة، إلا أن "لي هوانغ" كان يقدرها دائماً؛ فقد كانت بالنسبة له بمثابة شعاع الشمس الذي يضيء حياته البائسة.
قال "لي هوانغ" وهو ينهض من سريره مستعداً لمرافقتها: "دعيني أودعكِ حتى المخرج". كان لا يزال يرتدي رداء المستشفى الأزرق والأبيض وينتعل الخف الأبيض الذي وفره له المشفى.
ولكن بمجرد وصوله إلى الباب، داهمه شعور غريب بالريبة. التفت فجأة، ووقع نظره على الهاون الحجري موضوعاً على الطاولة بجانب سريره!
تراجع "لي هوانغ" خطوتين إلى الخلف بذعر وصدمة. وعندما حدق مجدداً، وجد أن الهاون قد تحول إلى صندوق طعامه العادي.
نظرت "يانغ نانا" إلى ملامحه المذعورة وبدا عليها القلق وسألته: "هل أنت بخير؟".
عندما رأى نظرة القلق في عينيها، تصنع ابتسامة مشاكسة وقال: "هاها! لقد خدعتكِ! هل خفتِ؟".
أطلقت "يانغ نانا" زفيراً غاضباً ونفخت وجنتيها ثم قرصته في خصره قائلة: "لقد كبرتَ ورغم ذلك لا تزال تتصرف كالأطفال! لم أتوقع أن تقوم بمثل هذه المزحة الصبيانية".
حاول الإمساك بيديها وهو يعتذر: "انتظري، لا تغضبي، كنت أحاول فقط إدخال البهجة إلى قلبكِ"، لكنها نفضت يديه بسهولة. وبعد محاولات عدة، نجح أخيراً في الإمساك بيديها الصغيرتين.
عندما رآهما بقية المرضى الذين كانوا يستمتعون بأشعة الشمس في فناء المستشفى، ارتسمت على وجوههم ابتسامات دافئة؛ آه، ما أجمل الشباب والحب المتبادل الحقيقي!
سارا بخطوات وئيدة، لكنهما سرعان ما وصلا إلى البوابة الرئيسية.
وقفت "يانغ نانا" عند المدخل والتفتت إليه بنظرات يملؤها الشوق وعدم الرغبة في الرحيل: "سأأتي لزيارتك مجدداً الأسبوع القادم، لذا اعتني بنفسك جيداً".
رد عليها "لي هوانغ": "لا، لا داعي للقدوم. أعلم أنكِ تحت ضغط دراسي هائل الآن بسبب الامتحانات. أنتِ لا تملكين سوى نصف يوم عطلة في الأسبوع، لا تضيعيه في المجيء إليّ".
رفعت "يانغ نانا" قدمها ودست بلطف على خف "لي هوانغ"، وراحت ترمش بعينيها وتتحرك رموشها برقة قائلة: "أيها الأحمق. لا تتحدث وكأنني عاجزة عن التدبير؛ أنا لم أتراجع يوماً عن المراكز الثلاثة الأولى في فصلنا، لذا لم أشعر بأي ضغط قط".
وضع "لي هوانغ" يده على صدره متظاهراً بالألم: "آه.. يا لها من كلمات قاسية أيتها الآنسة".
ضحكت "يانغ نانا" وخبطته خبطة خفيفة بقبضتها قبل أن تغادر المستشفى متوجهة نحو محطة الحافلات المقابلة للمبنى.
ظل "لي هوانغ" واقفاً عند المدخل يراقبها حتى صعدت الحافلة واختفت عن ناظريه. وتدريجياً، تلاشت الابتسامة عن وجهه.
كان يشعر بقلق بالغ جراء ما رآه قبل قليل، لذا سارع بالتوجه إلى مكتب الطبيب فوراً.
بعد مرور ساعة، كان "لي هوانغ" يتقلب في سريره بقلق، والتفكير في مستقبله مع "يانغ نانا" يمزق عقله.
وُضعت على طاولته مجموعة جديدة من الأدوية الموصوفة له.
كان منظر الهاون الذي رآه، وابتسامة "يانغ نانا"، يترددان في ذهنه بلا انقطاع.
«ماذا لو ساءت حالتي؟ ماذا لو لم أخرج من هنا قبل امتحانات القبول الوطنية للتعليم العالي؟ لن أتمكن حينها من دخول الجامعة نفسها مع نانا».
وعلى الرغم من أنه كان معزولاً داخل المستشفى، إلا أنه كان يعلم بالقرائن والشائعات؛ ففي أعين الناس بالخارج، لم يكن سوى مجنون فاقد للأهلية.
لكن صديقة طفولته، "يانغ نانا"، اعترفت له بمشاعرها قبل يوم واحد فقط من دخوله المصحة، رغم علمها التام بأن عقله ليس بخير.
«نانا فتاة رائعة ومذهلة، وبصفتي رجلاً، لا يمكنني خذلانها أبداً».
«لكن هذا غير منطقي بالمرة! أنا أتبع تعليمات الطبيب بدقة، فلماذا تزداد هلوساتي سوءاً وضراوة؟ هل يجب أن أنتقل إلى مستشفى آخر؟ لكن هذا هو المستشفى الثالث بالفعل!».
«لا يمكن أن يكون هناك خطأ في علاج الدكتور لي، لقد أخبرني والدي أنه الأفضل في هذا المجال».
استمرت هذه الأفكار السوداوية في تدمير عقله، حتى استسلم في النهاية وقرر النهوض.
أخرج الكتب الدراسية ودفاتر التمارين التي أحضرتها "يانغ نانا" وبدأ يدرس بجد؛ أراد استخدام النظريات والمعادلات المعقدة ليغرق أصوات أفكاره المتصاعدة.
ومع حلول الهزيع الأخير من الليل، كان لا يزال مستغرقاً في حل واجباته.
بعد انتهائه من حل ورقة امتحان تجريبي للغة الإنجليزية، تمطى في جلسته وفرك صدغيه المتعبين.
تثاءب قائلاً: "آه~ كم الساعة الآن؟ لا بد أن الوقت تأخر كثيراً". انتعل خفه وتوجه نحو الحمام؛ فقد حان وقت النوم.
بينما كان يسير نحو الحمام وهو يتثاءب ويحك صدره بكسل، شعرت يده اليمنى بشيء غريب، فتوقف فجأة عن الحركة.
خفض نظره نحو رداء المستشفى، ليرى مادة سوداء لزجة ملتصقة بقميصه عند موضع صدره.
كان ذلك اللون مألوفاً للغاية بالنسبة له.
وفجأة، ومضت خاطرة مرعبة في عقله.
لمس تلك المادة بأصابعه ثم لعق طرف إصبعه. وفوراً، سرت في لسانه مرارة شديدة تلتها مسحة خفيفة من الحلاوة، مما جعل بؤبؤي عينيه ينكمشان بصدمة ورعب مطلق.
لقد كانت هذه قطعة الحلوى نفسها التي قدمتها له التلميذة المتخلفة عقلياً في الكهف!
شيء كان يفترض أنه لا يوجد إلا في عالم الهلوسة والوهم.. ظهر الآن وتجسد في أرض الواقع!
نهاية الفصل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.