مساحة للحكاية، ووقت لك← داو الخالد العجيب
الفصل 1: السيدنحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 1: السيد

داو الخالد العجيب

الكاتب Foxtail Quill

ترجمة الخالد المجنون

الفصل 1: السيد

قبض "لي هوانغ" على المدقة، وبدأ يضرب بها الهاون بإيقاع منتظم، ساحقاً صخرة خضراء مغطاة بالطين ببطء حتى تحولت إلى مسحوق ناعم.

على الرغم من أن الكهف كان بارداً ورطباً، إلا أن الشيء الوحيد الذي يستر جسده كان رداءً فضفاضاً منسوجاً من قماش خشن. ومع ذلك، لم يبدُ عليه أنه يكترث لقسوة الجو.

لم يكن وحده في هذا الكهف؛ بل كان يحيط به فتية في مثل عمره تقريباً، يربطون شعرهم إلى الأعلى ويرتدون الزي الخشن نفسه.

الفارق الوحيد بينه وبينهم هو أن كل من حوله كان إما معاقاً بشكل واضح، أو يعاني من مرض ما، كالمَهَق (البرص) أو شلل الأطفال.

كان الجميع هنا مشوهين بطريقة ما—وكأن هذا الكهف لم يكن سوى متحف مسخ يعرض مختلف الآفات والأمراض التي يمكن أن تصيب الجسد البشري.

كان الجميع منشغلين بالمهمة نفسها التي يقوم بها "لي هوانغ": استخدام الهاون لسحق المواد الخام وتحويلها إلى مسحوق. بعضهم كان يسحق صخوراً ذهبية، بينما يطحن آخرون أعشاباً طبيعية. ورغم أن المشهد يوحي بأن الجميع يعملون بجد واجتهاد في مهامهم الموكلة إليهم، إلا أن القليل منهم بدا مشتت الانتباه.

"آه!"

فجأة، دوى صراخ فتاة في أرجاء الكهف، مما جعل الجميع يلتفتون نحو مصدر الصوت.

في زاوية مظلمة من الكهف، كان شاب مشقوق الشفة (أفلح) يبتسم بخبث وهو يحاول احتضان فتاة مصابة بالمَهَق رغماً عنها.

كان يهمس بضحكة مكتومة: "لا بأس، دعيني أتسلى معكِ قليلاً. مجرد قليل من الوقت.. هيهيهيهي…"

تجاهل "لي هوانغ" هذه الفوضى وأبقى عينيه مغمضتين، مركزاً بكامل حواسه على مهمته الخاصة.

إلا أن صرخات الفتاة بدأت تزداد حدة وارتفاعاً.

بدأت هذه الجلبة تثير حنق "لي هوانغ". أحكم قبضته على المدقة الحجرية، وفي اللحظة التالية، دوى في الكهف صوت مكتوم لارتطام صخرة بعظم بشري.

ترنح الشاب إلى الخلف، مصدوماً ومذهولاً من قوة الضربة. وأمسك على الفور بموضع الجرح النازف في رأسه وهو يتلوى من شدة الألم.

أما الفتاة التي نجت من مأزقها، فقد أسرعت بلملمة قميصها واختبأت خلف ظهر "لي هوانغ" وهي ترتجف.

صرخ الشاب بغضب عارم وهو يهدد "لي هوانغ": "أنت هالك لا محالة! ألا تعرف كيف يكون السيد حين يغضب؟! سيقتلك فور أن يكتشف ما فعلت!".

رد "لي هوانغ" ببرود جاف: "ومَن يظن هذا السيد نفسه؟! إنه مجرد نكرة لا قيمة له!".

تسببت كلمات "لي هوانغ" في توقف الجميع عن العمل فوراً. خيّم صمت مطبق ومخيف على الكهف بأكمله؛ فلم يكن أحد يتوقع منه أن يتجرأ على نطق مثل هذه الكلمات الكفرية بحق السيد.

عندما رأى "لي هوانغ" علامات الذهول والرعب على وجوه الجميع، أخذ نفساً عميقاً، محاولاً كبح جماح نفسه.

«ما الذي يحدث لي؟ لماذا غضبتُ من أجلهم إلى هذا الحد؟ هذا ليس من طباعي. لا يمكنني السماح لهم بالتحكم في مشاعري. لم أكن أنا من تصرف هكذا.. يجب أن أهدأ».

بينما كان "لي هوانغ" يحاول استعادة هدوئه الروحي، انطلق صوت يناديه من عند مدخل الكهف.

صاح شاب قائلاً: "التلميذ لي، والتلميذة وانغ، السيد يستدعيكم كليكما الآن".

كان الشاب الذي أصدر الأمر يتمتع برتبة أعلى من "لي هوانغ"، وكان ذلك واضحاً من الرداء الطاوي الأخضر الذي يرتديه.

وعلى الرغم من أن الرداء كان قديماً وباهت اللون، إلا أنه كان في حالة أفضل بكثير من الخِرَق التي يرتديها "لي هوانغ".

لوّح الرجل بـ "بمذبة الغبار الطاوية وهو يتفحص بقية التلاميذ، وكانت عيناه تطفحان بالغطرسة والتعالي.

حين رأى الشاب ذو الرأس النازف الطاوي الواقف عند الباب، انفجر بالضحك بصوت عالٍ: "هاهاها! أنت ميت لا محالة! اليوم هو يوم لقائك بالسيد!".

تجاهله "لي هوانغ" تماماً، وسار نحو المخرج برفقة التلميذة الأخرى، "التلميذة وانغ". كانت "وانغ" تعاني من تشوه في فمها، حيث كان مائلاً إلى الجانب واللعاب يسيل من زاوية شفتيها، وكان وجهها شاحباً للغاية وتبدو في حالة صحية مزرية.

لم يكد "لي هوانغ" يخطو خطوتين حتى شعر بشيء يشد قميصه. التفت، فوجدها الفتاة المصابة بالمَهَق.

كانت الدموع تنهمر على وجنتيها وهي تهز رأسها نظرة تملؤها الرعب، وكأنها تتوسل إليه ألا يذهب.

تجاهلها "لي هوانغ"، ونفض يدها عن قميصه بحدة، وتابع سيره.

كان الكهف الذي يحتجزون فيه يُدعى "غرفة التحضير". وبمجرد خروجهم منها، دخلوا إلى كهف أكبر بكثير، كان هذا الكهف الضخم مليئاً بالمداخل التي تؤدي إلى كهوف صغيرة أخرى تشبه غرفة التحضير. ومن عدم استواء الجدران والصخور، كان من الواضح أن من حفر هذا المكان لم يكن ماهراً على الإطلاق.

كان نظام الكهوف شبكة شاسعة ومعقدة، مليئة بالأنفاق التي تتفرع في كل اتجاه، تماماً كـمستعمرة النمل.

وفوق مداخل الكهوف الصغيرة، سُمّرت ألواح خشبية متآكلة، نُقشت عليها باحترافية أسماء غريبة مثل: "قصر الأرواح"، "قاعة المحاكمة"، "القصر التذكاري"، و"قصر الملوك السماوية الأربع".

لقد صُمم نظام الكهوف هذا بالكامل ليبدو وكأنه مقر طائفة قتالي حقيقي.

بينما كانوا يتوغلون في أعماق الكهف، أخرجت الفتاة المشوهة الواقفة بجانب "لي هوانغ" شيئاً أسود وقدمته له.

سألته ببلاهة: "هل تريد بعض الحلوى؟".

عقد "لي هوانغ" حاجبيه؛ كان يعلم أنها تعاني من تخلف عقلي، لذا، ورغم شعوره بالانزعاج، أخذ الحلوى ودسها داخل ثيابه.

عندما رأته يقبل الحلوى، أخرجت قطعة أخرى ووضعتها في فمها، ثم بدأت تضحك ببلاهة قائلة: "السيد عظيم.. السيد يعطينا الحلوى دائماً".

لزم "لي هوانغ" الصمت بينما واصلا السير. وبعد خمس عشرة دقيقة، وصلا إلى وجهتهما، حيث ظهر أمام أعينهما فرن صهر أسود عملاق.

كان الدخان الأخضر يتصاعد بكثافة من الفرن، مرتفعاً نحو فتحة في سقف الكهف. بدا الفرن الضخم أشبه بتل معدني صغير.

كلما اقتربا منه، كان الفرن يبدو أضخم، حتى ابتلع الظل "لي هوانغ" بالكامل، باثاً في نفسه شعوراً غامراً بالاضطهاد والرهبة.

لكن هذا الشعور القمعي لم يكن بسبب الفرن فحسب؛ بل كان بسبب ذلك الجسد الأحدب الذي يقف أمامه مباشرة.

كان يرتدي رداءً طاوي أزرق، وقد رُبط شعره الأبيض إلى الأعلى وتوج بتاج، مما منحه هالة تبدو للوهلة الأولى كـهالة الحكماء والخلود.

هو الآخر كان يسحق شيئاً ما بمدقة، تماماً كما كان يفعل "لي هوانغ" سابقاً، لكن الفارق أن المدقة التي كان يمسكها كانت هائلة الحجم، تشبه عموداً ضخماً من أعمدة القصور.

كانت المدقة ترتفع وتهبط، وصدى سحق الصخور العنيف يتردد في أرجاء القاعة المظلمة بعنف.

تمتمت الفتاة بتلعثم: "سـ… سيدي!". ثم أمسكت إبهامها الأيسر بيدها اليمنى، وغطته ببقية أصابعها، وقربت يديها من صدرها وانحنت بإجلال شديد، وعيناها تفيضان بالتبجيل.

بمجرد أن تحدثت، توقف صوت السحق فجأة.

وعلى الرغم من أن "لي هوانغ" قد هيأ نفسه نفسياً، إلا أنه لم يستطع منع جسده من الارتجاف عندما التفت ذلك الجسد الأحدب نحوهم.

حين تنظر إليه من الخلف، يبدو هذا الطاوي نبيلاً ووقوراً كالحكماء، أما من الأمام، فقد كان رجلاً في غاية القبح والمسخ؛ شفتان مشققتان ومتشوهتان تكشفان عن بضع أسنان متبقية ومتآكلة في فمه.

هتف بصوت أجش: "لقد جئتِ؟ يا لكِ من فتاة مطيعة! لقد جعلتِني أنتظر طويلاً!". وفي لمح البصر، قفز في الهواء، وتطايرت أرديته القذرة مع الريح، ليمسك برقبتها بيد واحدة قبل أن يهبط بها مرتدّاً نحو الهاون الحجري.

وقبل أن تتمكن الفتاة من إطلاق صرخة واحدة، ألقى بها داخل الجرة الحجرية الضخمة، وقبض على المدقة العملاقة، ثم هرسها داخل الجرة بتعابير وجه ملتوية من الجنون والوحشية.

انطلقت من الفتاة صرخة رعب وموت، لكنها انقطعت فجأة وبشكل قاطع.

أما هو، فقد استمر في السحق بدم بارد، وتطايرت الدماء والأشلاء لتمزق وجهه وجسده، لكنه لم يكترث، وبدأ يترنم بتعويذة سحرية بحماس جنوني:

"ثور النار يمد في عمري، خنزير النار يحمي روحي، فأر الخشب يقي جسدي، كلب الخشب يحفظ هيئتي، قرد الخشب يثبت حياتي، حصان الخشب يحرس نفسي، تنين الخشب يرسخ روحي!".

بمجرد أن تحولت الفتاة تماماً إلى عجينة من اللحم والعظام، رفع الجرة الحجرية التي تزن مئات الكيلوغرامات وسكب محتوياتها الدموية داخل الفرن المشتعل. امتلأت عيناه ببهجة جنونية وهو يرفع يديه إلى السماء صارخاً:

"أشعلوا الفرن، ونقّوا الحبة الإكسيرية!".

فور سماع هذا الأمر، خرجت مساعدتان شابتا السن من بين الظلال، وقد غطتا وجهيهما بكميات مفرطة ومقززة من مساحيق التجميل. بدأت إحداهما في تهوية النيران، بينما أخذت الأخرى تضيف مكونات ثانوية إلى الفرن مساحيق صخرية متنوعة ومخلوقات حية غريبة تتلوى في رعب.

وسرعان ما انتشرت في الهواء رائحة غريبة ومريبة؛ لكنها كانت، لسبب ما، زكية ومغرية للأنوف.

أغلق السيد عينيه، وأخذ نفساً عميقاً وهو يداعب الشعيرات القليلة المتبقية في لحيته، وارتسمت تعابير الرضا والنشوة على وجهه القبيح.

أخيراً، فتح عينيه ببطء، ووضع يديه خلف ظهره، ثم التفت بكامل جسده نحو "لي هوانغ" وقال بنبرة تقطر شراً: "إذن، سمعتُ أنك دعوتني بالنكرة الذي لا قيمة له؟ أهذا صحيح؟".

في تلك اللحظة، تجمد الهواء من حولهما تماماً.

أما "لي هوانغ"، الذي كان ينظر إلى هذا السيد الذي لا يتردد لحظة في إزهاق الأرواح، فقد ظل واقفاً بلا حراك. أغلق عينيه وركز كل قوته في تهدئة أنفاسه المضطربة.

«لا يمكنك خداعي؛ كل هذا مجرد وهم وخيال. كل هذا زيف!».

صاح السيد بصوت هادر، واقتربت خطواته الثقيلة: "أأنت أبكم؟! تكلّم!". ومع اقترابه، هاجمت أنفاس "لي هوانغ" رائحة نتنة ولاذعة تشبه رائحة اللحم البشري المتعفن.

ارتجف "لي هوانغ" وأصك أسنانه بقوة، مستجمعاً كل ذرة من شجاعته لفتح عينيه. وعندما فتحهما—

اختفى الكهف المظلم المرعب من حوله تماماً. ووجد نفسه فجأة في غرفة شديدة الإضاءة، يعبق هواؤها برائحة المعقمات والنقاء.

لقد كان في جناح مستشفى!

في تلك اللحظة، خفض "لي هوانغ" نظره إلى الأسفل، ليدرك الصدمة الحقيقية: لقد كان مكبلاً بإحكام فوق سرير المستشفى بواسطة أحزمة جلدية غليظة!

نهاية الفصل.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.