مساحة للحكاية، ووقت لك← داو الخالد العجيب
الفصل 25: مسار الغابة.نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 25: مسار الغابة.

داو الخالد العجيب

الكاتب Foxtail Quill

ترجمة الخالد المجنون

الفصل 25: مسار الغابة.

كلانغ!

اصطدم نصل السيف الطويل باللوح الصخري للنص المقدس، ينطلق من جراء هذا التصادم صوت حاد للغاية ومثقّب للآذان. وتسبب هذا الصخب في قيام جميع المتواجدين في المحيط بحجب أذانهم بأيديهم بشكل غريزي، والتراجع بضع خطوات إلى الوراء.

«لم يتمكن النصل من ترك اي خدش أو أثر بسيط عليه! أليس تشانغ مينغ ممارساً بارعاً في السيف؟ ومع ذلك عجز سيفه عن قطعه او شقه… لكن من الواضح والبديهي أن هذا السيف لا يمكن أن يكون غرضاً عادياً». رفع "لي هوانغ" النصل بيده وظل غارقاً في وتفكيره لبرهة. ثم قبض على المقبض بكلتا يديه بإحكام، وهوى به بـقوة مسدداً ضربة عنيفة أخرى.

وجز على أسنانه بحنق، وراحت يداه تسددان وتضربان باللوح الصخري عدة مرات متتالية قبل أن يطرأ أي تحول على الوضع المعقد أمامه. ومع ذلك، لم يكن هذا التحول مستهدفاً لبنية النص المقدس المزعوم، بل طرأ على النصل الطويل القابع بين يدي "لي هوانغ"!

طاخ!

وتسببت القوة العنيفة لارتداد ضربة التصادم في تحطم وانكسار النصل بالكامل، ليغدو السيف حطاماً عديم النفع.

وحدق نحو النصل المحطم، وملامحه تفيض بمسحة من الذهول البسيط؛ فالسلاح الحاد الذي وضع يده عليه واخذه قبل قليل قد تبدد وتحطم بهذه السرعة.

والتفت ينظر في الأرجاء، وخطى بضع خطوات مستعجلة نحو جثة "تشانغ رين" الهامدة، ومد يده وانتزع سيفه الخاص بحسم. «لحسن الحظ أن هناك سلاحاً بديلًا هنا».

وأغمد السيف الجديد بثبات، وأخذ يدور في حلقات حول اللوح الصخري للنص المقدس، وعقله مستغرق في التفكير وتخمين بخطوته القادمة.

لقد كانت نيته تتمحور حول تدمير هذا النص المقدس المزعوم، ولكن بناءً على ما رأى الآن، فمن البديهي أن هذا الغرض يعتبر كنز ذو قيمة ثمينة، وربما يماثل كنزاً سحرياً من طراز رفيع.

وبما أنه اتخذ قراره الصارم بعدم التخلي عن حياته والتمسك بالعيش، فمن الغباء ترك غرض بمثل هذه القيمة العالية وراء ظهره.

«مهما كان الخطب، يتعين عليّ اخذه وحمله خارج هذا المكان أولًا. وبعدها، قد نتمكن حتى من رهنه في إحدى البلدات لسد حاجتنا من المال إن استلزم الأمر».

لقد أطاح "لي هوانغ" بالكامل بتلك الآمال والترهات غير الواقعية التي تزعم استغلال هذا الشيء لبلوغ المرتبة الخالدة والارتقاء الروحي؛ فقد عاين وعاش بنفسه النتائج المرعبة التي حلت بأولئك الذين جازفوا بتطبيقه، ولم تكن لديه أي رغبة في تذوق ذات الجحيم والمصير.

ورغم أن "لي هوانغ" بذل جهداً ومشقة بالغة لزحزحة ورفع اللوح الصخري الذي كان وزنه يفوق بكثير حدود توقعاته، إلا أنه تمكن في نهاية المطاف من إدارته وحمله بطريقة ما.

وبعد أن أحكم لف اللوح الصخري بقطعة قماش متينة وثبته بثبات فوق ظهره، استدار "لي هوانغ" نحو الاخرين المترقبين في الخارج وهتف بـحزم: "لنغادر هذا المكان فوراً".

وألقوا مصباح الزيت المشتعل داخل كهف ومقر إقامة "دان يانغزي" القذر والنتن، لتندلع النيران وتلتهم خفاياه. وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب لتشعل كل غرض قابل للاحتراق في طريقها، بما في ذلك الجثث الهامدة والممزقة لكل من "تشانغ مينغ"، "تشانغ رين"، و"شوان يوان".

وتعاظمت النيران واشتدت ضراوتها بسرعة خاطفة، وحظي "لي هوانغ" بفرصة لمعاينة مدى القابلية الطبيعية والسريعة لاحتراق الجثث البشرية.

ومع استمرار مسيرهم في طريق العودة مقتفين أثر النفق الرئيسي، أخذت أيديهم تضرم النيران في كافة الغرف والمخابئ التي يصادفونها. وتراقصت ألسنة اللهب وتوحدت صفوفها بضراوة، لتحرق وتبيد كل شاردة وواردة تقع داخل أسوار معبد العاصفة الملعون.

وبدأ الدخان الأسود الكثيف يهاجم مسامهم ويثير السعال في حناجرهم، مما دفعهم لتسريع خطوات مسيرهم بلهفة.

وبعد مسير شاق استغرق ما يقارب فترة احتراق ثلاثة أعواد بخور كاملة، أضحى الجميع يقفون بأمان تحت أشعة وضوء الشمس الساطعة، يحدقون بصمت ونظرات يملؤها الارتياح نحو أعمدة الدخان الكثيفة وهي تنبثق وتتصاعد من البوابة الرئيسية لمعبد العاصفة.

وكان الدخان الثقيل يتصاعد نحو الأعلى، حاملاً بين طياته كافة خفايا الشرور، والآثام الدنيئة التي اقترنت بأسوار المعبد، لتبددها وتلاشيها السماوات الصافية والساطعة.

ورفع "لي هوانغ" نظره نحو الأعلى وأطلق ضحكة مكتومة وصامتة، ثم التفت بجسده نحو مسار الطريق الترابي الذي يخترق أحضان الغابات البعيدة. وحدق نحو المدى، بينما كان نصل السيف واللوح الصخري يثبتان بإحكام فوق ظهره، وهتف بحزم: "لننطلق".

واتبعت بقية الحشود أثره وتحركات مسيره وهم يحملون أمتعتهم وإمدادات الأطعمة. ودون إدراك أو وعي منهم، اصبح "لي هوانغ" قائدهم وزعيمهم الأعلى الذي يوجه مصيرهم.

ومع اقتراب خطواتهم تدريجياً من ذلك الطريق الذي يخترق أحضان الغابة، لم تعد ملامح وجه "لي هوانغ" تفيض بذلك العبوس والجهامة السابقة.

«يبدو هذا المكان فريداً ومميزاً بطبيعة معالمه. إنِ اتوق بإثارة لترقب ومعاينة الأشخاص والتحولات التي سيخبئها لي الغد والمستقبل».

وسكبت أشعة وضياء الشمس دفأها وسطوعها فوق ملامح وجهه، لتتبدد غيوم صدره وتتحسن روحه المعنوية وهو يستنشق الهواء النقي والمنعش لهذا العالم الخارجي.

"الأخ الأكبر لي، أرجو منك التمهل قليلاً… إن عيني تؤلمانني بشدة".

والتفت "لي هوانغ" نحو الخلف ليلمح أن تلك الفتاة، "باي لينغ مياو"، كانت تحجب وتغطي بكلتا يديها عينيها تحت ضوء وأشعة الشمس الساطعة.

فخطى نحوها، ومد يده ليرفع وجهها الصغير برفق ليفحصها. ولشدة ذهوله وصدمته، تمكنت اعينه بوضوح من رؤية الشرايين والأوعية الدموية القابعة خلف عينيها بفضل مركز بؤبؤيها. ومع انعكاس السطوع فوق تلك الأوعية ذات اللون الأحمر الداكن، بدا لون عينيها يميل إلى الوردي الفاتح قليلاً.

«هذا… من الواضح أنه نوع من العيوب أو مرض ؟».

ورغم أنَ لم يكن بمستوى الأطباء، إلا أن ذكاءه مكناه من تخمين هذا الخطب البصري؛ إذ استرجعت ذاكرته صور بعض كبار السن الذين كانوا يعانون من مرض "المهق" (البرص البشري) والذين كانوا يساعدون في قراءة الطالع والمساج في بلدته، وكان معظمهم فاقداً لبصيرته وأعمى بالكامل.

ويبدو أن المرض الذي يغمر جسد وبشرة "باي لينغ مياو" قد تسبب في إحداث عيوب وتشوهات داخل خلايا عينيها، مما جعل بصرها أضعف بكثير وأكثر حساسية مقارنة بالبشر العاديين.

«إن هذا الوضع لن يستقيم بهذا الشكل».

ومد "لي هوانغ" يده ومزق قطعة قماش طويلة من رداء الطاوي الأخضر الجديد الذي يغطي جسده، ثم لفها برفق وعناية فائقة حول عينيها ليحجب الضوء وهتف: "منذ هذه اللحظة فصاعداً، إياكِ أن تكشفي عينيكِ أو ترفعي الحجاب أثناء النهار وتحت ضوء الشمس".

فردت بنبرة تفيض بالتوتر والاضطراب: "ولكن… إن فعلت هذا، فلن اتمكن من رؤية اي شيء في طريقي".

فأجابها بـود وهو يقبض بإحكام على كف يدها اليمنى الناعمة: "لا بأس بذلك، سـأتولى أنا إرشادك". واقتاد خطواتها برفق ليقود البقية نحو ذلك المسار الذي يخترق أعماق الغابة.

ورغم أن خطوات "باي لينغ مياو" كانت متعثرة وتتخبط بارتباك في البداية جراء حجب بصرها، إلا أنها سرعان ما تأقلم مسيرها وراحت تركض بانسيابية وثقة برفقة خطوات "لي هوانغ".

——————————————

دو، دو، دو~

وقام العجوز "لو تشوانغ يوان" -الذي غطت التجاعيد والخطوط كامل ملامح وجهه الهرم- بضرب وطرق غليون تدخينه بعنف وقوة فوق الحافة الخشبية لصندوق المسرح.

وبعد أن أفرغ وطهر جوف الغليون من بقايا التبغ الأسود المحترق والعالق بالداخل، حشا الفراغ بقطع وتبغ جديد وطازج سحبه من كيس تدخينه، وأشعل عود الثقاب ليوقده.

واخذ نفساً عميقاً، قبل أن يلتفت بوجهه نحو الاتجاه الذي تصطف فيه الخيول وصاح: "أيها الفتى الهزيل، ألم تنتهي بعد؟".

فأجابه صوت شاب ويافع ينبثق من مسافة قريبة: "تقريباً!".

وزمجر العجوز "لو تشوانغ يوان" بتذمر عارم وعدم رضا محدثاً ابنه الأصغر: "أيها الفتى الكسول والمقيت، لماذا يستغرق قضاء حاجتك كل هذا الوقت الطويل دائماً؟ إن استمر حالك بهذا الشكل، فسيظن الغرباء والناس حتماً أنني أبخل عليك بالأطعمة وأجبرك على التهام التراب غصباً!".

ووجه نظراته خلف العربة الخشبية، متأملاً كامل أفراد فرقته المسرحية الذين كانوا يصطفون فوق مسار الغابة الترابي. وبصرف النظر عن تلك العربة الوحيدة التي تجرها الخيول وتحتوي بداخلها الأزياء المسرحية، المقتنيات، والآلات الموسيقية، كانت الفرقة تضم ابنه الأكبر، واثنين من أبناء عمومته البعيدين من قريتهم الحقيقية. ورغم أن تعداد وقوة فرقتهم كانت ضئيلة ومحدودة، إلا أن هذه المقتنيات تمثل ثروته الحقيقية وأصوله التي بذل عرق سنوات عمره الطويلة لجمعها.

وبفضل العروض والجهود التي تبذلها هذه الفرقة المسرحية، تمكنت عائلته بأكملها من تأمين الأطعمة والعيش والتمسك بالحياة وسط هذه الظروف القاسية والمشحونة بالأهوال والاضطرابات.

"أبي، تناول بعض الماء وحبات الكعك الساخنة". وتقدم "لو جو رين" ومد يده ليسلم والده العجوز بعض الأطعمة وقرعة ماء خشبية.

فصاح فيه الوالد بعنف وصب جام غضبه عليه: "لماذا تتناولون الأطعمة الآن ولم يحن موعد وجبتنا الرئيسية بعد؟! هل تظن ايها الغبي أن هذه الأطعمة مجانية وبلا ثمن؟ هل تملك بصيرة تدرك وتفهم مقدار التكلفة الباهظة والأسعار المشتعلة للأغذية في هذه الأيام؟ إن ابنتك الصغيرة قد بلغت عامين من عمرها الآن، ومع ذلك لا تزال تصرفاتك تماثل طفلاً طائشاً لـم ينضج عقله بعد!".

ورغم صب غضبه العنيف عليه، لم يغضب "لو جو رين"؛ بل اكتفى بارتسام ابتسامة ساذجة وبريئة على ملامحه، وتراجع بضع خطوات إلى الوراء ليعيد ويسلم الأطعمة لزوجته.

"هل تعرضت للتوبيخ والشتائم مجدداً؟ لقد كان تصرفك بمثابة جلب الأذى لنفسك فحسب". وأعادت "لوا خوان هوا" وضع وحفظ الأطعمة داخل العربة، ثم راحت تداعب بمزاح وخفة طفلتها الرضيعة الجالسة فوق صندوق المقتنيات.

فرد عليها زوجها بهدوء: "إن تلقي التوبيخ والشتائم لن تغيير شيئاً من حالي. فمنذ أن فارقت والدتنا الحياة، غدت طباع أبي حادة ومشتعلة بـهذا الشكل دائماً".

وتابعت الزوجة قائلة: "هل فتحت حديثاً مع أبي بشأن تلك المسألة التي اخبرتك بها ليلة أمس؟".

"لنؤجل طرح هذا الموضوع لوقت أخرى؛ فلم تلوح أمام عيني فرصة مناسبة بعد، علاوة على أن أحواله المالية قاسية وهو يشعر بضيق شديد في المال حالياً". ومالت ملامح وجه "لو جو رين" نحو الكآبة فور نطق هذه الكلمات.

فـأطلقت الزوجة تشهق بضيق وقالت: "تباً هل غدا حاله وشعوره بالضيق في المال مفرطاً لدرجة تمنعه من شراء بضع قطع من القماش لصناعة ثياب تغطي جسد حفيدته بصفة شخصية؟ إنها تقضي أيامها دائماً وهي ترتدي بهذه الملابس والأزياء المسرحية المقززة!".

فرد الزوج محاولاً التبرير: "حسناً، إن هذه الأزياء المسرحية تملك القدرة أيضاً على…".

"آه!! آه!! شبح!! هناك شبح مرعب!!". وقاطعت تلك الصرخة المذعورة والتي تفيض بالرعب والخوف الشديد حديثهما، وتسببت في ذات اللحظة في إحداث تصلب وتوتر خانق خيم على الأجواء المحيطة بكامل أفراد الفرقة المسرحية.

ولم تمضِ سوى برهة وجيزة حتى رصدت ولمحت اعينهم الجميع فتى يافعاً شبه عارٍ، يصرخ بأعلى صوته، ويندفع راكضاً خارجاً من بين أحراش وظلمات الغابة ليرتمي بين أحضان ودعم والده العجوز "لو تشوانغ يوان".

"أي شبح ومسخ تقصد أيها الأبله؟! كيف لعقلك الفاسد أن يزعم وجود أشباح ومسوخ في وضح النهار؟! سارع بارتداء سراويلك فوراً!".

ورغم أن العجوز "لو تشوانغ يوان" أمطر ابنه بالشتائم والتوبيخ العنيف، إلا أن جسده تحرك بـشكل غريزي وخطى أمام جسد ابنه المرتعش ليحميه. وقبض بإحكام وقوة على غليون تدخينه المعدني، ووجه نظراته بالحذر والترقب الشديد نحو ظلمات الغابة.

وفي تلك اللحظة، رصدت أبصارهم حركة خفيفة لبعض الهيئات والظلال وهي تتنقل بوضوح بين الأشجار، وبدا أن هناك مجموعة من الأشخاص تقترب وتتقدم نحو مقر مكان تواجدهم.

نهاية الفصل.

ملاحظة: أرجوا من القراء ان يعطوني رأيهم بالترجمة،

وهل تفضلون فصل واحد كل يوم ام مجموعة فصول في كل يوم خميس او جمعة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.