الفصل 21: بلوغ المرتبة الخالدة.
داو الخالد العجيب
الكاتب Foxtail Quill
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 21: بلوغ المرتبة الخالدة.
استقرت أمامه حبتان حمراوان بحجم قبضة اليد تنبعث منهما لمعة معدنية، وحبتان أخريان بقوام لحمي مريب تبدوان وكأنهما تنبضان بالحياة، وإلى جوارهما حبتان سوداوان متعفنتان تفوح منهما رائحة لاذعة ومقززة.
أومأ "لي هوانغ" برأسه في رضا تام؛ فقد سكب واستخدم كل ما خطر بباله من سموم أثناء تكرير وصقل هذه الحبات. ومع هذا الحشد الهائل من المكونات الفاسدة، كانت هذه الحبات قاتلة وفتاكة بكل تأكيد، ولن تترك وراءها أي فرصة أو احتمال للنجاة.
وإلى جانبه، كانت هناك شعلة عود بخور تحترق ببطء، لتمثل الوقت المتبقي قبل بدء العام الجديد. ووفقاً لتقنية التدريب الروحي المزيفة التي نسج خيوطها وألفها بنفسه، يتعين عليه بدء الارتقاء والتدريب في اللحظة التي يحل فيها العام الجديد بالضبط، ليمتص الطاقة الروحية السماوية الهابطة من السماوات.
جلس "لي هوانغ" متقاطع الساقين وبدأ في تهيئة نفسه، ثم التقط الحبة الإكسيرية الحمراء. ورغم أنه كان على وشك تذوق الموت، إلا أنه شعر بـهدوء غريب وغير متوقع.
أجل، هو لم يضع أو يعد أي خطط بديلة للنجاة.
كان "لي هوانغ" يدرك بوضوح أنه مجبر على تناول هذه الحبات السامة أولاً أمام ناظريه؛ وإلا فإن المعلم المجنون "دان يانغزي" لن يبتلع الطعم أو يجرؤ على تناول حصته بالمرة.
فاللطف والحفاوة التي أظهرها المعلم خلال عشاء ليلة رأس السنة لم تكن سوى قناع وزيف مطلق. ومسألة بلوغ المرتبة الخالدة والارتقاء معاً ما هي إلا حيلة دنيئة لاستخدامه كـفأر تجارب لاختبار مدى سلامة الحبات.
ولكن ما لم يكن يدور في خلد "دان يانغزي" أو يتوقعه أبداً، هو أن "لي هوانغ" لم يكن يكترث بـحياته أو يأبه بسلامته على الإطلاق.
فقد غدا "لي هوانغ" منذ زمن بعيد غير مبالٍ بمسألة الحياة والموت؛ وفي الأساس، هو لم يكن يشعر بأي انتماء لهذا العالم المريب.
وكان دافعه وسببه الوحيد للبقاء على قيد الحياة طوال تلك الفترة، هو ترقب ورؤية هذا الوغد المقزز، "دان يانغزي"، وهو يُستدرج بخطى ثابتة نحو حتفه ومقبرته التي صنعها بنفسه.
وفي هذه الأثناء، كان "دان يانغزي" يجلس في المقابل منه تماماً، وقد التقط بدوره حبة إكسيرية حمراء.
وتحت حدقات ونظرات كلاهما المثبتة، أخذ عود البخور يتآكل ويحترق شيئاً فشيئاً.
وفي اللحظة التي أوشك فيها عود البخور على الانطفاء، تنفس "لي هوانغ" الصعداء، وحشر الحبة القابعة في يده داخل فمه، ثم ابتلعها كاملة دفعة واحدة.
وفي الوقت نفسه، فإن "دان يانغزي" -الذي كان يتهيأ بدوره لتناول حصته- توقف بغتة وركز كامل حواسه في مراقبة وتحليل تحركات وردات فعل "لي هوانغ".
وارتسمت على وجه "لي هوانغ" ملامح تفيض بـالإثارة العارمة والحماس، متجاهلاً تماماً نظرات "دان يانغزي" المتربصة. وسارع بابتلاع الحبتين المتبقيتين مباشرة وبلا تردد. ثم أغلق عينيه بإحكام، وشكل أختاماً وإيماءات سحرية بيديه قبل أن يستقر بهما فوق ركبتيه.
وأخذت حبات العرق تتصبب ببطء على وجنتيه بينما بدأ جسده يهتز ويرتجف بعنف، في حين بدأت ملامح فرحة عارمة وجنونية لا يمكن السيطرة عليها ترتسم وتتراقص فوق وجهه.
وهتف بهستيريا: "يا لها من طاقة روحية فطرية الكامنة! هذا… هذا… هكذا تسير الأمور إذاً، لقد فهمت! أنا حقاً على وشك الارتقاء وبلوغ المرتبة الخالدة!".
ولمحت عينا "دان يانغزي" المشهد فـخالجتها مسحة من القلق والتوتر، لكن غطرسته وجشعه منعه من تناول الحبات فوراً. ولم يتبدد تردده ويسارع بـابتلاع الحبات الثلاث بلهفة عارمة، إلا بعد أن لمح خيوطاً وأعمدة من الدخان الأبيض تنبثق وتتصاعد من قمة رأس "لي هوانغ".
وبعدها، أغلق "دان يانغزي" عينيه بإحكام، وشرع بممارسة وتحريك تقنية (الدوران السماوي الداخلي والخارجي).
وفي تلك اللحظة بالذات، فتح "لي هوانغ" عينيه ببطء ليرمق معلمه بنظرات حادة، واتسعت ابتسامته الخبيثة بـشكل لم يسبق له.
وعندما عاين خيوط الدخان الأبيض وهي تتصاعد بكثافة من فوق رأس "دان يانغزي"، وشظايا من المواد والسموم المظلمة وهي تتدفق وتتحرك بـوضوح داخل عروقه وشرايينه البارزة، تخلص "لي هوانغ" من وضعية جلوسه وضغط بقوة على بطنه التي بدأت تتلوى وتتمزق جراء آلام مبرحة، وانطلق يقهقه ويهيج بـضحكات جنونية وصاخبة.
"هاهاها! أيها المعلم المجنون! ايها البشع الأصلع! إنك لن تبلغ المرتبة الخالدة أبداً! والشيء الوحيد الذي ستتحول إليه هو شبح بائس وقذر. دعنا نلتقِ مجدداً عند (جسر الجحيم)، هاهاها!".
وبدا أن "دان يانغزي" قد التقط صدى كلماته، ومع ذلك لم يظهر أي ردة فعل أو حراك. وظل قابعاً في مكانه وعيناه مغلقتان بإحكام وأسنانه مشدودة بقوة، وهو يحرك ويمارس بحماس عارم تقنية الدوران السماوي الداخلي والخارجي المزيفة.
"لا تزال مستمراً في التدريب الروحي؟ كل تلك الخفايا والتقنيات لم تكن سوى أكاذيب من تأليفي! لقد نسختها وسرقتها بالكامل من روايات زراعة قراتها، هاهاها! آه، سحقاً… بطني تمزقني من الألم، هاهاها…".
وزحف "لي هوانغ" ببطء حتى أضحى إلى جوار جسد "دان يانغزي"، وأخذ يسخر ويضحك من ملامح وجهه الشاحبة كالموت. ورفع يده اليمنى المرتجفة وسدد بها صفعة مدوية على وجه "دان يانغزي": "هيه، هل أصاب الصمم أذنيك؟ أنا أتحدث إليك".
وأتبعها بصفعة أخرى عنيفة، ومع ذلك لم يصدر أي حراك أو استجابة من المعلم المجنون.
وبأطراف مرتعشة، أخرج "لي هوانغ" حبة دوائية مخبأة من جيبه ودسها داخل فمه وابتلعها. وفوراً، برزت عروقه وانتفخت، واشتعل جسده بقوة.
"لقد أمرتك بالتوقف عن هذا التدريب اللعين! ألا تسمعني؟". وسدد "لي هوانغ" لكمة قوية حطمت وجه "دان يانغزي"، لتشوه ملامح فمه وأنفه.
وفي تلك اللحظة، فتح "دان يانغزي" -الذي امتلأ فمه بالدماء عينيه بغتة، ورمق "لي هوانغ" بـنظرات حاقدة. ثم لوح بـأكمام رداء الخاص به بـقوة، ليطيح بـجسد "لي هوانغ" ويرسله طائراً في الهواء ليصطدم مع الجدار.
وزمجر المعلم بـجنون: "ابتعد عن طريقي! أيتها الشياطين، لن تتمكنوا من اعتراض سبيلي أو منعي من الارتقاء والخلود! أنا على وشك بلوغ المرتبة الخالدة! والأسلاف في العالم العلوي يستعدون لاستقبالي الآن!".
ولم يقو النهوض "لي هوانغ" عن الأرضية بعد أن قُذِف بقسوة؛ بل اكتفى بالاستلقاء في مكانه ونظره نحو "دان يانغزي"، وهو يتمتم لنفسه: "لقد فقد عقله بالكامل. إن هوسه وجنونه ببلوغ المرتبة الخالدة قد أطاح ببصيرته ودمره. سحقاً! بطني تكاد تنفجر من شدة الألم".
وهكذا، في بساطه جلس أحدهما في وضعيته بينما استلقى الآخر على الأرض، ومع مرور الوقت، بدأت الآلام في أحشاء وبطن "لي هوانغ" تزداد ضراوة وفتكاً، لينكمش ويتكور جسده لا إرادياً كروبيان البائس.
"آه، لماذا كل هذا العذاب والالم؟ متى سينتهي هذا الجحيم والمعاناة؟ ربما كان يجدر بي إعداد سكين حادة لـقطع حنجرتي وإراحة نفسي". وأخذ "لي هوانغ" يتلوى ويتخبط فوق الأرض من الألم.
وفي خضم هذا العذاب الحاد، وعي "لي هوانغ" يتبدد ويتلاشى ببطء. ووسط هذا التشوش والضباب، ظهرت ملامح وجه "يانغ نانا" أمام ناظريه مجدداً: "يانغ نانا، هل جئتِ لاستقبالي وأخذي معكِ؟".
ولكن سرعان ما ذابت ملامح وجه "يانغ نا" وتشوهت، لتعيد تشكيل نفسها وتتحول إلى وجه طبيبه المعالج: "المريض في السرير رقم 14 يعاني من تدهور حاد في الوعي. التشخيص الأولي: تسمم غذائي حاد! سارعوا بإحضار جهاز الشفط الكهربائي لإجراء غسيل معدة فوراً!".
أغلق "لي هوانغ" عينيه ببطء، وانبثق صوت خافت من بين شفتيه المرتجفتين:
"غسيل معدة… تباً لكلماتكم… لا تنسوا، نحن نقبع داخل مشفى للأمراض النفسية… من أين لكم الحصول على جهاز غسيل معدة في مثل هذا المكان؟ ألا يمكنكم على الأقل جعل هذه الأوهام والهلوسات اكثر منطقية؟".
وبعد نطق هذه الكلمات الأخيرة، فقد "لي هوانغ" وعيه بالكامل وسقط في عتمة حالكة.
وشعر براحة الآن، حيث خمدت النيران والآلام في بطنه وأحشائه.
ووسط هذا الظلام الطاغي، شعر "لي هوانغ" وكأن جسده يسقط ويتهاوى باستمرار في هاوية سحيقة لا قاع لها.
"هوانغ، يتعين عليك الصمود. لقد قطعت لي وعداً!". انطلق صوت أنثوي مبهم وضبابي، ولكنه يتسم باللهفة الشديد بالقرب من مسامع أذنيه.
وبعد فترة من الوقت، فتح "لي هوانغ" عينيه فجأة واستند بكلتا يديه فوق الأرض وبدأ يتقيأ بـشكل لا يمكن السيطرة عليه.
ولقد اخرج من جوفه كتلة ضخمة من سائل أسود لزج ممتزج بـشظايا من الشعر، وقطع اللحم الفاسد، وحبات الزلابية، بالإضافة إلى بعض الأجزاء الممزقة من أحشائه وأعضائه الداخلية.
واهتزت وارتجفت قطع اللحم القابعة وسط ذلك السائل الأسود قليلاً قبل أن تخمد حركتها وتتوقف تماماً.
وفي هذه الأثناء، تملك الذهول والصدمة عقل "لي هوانغ" جراء هذا التحول والمفاجئ للأحداث. «أنا لا أزال على قيد الحياة؟ كيف يكون هذا الأمر ممكناً؟ إذا كنت أنا لم أمت بعد، فإن دان يانغزي…!».
وعندما صدمت هذا الفكرة المرعب عقله، تصبب العرق البارد من كامل جسد "لي هوانغ". واستدار بشكل غريزي ليرى الجانب المقابل، ليتسع فمه وينفتح بـذهول لا يمكن السيطرة عليه وعجزت الكلمات عن الخروج من حنجرته.
«سحقاً، هل تحول هذا المسخ حقاً إلى خالد… ماذا؟».
إذ لمح جسد معلمه وقد تعرض لـتشوه كامل وتام يفوق الطبيعة البصرية. فقد انشق رأسه الغريب والمشوه نصفين، وبرزت وانبثقت من داخل التجويف ثلاثة أفواه لحمية ضخمة ومقززة. وداخل كل فم من هذه الأفواه الثلاثة، كانت هناك ثلاثة أو أربعة أفواه أصغر حجماً وتصطف بداخلها أسنان صفراء كريهة ونتنة. وكانت هذه الأفواه تتلوى وتتشابك فوق بعضها البعض وتنفتح بـأقصى اتساع لها نحو السقف الصخري للكهف.
ولم يقتصر التشوه على رأسه فحسب، بل خضع كامل جسده لـتغيرات مرعبة وصادمة؛ إذ انغرزت شظايا من الريش الكثيف داخل لحمه البشري، ممتزجة بـمادة سوداء لزجة تشبه القطران أو الأسفلت، وأخذت تبرز وتنبثق من بين مسام جلده بـقوة غاشمة كـالأشواك والنصال الحادة!
«ما هذا الجحيم حقاً؟ تفتح الأزهار الثلاثة، وانبثاق الريش من الجسد البشري أثناء الارتقاء والخلود؟ أليست هذه هي الأشارات والعلامات الأسطورية التي تدل على بلوغ المرتبة الخالدة في الحكايات؟».
وبينما كانت هذه الفكرة في ذهن "لي هوانغ"، وفي تلك اللحظة بالذات، انفتحت تلك الأفواه الثلاثة بأقصى حد مستطاع لها، وانطلقت ودوت منها ثلاثة أصوات متنافرة ومختلفة تخص "دان يانغزي" في مراحل حياته الثلاث؛ صوت أيام شبابه، وصوت في منتصف عمره، وصوت في أواخر ايامه، وهتفت الأصوات معاً بجنون: "هكذا تسير الأمور إذاً، لقد فهمت! هذا الطاوي العجوز يفهم الان! هاهاها!".
طاخ!
دوى صوت انفجار، لينفجر ويتمزق جسد "دان يانغزي" المشوه في لمح البصر بقوه، وتتناثر بقع الدماء والأنسجة ولحمه الفاسد لتغمر وتلطخ أرجاء غرفة تكرير الإكسير بالكامل!
نهاية الفصل.
ليس هناك صوره في الرواية عندما تحول دان يانغزي، لكن لقد فكرت ان اضيف صورته من المانهوا.
تجدون الصور للشخصيات في قناتي في التلجرام.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.