الفصل 11: شوان يوان.
داو الخالد العجيب
الكاتب Foxtail Quill
ترجمة الخالد المجنون
الفصل 11: شوان يوان.
"بثقت المسؤولية عن الأباطرة المسؤولين الثلاثة من رحم الفوضى العارمة. وبأمر من الإمبراطور اليشم، تقلّدوا مناصب المسؤول السماوي، المسؤول الأرضي، والمسؤول المائي. تولى المسؤول السماوي حكم كل ما يقع تحت السماوات، بما في ذلك الاباطرة الكبرى، والحكماء العظام، والأباطرة. وبسط المسؤول الأرضي سلطانه على اباطرة الجبال الخمسة العظمى، والاباطرة الصغرى، والحكماء، والمستنيرين. في حين حكم المسؤول المائي اباطرة الأنهار، والجداول، والبحيرات، والخالدين. أدار الأباطرة الثلاثة عوالمهم بنزاهة وعدل، فازدهرت الكائنات في اراضيهم. وإذ أشفقوا على عالم الفانين، قدموا الكثير لتلبية احتياجاتهم؛ وبفضل حكمتهم الفائقة ورحمتهم الواسعة، باركوا عالم الفانين وحموه بكل حب ورعاية".
ارتد صدى أصوات الترانيم والاناشيد في أرجاء الكهف الفسيح. وكان تلاميذ (معبد العاصفة) الستة، بمن فيهم "لي هوانغ"، يجلسون فوق الحصائر ملقين أسماعهم إلى المحاضرة الصباحية التي يلقيها معلمهم.
لم تكن هناك كتب ليقرأ منها؛ لذا كان "لي هوانغ" يرتل بأقصى درجات الدقة الممكنة مجارياً بقية التلاميذ.
وفي خصم ترتيله للنصوص المقدسة، رفع "لي هوانغ" رأسه ببطء، وركز نظراته الحادة على "دان يانغزي" الجالس في المقدمة. ومضت ضغينة وكراهية في عيني "لي هوانغ"، لكنه سارع إلى كبحها وإخمادها في لمح البصر.
وفي مواجهة هذا الوغد البشع، لم يكن "لي هوانغ" يتوق لشيء أكثر من سلخ جلد معلمه هذا وتجرع لحمه؛ ولكنه تجرع غصته وتحمل. كان يدرك حق الإدراك أنه يفتقر للقوة في الوقت الحالي.
كان يدرك أن عدوه أقوى منه بكثير، ولا يمكنه التصرف بتهور؛ وكل ما يسعه فعله الآن هو التحمل وانتظار الفرصة المناسبة."
ورغم أن الأمر قد يبدو في غاية الصعوبة، ورغم احتمالية أن يكتشف "دان يانغزي" مخططاته ويقتله، لم يعد "لي هوانغ" يكترث بأي من ذلك على الإطلاق.
وعندما لمح "دان يانغزي" يميل بجسده جانباً، شاح "لي هوانغ" بنظره سريعاً نحو الأعلى، متجاوزاً أعواد البخور الثلاثة المشتعلة، ليركز على التماثيل الثلاثة الاباطرة المستقرة داخل فجوة في جدار الكهف. كانت الاباطرة الثلاثة تجسد ثلاثة كيانات منفصلة ترتدي رداءات طاوية صفراء، ملامح أعينهم لا تشي بحزن أو بهجة، ونظراتهم موجهة إلى الأبد نحو البشر الفانين. لم تكن التماثيل تحمل أي هالة مقدسة؛ بل بدت عادية تماماً. ولولا الرداءات الطاوية التي يرتدونها، لبدوا مجرد بشر عاديين لا ميزة لهم.
ورغم أن "لي هوانغ" لم يتعرف على هوية هذه الاباطرة الثلاثة، إلا أنه نقش ملامح وجوههم في أعماق ذاكرته سراًّ.
تلاشت أصوات الترانيم تدريجياً؛ وما إن نطقوا الأنشودة الأخيرة، حتى قرع أحد المساعدين طبلاً أحمر ثلاث مرات، معلناً انتهاء المحاضرة الصباحية.
وقف كافة التلاميذ بالتزامن مع نهوض "دان يانغزي". وقبض كل منهم على إبهامه الأيسر بيده اليمنى وغطى بأصابعه الأربعة المتبقية؛ ثم رفعوا كلتا يديهم فوق رؤوسهم وانحنوا إجلالاً واحتراماً الاباطرة الثلاثة.
وبعد أداء طقوس الاحترام، استدار "دان يانغزي" ببطء ورمق تلاميذه بنظراته الباردة.
وعندما رأى "لي هوانغ" يقف في المؤخرة مرتدياً رداءه الطاوي، أومأ برأسه علامة على الرضا.
"شوان يوان.. إن شوان يانغ قد أصبح تلميذاً رسمياً للتو، ومن الطبيعي ألا يفقه سوى القليل عما نفعله هنا. وبصفتك أخاه الأكبر، يتعين عليك توجيهه وإرشاده".
"أمرك مطاع، يا معلمي". انحنى رجل بدين ذو وجه مستدير نحو "دان يانغزي" بكل احترام.
"حسناً، لقد تجاوزت الساعة الآن السابعة صباحاً؛ ولم يعد لدي ما ألقيه عليكم. اذهبوا وتناولوا وجبتكم"، قال "دان يانغزي" ذلك ثم دخل كهف مجاور واضعاً يديه خلف ظهره.
وتبعه رجل يرتدي قبعة (هويوان) الطاوية، وإن كانت ملامح وجهه تظهر الضيق والعبوس.
"ذلك الشخص هو الأخ الأكبر تشنغ كون. ومنذ أن خان تشنغ كان وتشنغ تشن المعلم، بات هو التلميذ المباشر الوحيد المتبقي هنا. أرجوك أن تبدي له أقصى درجات الاحترام والتبجيل لو صادفته مجدداً؛ فطبعة ومزاجه أسوأ من مزاج المعلم بكثير"، اقترب "شوان يوان" من "لي هوانغ" وشرح له طبيعة التلميذ الآخر.
أومأ "لي هوانغ" برأسه: "شكراً لك على هذا التوضيح، ايها الأخ الأكبر شوان يوان. هل يتقن تشنغ كون أيضاً استخدام القدرات الخارقة والقوى الخاصة، مثل المعلم تماماً؟".
ورغم وجود العديد من الأسرار التي يجهلها "لي هوانغ"، إلا أنه كان من الواضح أن "دان يانغزي" يملك القدرة على تحريك الأشياء عن بُعد ويتمتع بقوة خارقة، تمكنه من رفع جرة حجرية تزن مئات الكيلوغرامات بخفة.
ولكن الأمر الذي كان "لي هوانغ" يخاف ويخشاه للغاية هو القدرة الأكثر رعباً وغموضاً التي يتمتع بها معلمه؛ وهي قدرته على معرفة كل شاردة وواردة تحدث داخل أرجاء الكهف، بما في ذلك حقيقة وصفه للمعلم بأنه مسخ تافه، أو علمه بأن "لي هوانغ" لم يوافق على الفرار مع بقية التلاميذ الفارين.
وإذا كان "لي هوانغ" يبتغي قتال "دان يانغزي" وإبادته، فيتعين عليه كشف تفاصيل وخفايا هذه القدرة المرعبة أولاً.
قال "شوان يوان" بنبرة مقتضبة: "تشنغ كون تلميذ مباشر يتلقى التعاليم السرية، فكيف لي أن أعلم ما لقنه إياه المعلم؟".
ولاحظ "لي هوانغ" نبرة خفية من الحسد والغيرة تمتزج بكلماته تلك.
«قوة الفرد الواحد هنا ضئيلة للغاية.. هل يتعين عليّ البحث عن حليف ومناصر داخل معبد العاصفة؟»
وما إن خطرت هذه الفكرة في عقل "لي هوانغ"، حتى سحقها ومحاها من ذهنه على الفور.
فأولئك الذين تجرأوا على الوقوف في وجه المعلم ومناهضته قد تم التهامهم وسحقهم من قِبل التايسوي الأسود على الأرجح. أما من تبقى من الأحياء، فهم إما يدينون بالولاء المطلق للمعلم، أو أنهم يرتعدون خوفاً وهلعاً من سطوته.
"لننطلق؛ يمكننا التحدث أثناء السير"، استدار "شوان يوان" وقاد "لي هوانغ" نحو المطبخ، وتابع: "أنا أعلم ما يدور في خلدك؛ إياك أن تطمع في تعلم أسلوب المعلم لبلوغ المرتبة الخالدة. ووفقاً للترتيب والأقدمية، تُعد أنت الأصغر والأحدث هنا؛ وكل ما عليك فعله هو الامتثال التام لأوامر المعلم. وعندما يحين الوقت المناسب، ستعلم كل شيء بطبيعة الحال".
وصل الاثنان لتوّهما إلى الكهف المخصص لتناول الوجبات؛ وكان بقية التلاميذ قد تجمعوا هناك بالفعل يتناولون حساء الأرز الساخن (الكونجي).
تعرف "لي هوانغ" على ثلاثة منهم؛ أحدهم هو "شوان يين"، والآخران هما "تشانغ مينغ" و"تشانغ رين" اللذان يربطان السيوف على ظهريهما. وإلى جانب "شوان يوان" ونفسه، كان تلاميذ معبد العاصفة الرسميون الخمسة يلتفون هنا معاً.
"إحدى قواعد معبد العاصفة الصارمة هي الامتناع عن الحديث أثناء تناول الطعام أو النوم. سألقنك بقية القواعد بعد الفراغ من وجبتنا"، أنهى "شوان يوان" كلماته لـ "لي هوانغ" ثم جلس بدوره ليتناول حساء الأرز.
حذا "لي هوانغ" حذوه وتجرع رشفة من الوعاء الخزفي الأسود؛ وفي غضون ذلك، كان يراقب تلاميذ المعبد الرسميين الآخرين في صمت مطبق.
كانت ملامح وجوههم متباينة ولكنها عادية، لا تنم عن قبح شديد ولا وسامة. واستشعر "لي هوانغ" خطباً مريباً ومناقضاً وهم يرتدون ذات الرداء الطاوي ويجلسون في ذات البقعة.
وعندما قام "شوان يانغ" بتنظيف أنفه ومسح مخاطه ليسقط على الأرض، انقبضت وجوه التلميذين الرسميين الآخرين بدت ملامح الاستياء الشديد عليهم. وهنا أدرك "لي هوانغ" أخيراً ذلك الخطب الغريب؛ إنها هالاتهم وطباعهم المتنافرة!
فبعضهم كان يتمتع بهالة وقورة ومحترمة تشبه هالة العلماء والمثقفين، في حين كان بعضهم الآخر يملك طباعاً جافة وخشنة، وكأنهم وُلدوا وعاشوا لأداء الأعمال الشاقة والمهن الوضيعة فحسب.
من أي بقاع الأرض عثر "دان يانغزي" على هؤلاء التلاميذ الرسميين الأربعة؟ هل قام بترقيتهم وتصعيدهم من بين صفوف المواد الدوائية المرشدة البائسة؟
وبعد الفراغ من تناول الوجبة، وضع بقية التلاميذ أوعيتهم الفارغة وغادروا المكان دون أن يلقوا حتى نظرة عابرة نحو أخيهم الأصغر الجديد.
وفي هذه الأثناء، قاد "شوان يوان" "لي هوانغ" في جولة تفقدية عبر أرجاء معبد العاصفة، مفسراً له طبيعة الأقسام والقطاعات المختلفة. ومن خلال شروحات "شوان يوان"، أدرك أن تلاميذ المعبد الرسميين الأربعة الآخرين يتولون إدارة قطاعات مختلفة من المعبد.
فبعضهم كان مسؤولاً عن توجيه المساعدين والعمال، والبعض الآخر يتولى مهمة جمع وشراء المواد الخام والأعشاب الطبية من العالم الخارجي. بل إن بعضهم أُوكِلت إليه مسؤولية إطعام التايسوي الأسود الدنس. أما أولئك الذين يملكون خبرة أقدم، فكان يتعين عليهم تولي مهام متعددة في آن واحد. ومع ذلك، لم يكن جدول أعمالهم غارقاً في الصخب والانشغال هكذا دوماً؛ ولكن منذ أن تم إعدام وتصفية الدفعة الأخيرة من التلاميذ الفارين، اضطروا لتوزيع تلك المسؤوليات الإضافية الشاغرة فيما بينهم.
وكانت المهمة الموكلة لـ "لي هوانغ" هي ذاتها المهمة التي كان يشغلها "شوان يانغ" السابق، وهي إدارة غرفة التحضير والإشراف عليها. والهدف الأسمى والوحيد لتلاميذ المعبد الرسميين هو مساعدة معلمهم على الارتقاء وبلوغ مرتبة الخالدين.
وبعد تبادل أطراف الحديث طوال اليوم، اكتسب "لي هوانغ" فهماً وإدراكاً أعمق لخفايا معبد العاصفة بفضل تفسيرات "شوان يوان" الوافية. وبذل قصارى جهده لحفر أكبر قدر ممكن من المعلومات في عقله؛ فهذا المكان لم يعد مجرد هلوسة عابرة يمكنه مغادرتها والانفصال عنها متى شاء. فكل شاردة وواردة من هذه المعلومات قد تمثل ورقة رابحة وخطة محكمة ومدروسة عندما يحين وقت تصفية "دان يانغزي" وإبادته.
وباتت علاقته بـ "شوان يوان" أكثر قرباً وانسجاماً من ذي قبل بينما كانا يسيران معاً في طريق العودة.
"الأخ الأصغر شوان يانغ، لا داعي لكل هذا التوتر والقلق؛ فمن المرجح ألا تثقل كاهلك الكثير من الأعمال، بما أن المعلم لا يقوم بتكرير الحبات الإكسيرية في كل يوم".
"أوه؟ هل يمكنك إيضاح هذا الأمر لي بمزيد من التفصيل؟".
"تكرير الإكسير وتطوير الحبات يعتمد بشكل صارم وحاد على تقلبات الطقس وحركة الفلك والأوقات الزمنية الدقيقة؛ فبعض المواد الدوائية والمكونات لا تبلغ ذروة فعاليتها وأقوى تأثير لها إلا في ساعات محددة للغاية. وعلى سبيل المثال، لا يُعد هذا اليوم وقتاً ملائماً لتكرير الإكسير، ولكن بعد غد، وتحديداً في وقت متأخر من الليل بين الساعة الحادية عشرة ليلاً والواحدة صباحاً، سيكون ذلك وقتاً مثالياً وممتازاً للبدء في التكرير".
نهاية الفصل.
ملاحظة: يتم تنزيل فصول الرواية في قناتي في التلكرام قبل نزولها في الموقع، مع وجود بعض صور للشخصيات التي تذكر في الفصول مثل صوره او رسمة لشخصية( دان يانغزي) وشخصيات اخرى.
هذا رابط القناة:
https://t.me/Dao_The_Bizarre
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.