الفصل 321
الفصل 321: بطل الماضي، بطل الحاضر
داس على جثث الشياطين المطروحة عند قدميه وانتصب في الأعالي؛ رجلٌ يستحق عن جدارة أن يُنعت بالبطل الخالد!
أيقنتُ صحة الاسم، وغمرتني موجة عارمة من الغبطة والابتهاج.
بطل حرب انتزع مجده من بطون كتب التاريخ، شخصية ترعرعت قبل بزوغ عصر الأبراج السحرية بآلاف السنين، عند أواخر العصور المظلمة حين استشرى الفساد وبسط الشر سلطانه الغاشم.
وكان تنين الرمال عزي دهاكا بلورة الدمار التي تمخض عنها رجس تلك العصور؛ وحشٌ ضارٍ يملك نفث شتى صنوف الأنفاس المهلكة برؤوسه الثلاثة، متقنًا ضروب السحر المطلق.
أحرق عزي دهاكا نصف القارة في غضون أسبوع واحد، حتى وقف في وجهه هذا البطل الأسطوري ليرديه قتيلًا!
«يا إلهي… أأنت حقًا رينولدز سبنسر؟» هتفتُ بغير تصديق.
لم يكن في قولي أدنى مبالغة؛ فرينولدز هو البطل الذي أنقذ العالم المادي من الفناء المحتوم.
قابلتُ الكثير من العظماء حتى يومي هذا، غير أن هيبة رينولدز زرعت في باطني رهبة لا تُقاس.
وانتقلت مشاعري إليه عبر التزامن، فانفجر رينولدز ضاحكًا بملء شدقيه:
«هاهاهاها! أمرٌ يبعث على الذهول حقًا! لا يزال العالم يتناقل ذكري بعد انقضاء ألف عام؟! ما من إرث أعظم من هذا لبطل مثلي!»
صارحتُه بإعجاب:
«بصراحة، ظننتُ سيرتك ضربًا من نسج الخيال وأساطير الأولين.»
فلم يكن جليًا في كتب التاريخ إن كان رينولدز محاربًا باسلًا أم ساحرًا مفلقًا، وتفرقت مآثره في شتى أصقاع المعمورة.
وكل مطلع على التاريخ سينتهي إلى ذات النتيجة التي خلصتُ إليها؛ فالشياطين تبيد دون أن تخلف رفاتًا وراءها، مما جعل الروايات الشفوية المستند الوحيد لإثبات وجوده.
وكان عزي دهاكا مسخًا هائلًا تهاوى على يديه، ومع ذلك تعذر العثور على أثر حسي يؤكد تفاصيل ملحمة رينولدز سبنسر.
بدد رينولدز شكوكي بكلمات قليلة هادئة:
«حسنًا، لعل في ذلك خيرًا! فمبتغى البطل تسليط النور في غياهب الظلمة وبث الأمل في أفئدة اليائسين؛ وحسبي أنني أديتُ ذلك الدور على أكمل وجه.»
بدا موقفه في ظاهره مفارقة عجيبة؛ أيسره تناقل قصته بعد آلاف السنين دون اكتراث لمدى أصالتها وتفاصيلها الحرفية؟ لربما ساور البعض الشك في شخصه إزاء ذلك.
غير أنني، لكوني أشاطره الجسد والوجدان، أدركتُ نبل سريرته وتفرده عن سائر البشر؛ فلم يكن يلقي بالًا للشرف الدنيوي أو الأمجاد الزائلة، وكل ما تمناه أن تسود العدالة وتتنفس البسيطة برًا، وأن يمد المستضعفين بالقوة في وجه الخطوب!
ذاك هو جوهر البطل الحق الذي جسده رينولدز طوال سني حياته.
استطرد رينولدز بنبرة وقورة:
«في نهاية المطاف، لا يحيد العالم عن الصلاح، وحياتك ليست سوى رافد يستمد منه الآخرون عزائمهم؛ فلا تجزعنّ من لقائي يا بطل المستقبل!»
أومأتُ باحترام جم:
«…نعم، جزل الشكر لك يا سيدي سبنسر.»
قاطعني وكأنه يقرأ مكنون فؤادي:
«كفانا تمهيدًا ومقدمات، أفلنلج في صلب المسألة مباشرة؟ أتروم تعلم سحر عيار الروح؟»
«يقينًا!»
أوضح سبنسر:
«النظرية غاية في البساطة؛ تعمد إلى تنقية المانا وإخراجها من مسالك الجسد، لتتخذ هيئة نصل يتقاطع مع النظام النجمي، غير أن التطبيق يأبى موافقة النظرية في أغلب الأحايين… أليس كذلك؟»
أجبته بحيرة وتلعثم:
«هاه؟ لقد وفقتُ في تشكيل النصل بالفعل، لكن…»
«حسبتُ الأمر… ماذا؟! أأفلحتَ في تشكيله حقًا؟!» جحظت عينا رينولدز، وظهرت الصدمة على محيا بطل لم تطرف له عين أمام شياطين الطبقة العليا!
ألهذا الحد بدت قدرتي استثنائية في ناظريه؟
قرأ رينولدز خاطري وفصل المسألة:
«عيار الروح ضربٌ من السحر الخاص المنبت الصلة بقدرات الساحر المألوفة؛ فلا ينبثق هذا السيف إلا حين تُتخذ الروح ذاتها نواةً وقلبًا له! وكان يسيرًا على سلالة سبنسر تسخيره لمراننا المتوارث عليه منذ نعومة أظفارنا، غير أنني لم أعاين كائنًا من خارج عائلتنا بلغ تشكيله قط!»
وقبل أن أستبين مراده من هذا الحديث المقتضب، رفع رينولدز ذراعه اليمنى مشيرًا إلى السماء، فتوهج في قبضته سيف ساطع؛ تجسيدٌ تام لعيار الروح بكامل بهائه!
«هاااب!»
شق رينولدز كبد السماء بحد السيف!
كياااااانغ—!
تردد صدى صوت حاد أحدث صمكّة في الآذان، فسددتُ سمعي لا إراديًا، وفوجئتُ بأنني انفصلتُ عن جسد رينولدز!
لم أدرك السبيل، غير أنه عزل وعيي عن كيانه في العالم العقلي بيسر، وسألتُه بارتباك:
«لِمَ بادرتَ إلى هذا فجأة يا سيدي سبنسر؟»
أجابني بجدية:
«أبتغي التثبت من أمر ما؛ أظهر عيار الروح الخاص بك أمامي.»
وبما أن بطلًا بمقامه ينأى عن اللغو العبثي، امتثلتُ لطلبه فورًا.
"عيار الروح…"
لربما كان السحر النجمي لغزًا عصيًا على بقية السحرة، لكنه مألوف تمامًا لإدراكي.
توهجت بصمة أومبرا على كفي، وانبثق نصل أخضر وادع من يدي اليمنى.
وبالطبع، قصرت هيبته وضياؤه عن مجاراة نصل رينولدز، غير أن ملامح الشفرة بدت ناصعة الوضوح.
أطلق رينولدز صَيحة إعجاب وتقدير:
«هوه! يسعك تشكيله دون ريب! وفوق ذلك، يرمز هذا الضياء الأخضر إلى الحياة والأمل؛ عهدٌ بعيد لم تكتحل فيه عيناي بمثل هذا الضياء الآسر!»
ابتسمتُ بحياء:
«أشكرك على ثنائك.»
استدرك رينولدز بصرامة:
«غير أن الأمر جرى كما توقعتُ؛ أمعن النظر مليًا!»
حرك رينولدز سيفه المشع بضياء أبيض ولامس به حد سيفي الأخضر…
وفي اللحظة التي تلاقى فيها الشعاعان…
طرااااخ!
تحطم عيار الروح الخاص بي محدثًا فرقعة مدوية!
«آه؟!» شهقتُ مصعوقًا؛
فقد تفتت كالألعاب النارية الهشة! نصلٌ بذلتُ في سبيله قدرًا هائلًا من المانا تداعى كأنه هباء منثور!
تطلعتُ نحو رينولدز التماسًا لبيان تلك الكارثة.
استعرض رينولدز سيفه وأوضح جليًا:
«أنت تقوى على إبراز هيئة عيار الروح، غير أنك تعجز عن بعث بأسه الكامن! لستُ أنتقص من سحرك، بل تلك حقيقة الأمر منذ البداية.»
«أهكذا منذ المبتدأ؟» استفهمتُ مذهولًا.
«عيار الروح هو سيف الروح حرفيًا، وبأسه مرتهن بقوة الروح التي صيغ منها النصل؛ صحيح أن المانا تكسوه هيئة السيف، لكنها تقصر عن تعويض أصل البأس الدفين!»
كان أشبه بجناح متماسك من ذرات الرمل؛ أدنى صدمة كفيلة بسحقه، وذاك سر تحطم سيفي!
لقد سخرتُ عون أومبرا وبلوغي الدائرة الثامنة لتشييد عيار الروح، ومع ذلك، وخلافًا لرينولدز، يستحيل عليّ تمزيق عتاة الشياطين به!
تابع رينولدز بنبرة هادئة حملت في طياتها معاني مرعبة:
«لهذا عكفت عشيرتي، آل سبنسر، على سقي أرواحهم وتغذيتها لأجيال متعاقبة قبل تسليمها إلى الأعقاب؛ وأنا لستُ سوى الثمرة الختامية لتلك المكابدة!»
روحٌ تُصاغ سيفًا، وسلالة تتوارثها جيلًا إثر جيل في دورة لا تنقطع؛ تاريخٌ يأبى الانكشاف للأباعد، ورينولدز هو آخر المتحدرين من ذلك الإرث العتيد.
ففطنتُ لسر توكيد رينولدز على سلالته؛ إذ ينوء بحمل أجداده الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لتخليد هذا البأس.
وحين استشعرتُ ثقل تلك التبعة، كسا وجهي الشحوب.
غير أن رينولدز ضحك مبددًا التوجس:
«لا تشغلنّ بالك بغابر الأزمان؛ أليس الأجدر بك صرف همتك إلى إتمام عيار الروح القاصر بين يديك؟»
سألتُه باهتمام بالغ:
«وهل من سبيل إلى ذلك؟»
رد دون تردد:
«لا علم لي؛ فلو وُجد سبيل غير هذا، لما افتقرت عشيرتي إلى وراثة عيار الروح عبر الحقب! هذا السحر الخاص لا تتفجر طاقته إلا بتراكم القرون، ولا حيلة لبلوغه إلا بالمراس المضني؛ أو على الأقل، لم أعاين أحدًا جاوز تلك القاعدة.»
قاطعتُه بضيق:
«غير أن الوقت يداهمنا!»
فبناء أساس عيار الروح استلزم أجيالًا، وغزو جيريم على الأبواب بعد انقضاء شهر واحد، ولا متسع لدي للتفرغ لسحر الروح وحده.
استشعر رينولدز ذكرياتي وتنهد بأسى:
«يحز في نفسي عجزي عن نصرتك؛ ولو قُدر لي لبادرتُ لمعاضدتك عيانًا.»
فساحر تعاقد مع نيدهوغ ويسعى لابتلاع شجرة العالم غريمٌ مثالي لبطل مثله!
ولو كان رينولدز على قيد الحياة لانطلق نحو إلفينهايم في التو؛ غير أنه قضى منذ أمد بعيد، ولم يتبقَ منه سوى شظية روحية واهنة.
وبينما كان اليأس يتسلل إليّ، انقدحت في عقلي فكرة مباغتة…
الأموات شظايا من أرواح…
وعيار الروح هو سيف الروح…
وتقنية يتوارثها الأحفاد عن الأجداد…
ورينولدز سبنسر بذاته حاضر بين يدي!
تلاقت قطع الأحجية في خاطري واستقرت في نسق بديع، فكرة فذة لو عاينها ساحر آخر لصفق لها إعجابًا!
ولم أتردد في بسط مقترحي أمام رينولدز…
«أأنت عبقري بحق؟!» شهق رينولدز مأخوذًا بعبقرية الحيلة!
انقضت نصف ساعة، واستفقتُ من غمرة المزامنة مع رينولدز.
طاخ!
وثبتُ دون تضييع دقيقة واحدة، وانتقلتُ إلى خلاء فسيح منيع؛ خشية أن يصيب أحدًا مكروهٌ من ارتداد سحري، فالساحر الحصيف يلتزم الحذر التام في تجاربه وإن خلت النظرية من الزلل.
أخذتُ نفسًا عميقًا وأرخيتُ أوصالي، فانداحت الدماء في عروقي ولانت مفاصلي المتصلبة.
أغمضتُ عيني مستجمعًا شتات تركيزي:
«أومبرا!»
استدعيتُ البصمة المنقوشة على ذراعي اليمنى؛ فانبثق ضياء متوهج، وارتقت حواسي الروحية إلى أفق علوي، وفي اللحظة عينها انتصب سيفٌ من راحتي اليمنى!
«حسنًا… لا عائق حتى الآن.»
إنه عيار الروح، السحر النجمي النافذ إلى صميم الأرواح، والذي اعتبره رينولدز مستحيل التطبيق العملي لحالتي.
غير أن هذا النصل افترق جوهريًا عما شكلتُه في العالم العقلي؛ فقد تلألأ ببريق مهيب، وشقت يميني الفضاء أمامي تمامًا كضربة رينولدز، كأن صاعقة شطرت كبد السماء!
كياااااانغ—!
تمزق الفضاء وتفصلت أبعاده!
وتكشف لبرهة ذلك الفراغ الحصري الذي تستند إليه تقنيات السيف الثاني، زيستس سبيتيم؛ جدارٌ من العتمة تأبى سائر القوى المادية اختراقه، ومفصلٌ يربط أرجاء الفضاء.
غير أن عيار الروح شطر ذلك المفصل شطرين! سطوة ساحقة تقشعر لها الأبدان!
محوتُ السيف الأبيض وتطلعتُ إلى ذراعي اليمنى بابتسامة رضا:
«لا يسعني ادعاء ملكيته كعيار روحي خالص… ما رأيك في هذا يا سيدي سبنسر؟»
تردد صوته عبر النقش المستقر في ساعدي الأيمن:
[- رائع! يقصر قليلًا عن عيار روحي، غير أن الموتى الأحياء سيعجزون حتمًا عن مجابهته!]
«إنه باهر حقًا!»
فعوضًا عن استنزاف روحي لتوليده، حولتُ شظية روح رينولدز عبر بصمة أومبرا لتتولى هي إبراز عيار الروح!
صحيح أنها شظية قاصرة عن مجاراة بأسه إبان حياته، إلا أن عيار روح رينولدز المصقول عبر الأحقاب يفوق طاقتي بمراحل، وتكفي لقصم ظهر جيريم!
سلكتُ مسلكًا مختصرًا للنفاذ إلى جوهر الروح بسلطان أومبرا، متسلحًا بإحدى أقوى ضربات سبنسر للقضاء على جيريم!
فالمشعوذون يحوزون ديمومة استثنائية تفوق التصور؛ ولئن أصابته ميترا في مقتل سابقًا، فلن تفت في عضده الهجمات العادية مهما تكررت، وكان لزامًا عليّ ابتكار ضربة تقطع دابر وجوده.
«أرجو أن تشملني برعايتك يا سيدي سبنسر.»
[- بالتأكيد! أترث اسم عشيرتي إذن؟ ذلك عهد مكفول من رينولدز سبنسر بشحمه ولحمه!]
يا لها من مكافأة غير محسوبة… لقد أضفتُ رفيقًا ثرثارًا آخر إلى حاشيتي!
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.