الفصل 234
الفصل 234: مهووس المخطوطات القديمة هاينريش (2)
باغت الموقف غير المتوقع هاينريش، غير أنه آثر تصفية تركة برامز أولًا قبل الخوض في أي حديث.
كانت صدمة برامز إثر تجرعه لويلات الختم الدائري ساحقة؛ فانتهى به المطاف مجرورًا ليُنبذ كالقمامة في أزقة سيبوتو. ولعله من حسن طالعه أنه فقد وعيه؛ فبعد سلب مكانته كساحر، انفرط عقد نفوذه وتداعت هيبته إلى غير رجعة.
وعلى أية حال، لم يكن شأنه يعني ثيو أو هاينريش في قليل أو كثير.
وُضع قدح من الشاي الساخن يتصاعد منه البخار أمام ثيو، وتسللت رائحة الأعشاب العطرة إلى أنفاسه. وبعد أن بسط هاينريش القدحين المصنوعين يدويًا فوق الطاولة، استهل حديثه بنبرة يغشاها الجد:
«إذن، ما الخطب الجلل الذي ساقك للبحث عن هذا الكهل؟»
كان هاينريش في سالف أيامه ركنًا من أركان البلاط الملكي، غير أن قلة نادرة أحاطت بتلك الحقيقة؛ وفوق ذلك، قطع الرجل كافة خيوطه القديمة متجردًا من أي نفوذ سياسي يرجوه قاصد.
وإن كان الأمر كذلك، فما من دافع وراء زيارة ثيو سوى غاية واحدة لا تخطئها الفطنة. وتناول ثيو طرف الحديث مجيبًا في التو:
«لعلك استشففتَ المقصد مسبقًا؛ فاهتمامي البالغ منصب على نفائس مجموعتك الخاصة يا سيد هاينريش.»
«هذا يذكرني بما جرى… لقد ابتلعتَ كبرى المخطوطات في المزاد السري آنذاك.»
وباسترجاع تلك الوقائع، وجد هاينريش الأمر مريبًا بعض الشيء؛ فسواء أكانت أصولًا نادرة أم نسخًا منسوخة، تحوز خزائن ميلتور السحرية ما يفيض عن حاجة أي ساحر، ومع ذلك بذل ثيو أموالًا طائلة لاقتناص مخطوطات المزاد. أهو مجرد هاوٍ شغوف بجمع الكتب، أم أن في باطنه مأربًا آخر تجاوز حدود الهواية؟
رمقته عينا الكهل بمزيج من الفضول المشوب بالتحفظ والحذر؛ إذ استحال عليه الاهتداء للحقيقة المجردة دون الإحاطة بوجود الجشع. بادر هاينريش بالقول مستبقًا أي استفهام:
«أود البوح بأمر يختلج في صدري أولًا.»
لم يلمح في سمات ثيو خسة برامز، غير أن هواجس التوجس المسبقة قفزت إلى ذهنه دون استئذان:
«قد تتظاهر بالنبل والشهامة الآن، لكن… هل تبتغي مساومتي على سفر من كتبي نظير استنقاذ حياتي؟»
«هاه؟ لا يخطر ببالي مثل هذا الابتزاز أبدًا!»
«يسعك مصارحتي؛ فإن راقك أي سفر في مكتبتي فخذه دون حرج.»
سارع ثيو بالنفي القاطع، بيد أن هاينريش لم يصدق إنكاره للوهلة الأولى؛ أو بالأحرى، كان الكهل قد بلغ أقصى حدود الإنهاك الروحي. فما ظن يومًا أن شغفه بجمع أصول العلوم كعالم زاهد سيورده موارد تلك الإهانات المتكررة.
لقد ضاق ذرعًا بالسحرة المتغطرسين الذين يتوافدون للمطالبة بكنوزه، ناهيك عن تجرعه لتهديد القتل الصريح في رابعة النهار؛ فإن التمس ثيو كتابًا الآن فلن يتردد في تسليمه إياه لدرء الشرور. غير أن معدن ثيو نأى عن تلك الخسة:
«وهل يليق بساحر أن يستخف برجل نذر عمره التماسًا للحكمة؟ لو كنتُ ممن يبطشون غدرًا، لتركتُ ذلك الخنزير يزهق روحك أولًا ثم هويتُ عليه وسلبته ما أخذ.»
«…هذا…»
أصابت كلماته كبد الحقيقة، فألجمت لسان هاينريش الذي عجز عن النطق أمام منطق ثيو الهادئ؛ فالشيخ رجل علم يجهل صولات القتال، وتجرع رعب التهديد قبل لحظات كان لا يزال يزلزل أوصاله.
استطرد ثيو بلهجة دافئة:
«لقد أسديتَ إليّ يدًا بيضاء بمنحي بعض الكتب في دار المزاد السري، وما جئتُ اليوم إلا لأوفيك حقك وأرد ذلك الجميل؛ ولولا تلك الرابطة لما وطئت قدماي عتبتك أساسًا.»
احتقنت وجنتا هاينريش بحمرة الخجل فور استيعابه لرجاحة الموقف؛ أبلغت به الشيخوخة هذا الحد من التطير وسوء الظن؟ رسم ابتسامة اعتذار وتمتم من مقعده بحرج:
«كح… أستميحك عذرًا، لقد جانبني الصواب في قولي؛ فلتعده محض هراء أطلقه كهل خرف.»
«لم أسمع شيئًا مما تفوهت به.»
ارتشف ثيو جرعة من شايه متجاوزًا العتاب، ثم عاد إلى صلب المقصد:
«فلنرجع إلى مبتغانا؛ أعلم شغفك بالأسفار في شتى الميادين والمعارف يا سيد هاينريش.»
«نعم؛ ففضولي لا يخبو في هذا العمر المتقدم، ولا أملك من حطام الدنيا سوى وفير المال، وهوايتي الوحيدة الغوص في بطون الكتب الشيقة.»
«إذن… هل تسترعي اهتمامك أسفار الشرق البعيد؟»
«همم؟»
انفرجت أسارير هاينريش واتسعت عيناه فور ذكر الشرق؛ فرغم رسوخ حقيقة وجود القارة الشرقية، استعصى عبور لجة المحيط لعقود خلت، مما جعل ثقافة الشرق معزولة ونادرة النفاذ إلى أصقاع الغرب.
جاهد هاينريش لاستعادة وقاره، بيد أن بريق عينيه كان قد فضح شغفه أمام ناظري ثيو. تنحنح الشيخ مستطردًا:
«نعم، لا ريب في أنها تثير اهتمامي… غير أن العثور على مخطوطة تُرجمت بأمانة ودقة ضرب من المحال؛ فتباين دلالات الألفاظ شاسع، ولهجاتهم المستغلقة تعجز المترجمين.»
«ألقِ نظرة على هذه المخطوطة قبل أن تحكم.»
توقع ثيو تحفظه، فاستل سفرًا سحريًا من طيات ردائه؛ كان أحد الأسفار التي عكف على ترجمتها إبان إقامته في كنف عائلة بايك.
والأصل وإن ابتلعه الجشع واستقر في بطنه، إلا أن الترجمة التي صاغتها أنامله بفضل ذكريات وخبرات لي يونسونغ رفعت منسوب فهمه للباطن؛ فكانت تحفة خطية متقنة تترفع عن المقارنة بأي ترجمة سقيمة مألوفة في الأسواق.
تلقف هاينريش المخطوطة بملامح حائرة، وما لبث أن فض أوراقها حتى استغرق في سطورها كمن سُحر ببيانها.
"حسنًا، الأمر يمضي كما دبرتُ له تمامًا."
افتر ثغر ثيو عن ابتسامة خفية بنجاح خطوته الأولى، وران صمت مطبق على الحجرة طوال ساعة كاملة حتى بردت أقداح الشاي تمامًا.
انقضت ساعة من الزمن.
«أ… أستميحك عذرًا وسامحك الله! لقد أفرط هذا الكهل في سوء أدبه ونسي مقامه…»
بلغ هاينريش منتصف السفر، ولم يفق إلى واقعه إلا حين اصطدم بمفهوم غامض عجز عن سبره.
فالجالس قبالته لم يكن سوى بطل القارة الأوحد المتوج بالمجد؛ فكيف أطلق لنفسه العنان ليغرق في القراءة متجاهلًا حضوره؟ ولو ساء خلق ثيو لما وجد هاينريش عذرًا يقدمه.
بيد أن ثيو قابل ارتباكه بابتسامة دافئة وهز رأسه مطمئنًا:
«لا عليك، فالأمر لا ضير فيه البتة؛ بل أصدقني القول: كيف وجدتَ جودة الترجمة؟»
رفع هاينريش السفر بحرص فائق كمن يحمل جوهرة نادرة، بتلك المهابة التي لا تبدر إلا ممن عشقوا المعرفة بصدق:
«أوه، هذه الترجمة؟! إنها تحفة تفوق كل إعجاز! أجهل أي علامة فذ اضطلع بصياغتها، غير أنه تملك ناصية اللغة الصينية إحاطة تجعله يبدو كأحد أهلها الأصليين؛ فترجمة الأمثال، واللهجات المتباينة، والنعوت الشاذة… جاءت بسلاسة مذهلة تُيسر فهمها حتى لمن جهل علوم السحر وفنونه!»
شعر ثيو بالحرج أمام هذا الثناء الدافق وحك أنفه مبتسمًا. التقط هاينريش تلك الإيماءة فاتسعت حدقتاه ريبة وذهولًا: أيعقل أن هذا الفتى هو من روض لغة وعلوم ما وراء البحار بيده؟
قرأ ثيو التساؤل المرتسم في عينيه وأومأ مؤكدًا:
«نعم، حدسك في محله تمامًا.»
«يا للسماء! ما عدتُ أحصي كم مرة سيباغتني الذهول في هذا اليوم المبارك!»
وتفهم ثيو سر دهشته البالغة؛ فبنية اللغة الصينية تباين جذريًا لسان القارة الغربية المشترك، وتجسير تلك الهوة يستنزف عقودًا من البحث والموهبة الاستثنائية، وهو ميدان يستحيل الإحاطة به لمن لم يبلغ عقده الثالث. فأن يفكك ثيو تلك التخوم ويصوغ أدق المصطلحات التخصصية بلا عثار، إنجاز يخر أمامه كبار علماء الاستشراق عاجزين؛ وما كان ليبلغه لولا استيعابه لروح لي يونسونغ.
رفع ثيو أصابعه العشر وبسطها أمام هاينريش المأخوذ بالدهشة:
«ولدي ما أضيفه: أحوز العشرات من هذه الأسفار المترجمة بالدقة ذاتها.»
التقط هاينريش خيط المقصد وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة:
«أتتطلع لمقايضتها بما تحويه مجموعتي الخاصة؟»
«أصبت.»
«في واقع الأمر، إنها لصفقة رابحة لي بلا مراء؛ استبدال القديم بالنفيس الجديد… إغراء لا أملك رده!»
أشار هاينريش لثيو ليقتفي أثره، ثم تناول كتابًا استقر في زاوية نائية من الخزانة وجذبه بخفة؛ فتحركت الرفوف الضخمة بانسيابية لتنفرج عن ردهة سرية متوارية في جوف الجدار: المجموعة الخفية لمكتبة سيبوتو القديمة!
أوضح هاينريش وهو يلج العتبة:
«قد تبدو حجرة متواضعة في مظهرها، غير أن ما أودعته في جنباتها يصعب أن تكحّل به أعين الفضوليين.»
كان كل سفر فيها يزن مائة قطعة ذهبية على أقل تقدير، ما يسوغ حجبها التام عن الأنظار؛ أسفار خُتمت برموز أسطورية، ومخطوطات أصلية عتيقة، علاوة على ذلك السفر الأثير الذي سال له لعاب الفيكونت برامز: "سفر السحاب".
«سيدي ثيودور، لا بد أنك محيط بكنه هذا الأثر.»
أومأ ثيو وهو يتفحص المخطوطة السحرية التي انتزعها هاينريش؛ كان لها غلاف ناصع البياض صُنع من مادة مجهولة:
"سفر السحاب… الأثر الخالد الذي خلفه أحد أسلاف البرج الأبيض."
فإذا كان سحر الفضاء قد اقترن باسم أورتا حديثًا، فإن الأصل الذي نهض عليه البرج الأبيض هو سحر الرياح؛ وكان من بينهم سيد عظيم بلغ ذروة سحر الطقس فملك التلاعب بأنواء المناخ وتطويعها؛ حتى نُسجت حوله أساطير تتحدث عن إنزال الثلوج في قلب الصحراء اللاهبة، وتجفيف مساحات شاسعة من السواحل البحرية:
"وحين يستودع هذا السفر خلاصة تلك المعارف، فلا عجب أن يستميت متغطرس كبرامز للظفر به."
سأل ثيو مستفسرًا:
«بلغني أنه لا توجد له أي نسخة منسوخة، أهذا صحيح؟»
«بالتأكيد؛ فلعلة غامضة، تستعصي تعاويذ الاستنساخ السحري على هذا السفر، حتى خاله البعض كتابًا سحريًا حيًا ككتب الخطايا.»
ابتسم ثيو ساخرًا من سذاجة العوام وهو يرمق الغلاف الأبيض؛ أكان ذلك ضربًا من الجسارة أم عين الجهالة؟ فمن عاين جحيم الكتب السحرية العتيقة رأي العين لن يجرؤ على التلفظ باسمها جزافًا، وهو أدرى الناس بفظاعة ذلك الجحيم.
"تقييم."
بسط ثيو راحته اليسرى فوق غلاف السفر بحركة طبيعية.
[سفر السحاب]
[يبسط هذا السفر قوانين المناخ، وتيارات الغلاف الجوي، وظواهر الأنواء. توارى مؤلفه—الذي ساد البرج الأبيض لميلتور في سالف العصر—وجاب أرجاء القارة متتبعًا تقلبات الطقس؛ وبعد عقود من البحث الرصين، بلغ طورًا مكنه من استحضار تلك الظواهر بسحر خالص.]
[* تصنيف هذا السفر السحري: ثمين.]
[* عند استهلاكه: يقترب وعيك من جوهر "الرياح" (تعاظم هائل في السمة).]
[* عند استهلاكه: تكتسب معارف وخبرات "علم الأرصاد الجوية السحري".]
[* نُقشت في طياته أدلة وإرشادات لسحر الصواعق؛ ولحيازتها يلزم بلوغ الدائرة الثامنة على أقل تقدير، أو بلوغ السمة الريحية للمستخدم ذروتها القصوى. شروط الاكتساب بالغة العسر.]
إن كان في الأمثال ما يحذر من تعليق قلائد اللؤلؤ في أعناق الخنازير، فإن هذا السفر فاق اللؤلؤ ليغدو ألماسة فريدة؛ فعمق حكمة نصوصه ومشقته قاربا سحر الفضاء، وتيقن ثيو من ذلك بمجرد التقييم وتصفح بضع وريقات منه:
"باهر حقًا… كفى بهذه الغنيمة ثمنًا لتجشم عناء المجيء إلى سيبوتو."
وبطبيعة الحال، لن ترقى سائر المخطوطات إلى قامة "سفر السحاب"، بيد أن ثيو لم يتمالك نفسه من الابتسام؛ فهو الفتى الذي أفنى صباه في زوايا المكتبة، وصقل وعيه بافترس مئات الأسفار لجوف الجشع.
وتلك الحجرة السرية لهاينريش… كانت أرففها تشيع عبيرًا شهيًا يستثير شهية الافتراس.
ثبت ثيو بصره على السفر وخاطب صاحبه بثقة:
«سيد هاينريش… فلنبدأ صفقتنا بهذا السفر أولًا.»
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.