الفصل 216
الفصل 216: دوامة الحرب الأهلية (3)
تأمل ثيو عزم سيلفيا أدرونكاس الصادق، ورد بنبرة هادئة:
«نعم، سأنتظر ذلك اليوم.»
ومع ذلك، لم يكن الدرب هينًا بأي حال؛ فرغم مساندته لعزيمتها، رمقها ثيو بعين الساحر المجردة من العواطف. فبالنظر إلى سنها الغض، كانت سيلفيا نابغة استثنائية ببلوغها الدائرة السادسة بكدها الخالص دون وسيلة شاذة كافتراس الجشع؛ وهي موهبة سامية جعلت بلونديل أدرونكاس يتبناها كابنة، وتوجتها بنيل الثناء والتبجيل في أروقة البرج الأزرق.
بيد أن جدار الدائرة السابعة كان صلدًا ومنيعًا للغاية.
فخلافًا للدوائر السابقة، كانت الدائرة السابعة هي المعبر الحقيقي لمبارحة أطر البشر الفانين، كما قرر الجشع من قبل؛ ما يعني أن الساحر الذي يعول على موهبته الفطرية وحدها سيصطدم بجدار مسدود لا محالة. وظل الأمر رهنًا بنضج بصيرة سيلفيا وما يحالفها من توفيق لتخطي تلك العقبة الكأداء.
«يا للخجل… بأي وجه أقف هنا لأستمع إلى مثل هذا الحديث من الأصاغر؟»
بدا كلام ويليام موجهًا لثيو في ظاهره، غير أنه في الجوهر كان جلدًا لذاته. فقد بزغ نجمه كمعجزة منذ نعومة أظفاره، وتعالت ثقته بقدر ما أثبت جدارته في البرج الأبيض. ورغم أنه لم يرتقِ إلى مستوى السيد بعد، إلا أن نيل رتبة بارز في أوائل الثلاثينيات كان إنجازًا نادر الوقوع؛ وظن أنه سيحقق غايته خلال خمس أو عشر سنوات ليتربع على سدة رئاسة البرج الأبيض كخليفة منتظر.
لكن ثيو، الذي لم يشارف العشرينيات حتى، تجاوزه بمراحل وقفز فوق كل الحسابات.
تمتم ويليام بحسرة:
«إنه لمشهد يبعث على الخزي حقًا.»
لقد ركن إلى الدعة طويلًا؛ ورغم قضائه عشر ساعات يوميًا في ممارسة السحر، إلا أنه نسي ضراوة أيامه الأولى في سني التدريب. وتعين عليه مضاعفة جهده انطلاقًا من هذه اللحظة، وانجلت الحيرة عن عينيه بعد أن حسم عزمه.
أما بارا، فظلت على ديدنها المعتاد دون أدنى اكتراث.
صرير.
رمقت ويليام وسيلفيا بملامح عابسة ممتعضة، وما إن غادرا المكان حتى تهللت أساريرها بابتسامة ماكرة دافئة. وسرى الصقيع المألوف في نخاع ثيو حين اقتربت منه متهللة:
«أخيرًا خلوتُ بك وحدك!»
ارتبك ثيو وسألها بحذر:
«نعم، فما الخطب؟»
«ألم أخبرك سابقًا أنني سأكشف لك السر حين نختلي معًا؟»
«آه…»
تذكر ثيو سؤاله لها في الميناء عما إذا كان قد وقع أمر سار، وتفحص ملامح باراجرانام بعناية؛ إذ بدت مفارقة لطبيعتها. صحيح أن مظهرها الخارجي كان لفتاة يافعة في أواخر سن المراهقة، بيد أن جوهرها ككتاب سحري عتيق كان يتجاوز المعايير البشرية بمراحل.
"يتعين عليّ توخي أقصى درجات الحذر…"
فإن كان الجشع، على رزانته، لا يتوانى عن اقتراح التضحيات البشرية، فكيف بكتاب سحري غاص في إجراء التجارب على البشر مرارًا وتكرارًا؟ تنهد ثيو بإعياء وأبقى حواسه مشدودة وهو يراقب بريق عينيها المريب.
لمست بارا سوارًا يستقر حول معصمها الأيمن وهتفت ببهجة:
«ستنبهر بهذا الصنيع حتمًا!»
كان السوار شبيهًا بالأداة المخصصة لاستدعاء الدروع الحية، وسرعان ما أطلقت ذبذبة استدعاء واضحة:
«استدعاء: أوتوماتا!»
ومع الكلمة، انبثق وميض خاطف من السوار. ورغم عجز العوام عن رصد الهالة السحرية، التقطت حواس ثيو حضور جسد يتحرك من بين طيات النور.
إنسان؟ لم يكن ظنه مجرد وهم عابر؛ فالكيان الذي استدعته بارا حمل هيئة رجل بشري بالكامل: البشرة، وبنية القوام، والشعر، وثقل الجسد. وكان يتدثر بدرع حربي باذخ يجعله أشبه بفارس انسل من ملاحم الأساطير.
وما إن انقشع الضياء حتى صعق ثيو بالرؤية:
«لويد بولان؟!»
لم يكن التشابه سطحيًا في الملامح والشعر فحسب؛ بل وقف لويد بولان مدججًا بسلاحه بالكامل كأنه يستعد لاقتحام مختبر باراسيلسوس من جديد. غير أن خلو الجسد من أي نبض أو دفء حيوي حال دون اندفاع ثيو لمهاجمته.
أدرك ثيو سر الانزعاج الذي اعترى باطنه وتمتم بوجوم:
«…جثة؟»
«محال!»
ردت بارا بصوت حاد نافية زعمه:
«أنسيتَ ما حدث بتلك السرعة؟ لقد كان ذلك الجولم الذي انتزعتُه من المختبر العتيق برضاك.»
«…بالتفكير في الأمر.»
كان درعًا لفارس كامل العدة؛ وتذكر ثيو تفاصيله مليًا وهو يحدق في بارا. لم يكن ذلك الدرع مجرد فراغ معدني، بل تركيبة من مفاصل ميكانيكية وقطع أثرية نادرة، فكيف تمكنت من إسباغ حضور لويد بولان عليه؟
«سحرة هذا الزمان يجهلون كنه الأوتوماتا.»
لحظت بارا ريبة ثيو، فنقرت بخفة على وجنة الرجل الآلي كإشارة تدعوه لتقييمه. ولم يكن أمامه بديل سوى الانصياع:
«تقييم.»
انساب اللسان الرطب من راحة كفه ليلعق وجنة الآلي الباردة. امتعض ثيو من المشهد كعادته، غير أن الإشعار السحري سرعان ما تبدى أمامه:
[الأوتوماتا — خبير السيف لويد بولان]
[ذروة الصناعة الآلية؛ أقدم نماذجها كانت النماذج البدائية التي صاغها الأقزام بفضل معرفتهم بالميكانيكا والحضارات الغابرة. حاول الإيرل سان جيرمان، خيميائي أواخر العصر الأسطوري، تخليق حاكم اصطناعي كصيغة نهائية للأوتوماتا، غير أنه أخفق ولقي حتفه في التجربة. يحوي هذا الأوتوماتا الروح والجهاز العصبي المركزي لخبير السيف لويد بولان.]
[* تصنيف هذا الأوتوماتا: كنز.]
[* لا يمكن تطبيق قدرة الافتراس على هذا الأوتوماتا.]
[* هذا الأوتوماتا لا يحوز مالكًا في الوقت الراهن.]
[* يتمتع بنطاق ذاتي محدود في خوض المعارك، ويعجز عن اتخاذ القرارات من تلقاء نفسه دون تلقي أوامر المالك.]
[* يملك تفعيل قدرة الهالة «الرصد والاستكشاف» بقدر محدود.]
صاح ثيو مذهولًا وممتعضًا:
«جنون مطبق! هذا لا يختلف في جوهره عن استحضار اللاموتى وسحر النكرومانسي!»
فاستخدام الأجساد كقطع غيار وخامات تصنيع هو عين تحويل الجثث إلى لاموتى؛ وهو السحر الأسود الذي يُعد من كبائر المحرمات في سائر أرجاء القارة.
غير أن بارا ابتسمت وهزت رأسها استنكارًا لمنطقه:
«يا لك من مغفل! كيف تسوي بين اللاموتى الأنجاس وبين إعجاز الأوتوماتا والخصائص بينهما متباينة تمامًا؟ أتعتبر العفاريت والغيلان جنسًا واحدًا لمجرد أن كليهما يسير على ساقين؟»
«أبيني لي الفارق إذن؛ ما وجه الاختلاف؟»
«الأوتوماتا منيع تمامًا ضد القوة السامية ولا يتأثر بها كشأن اللاموتى، وبوسعه العمل إلى ما لا نهاية ما دامت القوة السحرية تُضخ في جوفه. بل إن الطرازات المتقدمة تملك القدرة على الاندماج بالوعي الذاتي، وإن كان هذا النموذج مبكرًا على تلك الخاصية.»
ركلت بارا ساق الآلي بلا مبالاة لكونه صنيعة عدو سابق؛ فهل كان ذلك نابعًا من حقدها الدفين على لويد؟
تشابكت الأفكار في رأس ثيو؛ فبحسب زعمها، لا يُعد هذا الكيان من اللاموتى، بيد أن مظهره الآدمي الصريح لا يخطئه بصر؛ سلاح حرب مصنوع من بقايا بشرية يخضع خضوعًا أعمى لمشيئة سيده.
فطن ثيو لسر تردده الداخلي: ألا يمثل هذا خروجًا عن ناموس الإنسانية؟
فعندما يتصل الأمر بغاية الوجود، يفترق منطق البشر عن طبيعة الكتب السحرية؛ وقد عُرضت عليه فرص مماثلة في الماضي ونبذ التضحيات البشرية دون تردد. وصحيح أن بارا هي الصانعة، لكن ألن يغدو شريكًا في الوزر إن وظف هذا السلاح لصالحه؟ ذلك هو السؤال الذي اعتصر ضميره.
«ما قولك إذن؟ أتقبل هديتي؟»
سألته بارا بنبرة بريئة مصطنعة رغم إدراكها لحيرته الأخلاقية؛ فبالنسبة لكتاب سحري يتطلع لخلق إنسان اصطناعي، لم يكن هذا الآلي سوى مجموعة من البيانات المجردة.
لم يطل صمت ثيو حتى حسم أمره:
«…سأقبل.»
«هووه، أأنت واثق؟ تبدو كمن يحمل هموم العالم فوق كتفيه.»
«القوة تظل قوة مجردة، والمعول عليه هو وجهة استخدامها؛ فإن سخرتها في مسارها القويم، كنتُ قد بلغتُ الغاية.»
«عاينتُ كثيرًا من المنافقين يتذرعون بمثل هذه الحجج… فماذا عنك؟»
رمقته عينا بارا الحمراوان ببريق شيطاني متفحص، فسرى قشعريرة في ظهره وهي تنزع السوار وتلقيه إليه:
«اضخخ قوتك السحرية فيه وانطق باسمك، ثم خلع عليه اسمًا جديدًا؛ وحينها سينصاع هذا الآلي لمشيئتك كدمية مطواعة.»
أمسك ثيو بالسوار وحقنه بطاقته السحرية.
ووووم…
تردد رنين سحري مكثف، واستشعر ثيو حضور الكيان المنتصب أمامه بصلة تشبه ما يربطه بميترا وهوجين.
"ربط."
وفور استيثاق وثاق العقد، أعلن ثيو بصوت جهوري:
«ثيودور ميلر.»
وتحدثت بيانات الأوتوماتا في التو:
[تم نقل ملكية الأوتوماتا رسميًا إلى: ثيودور ميلر.]
تسلل رجاء خافت عبر رابط العقد؛ رغبة من كينونة فقدت حريتها واستحالت دمية، تلتمس نيل اسم يحدد وجودها. لم يشعر ثيو بشفقة تجاه لويد بولان؛ فقد كان عدوًا لدودًا صارع حتى النهاية، وجنى على نفسه بجرأته على استباحة كتاب سحري عتيق.
سيمحوه ثيو ويمنحه هوية بديلة؛ ليفقد لويد اسمه ورتبته إلى الأبد ويغدو مجرد تابع:
«غلاديو.»
كان الاسم يعني مجرد "السيف".
كلاااانغ!
التمعت عينا الأوتوماتا استجابة لنداء اسمه، وفاضت هالة داكنة كثيفة من ثنايا الجثمان لتبعث فيه يقظة حركية خارقة. ثقل ساحق غلف المكان، إنه أثر ما تبقى من سطوة لويد بولان، أحد السيوف السبعة لإمبراطورية أندراس.
ومع ذلك، راقب ثيو التحول ببرود وثبات:
"خبير السيف لويد بولان لم يعد له وجود في هذا العالم."
كانت رابطة سحقت معالم روحه القديمة، وتلاشت بصمته السابقة كغبار ذروته الرياح، ليتحول إلى أداة تنفذ أوامر ثيو حرفيًا. في هذه اللحظة مات لويد بولان كليًا، ووُلد سلاح الميدان الحاسم: غلاديو.
طقطقة… صرير…
اتسمت حركاته بالجمود في مستهل الأمر، قبل أن يخطو بثبات ويجثو على ركبة واحدة أمام ثيو في انضباط عسكري بديع، مسترجعًا مراسم الولاء المطلق التي كان يؤديها لإمبراطور أندراس إبان حياته الأولى.
ثم تردد صوته الخشن عبر رابط الروح:
[سيدي… غلا… ديو… رهن إشارتك.]
تأمل ثيو الفارس الراكع عند قدميه وأومأ برأسه في صمت؛ فتلك قوة ارتضاها لنفسه، وأمانة جديدة سيحمل ثقل مسؤوليتها حتى النهاية.
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.