الفصل 212
الفصل 212: المعركة قادمة (2)
رغم وضوح نبرة ثيو، لم ينبس أحد ببنت شفة في القاعة. صمت أولئك الذين كانوا يتبادلون الجدال الحاد منذ لحظات، واستبد الذهول بملامح الملك كورت الثالث. رسالة من الأمير إيلسيد؟ وفوق ذلك، أيكون الزائر الذي قصد ثيو رسولًا يحمل كتابًا ملكيًا؟ خيم صمت مطبق على مجلس البلاط في ميلتور.
"رسالة من الأمير إيلسيد في هذا التوقيت بالذات…؟"
إن صحت، فهي نعمة لا تُقدّر، لكن كيف لولي العهد التنبؤ بهذا التوقيت الدقيق؟ بدا الأمر مستغربًا للغاية؛ فتفاوتت ردود أفعال الحاضرين بين مذهول عاجز عن استيعاب الواقعة، ومشكك يحك أذنيه ريبة مما سمع. وظهر من احتقنت وجنتاه حماسة للمخرج الجديد، بينما تهيب آخرون المطالبة بإثبات صحة النبأ؛ إذ كان الموقف متكامل التوقيت بصورة تفوق التصديق، بيد أن التشكيك في بطل المملكة المتوج لم يكن أمرًا لائقًا بحال. لذا آثر الجميع الصمت، وكان لزامًا على كورت الثالث كسر هذا الوجوم.
تأمل الملك كلمات ثيو مليًا قبل أن يخاطبه:
«قائد كواترو.»
«رهن إشارتك يا صاحب الجلالة.»
«لستُ في وارد التشكيك فيما تقول، غير أن التوقيت جاء محكمًا لدرجة تثير العجب. كيف نسجت رابطتك مع الأمير إيلسيد؟ ومن هو حامل هذه الرسالة؟ هل لك أن توضح لنا هذه الملابسات أولًا؟»
«سمعًا وطاعة لمشيئة جلالتكم.»
كان ارتيابهم مبررًا ومنطقيًا، فتريث ثيو برهة لينتقي ألفاظه بحذر. لقد أمضى ردحًا من الزمن في مملكة سولدون، وكان لزامًا عليه صياغة الرواية بدقة لدرء أي سوء فهم؛ مستحضرًا تفاصيل تلك الأيام التي تلت انتقاله إليها من أرخبيل القراصنة وشراءه للمقر هناك.
رتب ثيو أفكاره وشرع في السرد:
«انطلاقًا من أرخبيل القراصنة، توجهتُ إلى حاضرة بيريس الساحلية في مملكة سولدون…»
وتعمد ثيو إسقاط ذكر راندولف الذي رافقه كظله طوال تلك الرحلة؛ فرغم يقينه بخلع راندولف لولائه القديم لإمبراطورية أندراس، إلا أن حقيقة كونه قائد سيف ينحدر من أندراس قد تُفسر في هذا المحفل بريبة وشكوك لا طائل منها. ومن شأن اكتشاف مرافقة قائد سيف معادٍ لثيو لأكثر من عام أن يزعزع الثقة في روايته برمتها، ولما كان راندولف قد نال جنسية سولدون بعد فراره، فلم تكن ثمة حاجة لإقحام اسمه في هذا التوقيت.
سرد ثيو وقائع مقامه في بيريس، وصلته بعائلة بايك وتدخله لإنقاذ بايك جونغ ميونغ، وصولًا إلى اللقاء غير المرتب بولي العهد، وعلاقته بالفتى بايك دونغ هيل.
كانت قصة متشعبة، بيد أن تسلسلها جاء مقنعًا وسهل الاستيعاب. تصبب عرق التوتر من بعض النبلاء عند بلوغ نبأ إنقاذ بايك جونغ ميونغ، في حين أظهر آخرون تعاطفًا مع محنة بايك دونغ هيل. ومع خاتمة حديث ثيو، أطلق الجمع تنهيدة ارتياح موحدة بددت حرج اللحظة.
لم يبتسم أحد إزاء هذا المشهد، وتحدث كورت الثالث بنبرة ذات هيبة وثقل:
«تفسير متماسك ومقنع تمامًا. وهذا ما يسوغ إرسال الخطاب إليك عبر ذلك الفتى بايك دونغ هيل.»
«الأمر كما تفضلتم يا صاحب الجلالة.»
تمتم كورت مخاطبًا نفسه:
«هذا التوافق مذهل للغاية، حتى ليخال للمرء أن العناية السامية تؤازر ميلتور. فلو تأخر مقدم الفتى ثلاثة أيام فقط لفات الأوان وانفرط العقد.»
ثم صوب بصره المتأمل نحو ثيو، وبسط يده طالبًا:
«ناولني الرسالة الواردة من ولي العهد.»
«طوع أمرك يا صاحب الجلالة.»
لوح ثيو بيده مفعلًا تعويذة ريح يسيرة، فهب نسيم رقيق حمل المظروف ليعبر الفضاء الفاصل ويستقر بين يدي الملك، وسط ترقب مشدود من الحاضرين. جالت عينا كورت الأرجوانيتان فوق السطور ببطء وتؤدة، متمتمًا بملامح يغشاها الإعجاب:
«…أمر بالغ الإثارة. كان ولي العهد فتى هزيلًا حين رأيته في المرة الأخيرة، واليوم يطمح لتنصيب نفسه ملكًا جديدًا؟ إنها لمناورة تتسم بالجسارة والجرأة حقًا.»
استفسر وزير الخارجية بحذر:
«جلالة الملك، هل تأذن بإحاطتنا بمضمون الخطاب؟»
«بكل سرور.»
رفع كورت ناظريه عن الورقة وابتسم بارتياح:
«جوهر الأمر التماس رسمي لنيل مساندتنا؛ وفيه بيان تفصيلي لحجم القوات التي دفعت بها لايرون سرًا، وخريطة للمواقع المرشحة للاشتعال، وتحديد للمسلك الأمثل لتسلل قواتنا.»
«أوه… هذا يعني…!»
«يعني أن البيت الملكي في سولدون يمنحنا غطاءً شرعيًا للتدخل في حربهم الداخلية. وقد ذُيل الخطاب بالختم الملكي الأصيل، ما يدرأ عنا أدنى تهمة بالاعتداء أو خرق المواثيق.»
كان استنتاج كورت في محله؛ فالمسوغ الشرعي للتدخل في النزاعات يظل معضلة كبرى تقيد القوى العظمى كميلتور وإمبراطورية أندراس، وانعدام هذا المبرر كفيل بإثارة تكتل القارة الوسطى في حرب معلنة ضد الشمال. لكن تلك الرسالة قلبت الموازين رأسًا على عقب؛ فخلافًا لأندراس، باتت ميلتور تحوز تفويضًا بتحريك تشكيلات عسكرية كبرى نحو سولدون، بينما ستبقى لايرون مقيدة بمد يد العون الخفي، ما يجعل كفة البيت الملكي هي الأرجح بلا مراء.
استعرض كورت تفاصيل الخطاب بحماسة مستطردًا:
«طرح الأمير إيلسيد مسارين للتقدم: إما درب بري يعبر مجاهل سيبوتو المقفرة عند أطراف كارغاس، أو مسار بحري يشق المياه الشرقية رسوًا في بيريس. فلنتدارس الخيار الأكثر جدوى وفاعلية.»
اتسمت كلماته بالرصانة والوزن؛ فالخيار المعتمد سيحدد توقيت التدخل وجاهزية القوات، والمفاضلة تكمن في بلوغ المقصد بأقصى سرعة ممكنة وبأكبر حشد متاح، دون إغفال أثر التفوق العددي في حسم المعارك.
غير أن صوتًا ارتفع ليكبح طموح الملك:
«أستميحك عذرًا يا صاحب الجلالة، لكن يتعذر علينا سلوك المسار البحري هذا العام.»
التفت كورت متسائلًا:
«بلونديل؟»
أوضح بلونديل أدرونكاس، سيد البرج الأزرق، بملامح قاتمة:
«تهب الرياح الجنوبية العاتية في المياه الشرقية خلال هذه الآونة؛ والمضي نحو بيريس انطلاقًا من موانئ الشمال سيستنزف ثلاثة أضعاف الجهد والوقت المعتادين.»
«ثلاثة أضعاف…؟ يا سيد البرج الأبيض، ألا يمكن الاستعانة بابتكارات برجك لتجاوز هذا العائق؟»
أجاب أورتا بهدوء:
«باستخدام المناطيد السحرية، يسعنا تقليص الزمن للضعف فقط، ولا سبيل لأي اختزال إضافي.»
حك كورت رأسه بأسى:
«ضعف المدة أو ثلاثة أضعافها بطء لا نحتمله في ميدان القتال.»
فلا طائل من لوم رجاله على عقبات طبيعية قاهرة. وحين هم بالعدول التام عن خيار البحر، انطلق صوت ثيو قاطعًا التردد:
«عفوًا يا صاحب الجلالة، لدي ما أود الإفضاء به.»
«أمرك مسموع، تفضل يا قائد كواترو.»
ألقى ثيو نظرة سريعة نحو بلونديل وقال بصوت واثق:
«ربما أملك حلًا يكفل لنا بلوغ المقصد بوتيرة تفوق الأزمنة الاعتيادية.»
«ماذا؟ أحقًا ما تقول؟»
شخصت أبصار الجمع نحوه بدهشة، فاستطرد ثيو موضحًا:
«سبق لي أن حظيتُ ببركة تنين البحر من أكويلو؛ وتلك البركة تمنحني القدرة على ترويض تيارات الرياح المعاكسة وتذليلها.»
«هـ… هذا صحيح…!»
«تنانين البحر تسود المياه والأنواء!»
«بهذا يزول المانع الذي يحول دون ركوب البحر!»
ومع تصاعد موجة الاستبشار، اقترح أحد النبلاء بتسرع:
«سيدي ثيودور، ماذا لو رافقتنا سيدة البحر ذاتها؟ ألن تكون سطوتها عونًا كاسحًا لنا في الميدان؟»
ابتسم ثيو بمرارة وهز رأسه رافضًا:
«لن توافق على ذلك قط؛ فاهتمامها منصب على الوفاء بعهدها مع أوستن، ولا شأن لها بنزاعاتنا. وإن رمنا عونها في سولدون، فسيتحتم علينا بذل أثمان باهظة تفوق الطاقة، أو التضحية بمكاسبنا الاستراتيجية في أوستن.»
«…أصبت، وأعتذر عن شطط اقتراحي.»
كان الاستقواء ببطش التنانين حلمًا يراود الكثيرين، وظنوا أن مصاحبة أكويلو كفيلة بسحق جنود التمرد، وفيالق لايرون، وظلال إمبراطورية أندراس دفعة واحدة. غير أن التمادي في الطمع يجلب الهلاك، فنفض الحضور تلك الأوهام عن رؤوسهم، ليستأنف كورت قيادة الدفة:
«فلنتداول إذن في مسألة تشكيل الحملة التي سنوفدها إلى مملكة سولدون.»
واستمرت المداولات الحثيثة لساعات طوال.
ولج ثيو مجلس البلاط في وضح النهار، ولم يغادره إلا مع انتصاف الليل حين غمرت النجوم كبد السماء.
لم يذق طعامًا يسد رمقه سوى لقيمات من شطائر باردة تناثرت على الطاولة ولم يمسسها أحد تقريبًا؛ إذ تعذر على النبلاء تناول الطعام وهم في غمرة احتدام النقاش، والأمر ذاته انطبق على ثيو الذي استُنزف تركيزه بالكامل.
«…آاه، نال التعب مني.»
ومع انفضاض السامر، لم يقصد حجرته التماسًا للرقاد، بل حث خطاه المجهدة قاصدًا موضع شخص بعينه. كان الوقت متأخرًا وقد يسكن الناس للنوم، بيد أنه استشعر يقينًا أنها لا تزال يقظة.
ولم يخب ظنه قط؛ إذ وجدها حيث توقع:
«…ثيودور؟»
كانت إلينوا في مقر إقامة وفد إلفينهايم، تنساب بين أزهار الحديقة الغناء كطيف من الجنان، بينما تسكب أشعة القمر فضتها فوق شعرها الأخضر البديع. إنها ابنة الطبيعة الأثيرة؛ تتفتح البراعم الفتية تحت وطأة خطاها لتشيع في الأرجاء نبض الحياة.
عقد المشهد لسان ثيو للحظات؛ فرغم اعتياده على مجاورة ذوات الحسن، إلا أن حضور إلينوا ظل يمثل استثناءً باهرًا يسلب الألباب.
أوجست إلينوا خيفة من وقفته الصامتة، فدنت منه على عجل ووضعت راحتها الرقيقة فوق جبينه:
«ثيودور، هل أنت بخير؟ وجهك ينطق بالإعياء والشحوب.»
«كلا، أنا بخير تمامًا.»
«يسعدني لقاؤك، ولكن… ما الخطب الجلل الذي اضطرك للقدوم في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟»
أطرق ثيو مفكرًا قبل أن يجيب؛ فقد شتت حضورها الآسر الكلمات التي رتبها في مسيره، غير أنه استجمع شتات عزمه وخاطبها برزانة:
«إلينوا.»
«نعم؟»
«يتعين عليّ الانخراط في مهمة جسيمة انطلاقًا من صباح الغد، ولن يتاح لي لقاؤكِ ثانية قبل قفولكِ راجعة إلى إلفينهايم. لذا آثرتُ الحضور الليلة وإن تأخر بي الوقت.»
«آه…»
امتعضت إلينوا لمرأى الفراق الوشيك، قبل أن تلتقط مغزى زيارته الليلية الخاصة وتتورد وجنتاها خجلًا. لم يحد ثيو عن مقصده ولم ينكر تلك المشاعر، بل ثبت بصره في عينيها بنظرة جادة لا مواربة فيها:
«لقد أطلتُ التفكير في شأننا.»
خفضت إلينوا رأسها مطرقة بحياء بالغ، فاستطرد ثيو:
«كما أسلفتُ لكِ سابقًا يا إلينوا؛ لستُ موقنًا إن كان جوابي الحاضر نابعًا من إخلاص خالص أم هو استشعار لثقل المسؤولية. أحجمتُ عن لقائكِ سابقًا لعجزي عن حسم موقفي، غير أنني استشعرتُ الجبن في الرحيل دون مصارحتكِ بما في صدري.»
مد ثيو يده وشبك خنصره بخنصرها الصغير. وحتى الإلف الذين يجهلون أعراف البشر أدركوا بفطرتهم أن تلك الإيماءة عهد وثيق لا يُنقض. رفعت إلينوا عينيها الواسعتين مأخوذة بالدهشة، فواجه ثيو نظراتها بعهد حاسم:
«أرجو منكِ التريث والانتظار قليلًا.»
«……»
«يتعين عليّ العودة إلى شجرة العالم مجددًا؛ لأجل ميترا، وميردال، وأسباب أخرى جسام. لكنني لن أتخذ من تلك الغايات ذريعة أتوكأ عليها.»
«وماذا بعد…؟»
استشعر ارتعاش أناملها وتهدج نبرتها، فأقسم لنفسه ولها بعزم لا يلين:
«في ذلك اليوم الموعود، سأمنحكِ جوابي القاطع فوق فرع شجرة العالم الذي وطأناه معًا.»
وبقطع ذلك العهد، اكتملت عدته وانتهت استحقاقات الرحيل.
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.