الفصل 208
الفصل 208: المكتبة (2)
[أيها المستخدم، قبل الخوض في ذلك، لدي سؤال يطرح نفسه: في زمانكم هذا وعصركم الحاضر، كيف يُعرّف السحرة مفهوم «الدوائر»؟]
«مفهوم الدوائر السحرية؟»
لزم ثيو الصمت برهة ليتدبر هذا السؤال المباغت؛ ولم تكن المسألة معقدة، إذ تمثل تلك النقطة حجر الزاوية في العلوم السحرية الأولى.
فعلى النقيض من البشر العاديين، يُقال إن الساحر يحوز قلبين، وتستقر تلك الدوائر المسؤولة عن تدوير القوة السحرية وضخها كمركز ثقل جوهري.
استحضر ثيو نصوص أمهات الكتب السحرية التي حفظها، وأجاب مسترسلًا:
«أصل السحر… ينبثق السحر من التجاويف المحاذية لقلب الساحر، وهو هبة متفردة لا تتخلق إلا في أجساد البشر. وثمة أثر متوارث يزعم أن نشأتها مشتقة من قلوب التنانين، دون برهان قاطع يثبت ذلك. وانطلاقًا من الدائرة السابعة فصاعدًا، تتطور تلك الدوائر لتتخذ طابعًا متفردًا يمثل بصمة الساحر الذاتية، وهو ما يُعرف اصطلاحًا بالسحر الخاص.»
[أهذا فقط؟]
وضع الجشع يده على جبهته بحسرة، وتمتم:
[هاه، كنت أتوقع هذا النقص، لكن الأمر بلغ حد الخطر الداهم! أجهل ما طرأ على التاريخ بعدي، بيد أن ما يربو على نصف نظريات الدوائر السحرية قد اندثر تمامًا.]
«وهل جانبت الصواب فيما قلته؟»
[بل أصبت القشور؛ فكساحر ارتقى إلى مستوى السيد وبلغ الدائرة السابعة، ألم تفطن بعد إلى أن الدوائر لا تقتصر وظيفتها على تدوير وتدفق القوة السحرية فحسب؟]
«أم…»
تسللت الحيرة إلى نبرة ثيو.
لقد لمس تلك الآفاق الخفية فور بلوغه الدائرة السابعة؛ فالمرحلة تباينت جذريًا عن حدود الدائرة السادسة التي اكتفت بمضاعفة مخزون القوة السحرية وتوسيع سعتها، متجاوزة مجرد تطبيق المعادلات والمعاملات الجافة.
ودون انتظار لرد ثيو، فتح الجشع السفر القديم وتابع شرحه بنبرة حازمة:
[يوظف السحرة الدوائر لصياغة وتنسيق وجود الكائنات في هذا العالم المادي. ومنذ العصور السحيقة، ظل الرقم عشرة رمزًا مقدسًا يرتبط بالكيانات السامية العظمى؛ وبلوغ الساحر الدائرة العاشرة يعني ارتقاءه المباشر إلى ذلك الفضاء المقدس. فهل تحسب أن هذا التوافق العددي مجرد مصادفة عابرة؟]
«…أليست مصادفة إذن؟»
[بالتأكيد لا. فسحر هذا العالم ليس سوى صرح معرفي تأسس في خضم محاكاة تلك الكيانات السامية وتقليدها.]
لم يحاول حكماء الإلف السير في ركاب غيرهم، بينما خاض الأقزام محاولات عقيمة انتهت بهم إلى اليأس والاستسلام، في حين استغنت الشياطين عن محاكاة أي كائن منذ البداية، وظلت التنانين كائنات متعالية تعتلي هرم هذا النظام المادي بفطرتها.
أما البشر فوُلدوا عراة مجردين من أي سلطان ذاتي؛ بيد أن ميزتهم الجوهرية كانت البراعة الاستثنائية في محاكاة الآخرين واقتباس قدراتهم، ومن هذا الدأب شُيد صرح السحر واكتمل بنيانه بعد انقضاء بضعة آلاف من السنين.
تحدث الجشع عن عظمة السحر بنبرة ملؤها التقدير والتبجيل العميق:
[شُيدت نظرية الدوائر السحرية من استقراء قلوب التنانين، وتراتيل الإلف الشجية، والمعادلات الحسابية المستخلصة من علوم الأقزام، فضلًا عن طقوس الشياطين الغامضة؛ وبمعنى أدق، هي الدراسة الأشمل والأعظم تركيبًا في هذا الوجود.]
«يبدو كأنه تلفيق هجين رديء.»
[بل أراه إعجازًا فذًا؛ فقد صاغ الإنسان لنفسه وعاءً وبنى جسدًا مهد له ارتقاء مدارج العالم المقدس، ومقولة إن "المحاكاة هي أم الابتكار" تنطبق حرفيًا على هذه الحالة.]
رمق ثيو الجشع بذهول؛ إذ لم يكن يخفى عليه إعجاب هذا الكيان الأسطوري بالعبقرية والحكمة البشرية. وفطن الجشع لاستطراده فتنحنح جادًا قبل أن يستأنف حديثه:
[فلنعد إلى صلب القضية.]
وانطلاقًا من هذه العتبة، تدفقت نظريات لم تطرق سمع ثيو قط طوال مسيرته:
[حتى حدود الدائرة السادسة، لا يبتعد الأمر عما عهدته؛ حيث تُوجّه القوة السحرية وفق القوانين الفيزيائية للمادة مع فرض هيمنة جزئية على الظواهر الطبيعية. غير أن بلوغ مستوى السيد في الدائرة السابعة وامتلاك قوة الهالة يمثلان خطوة راسخة داخل «الإطار».]
«الإطار؟»
[لا تقاطعني. انطلاقًا من الدائرة السابعة، يشرع السحرة في تفسير بنية العالم المادي وصياغتها كنظرية فلسفية خاصة بهم؛ فهناك سحر الأونميودو، والتاي تشي، وعوالم السماء والأرض الثلاثة، ومسارات الشرق الخمسة، وسيفيروت الكابالا… مسالك شتى لا حصر لها تسع السالكين.]
آلاف السحرة يفتحون آلاف الدروب المتفرعة؛ ففي البدء، لمس الرواد جوهر الحقيقة وشرعوا في تأويل نظام العالم المادي وفق رؤاهم المستقلة.
معلم واحد أرشد عشرة تلاميذ، والطلاب العشرة نقلوا العلم لمئات، فتعبدت السبل؛ ولأن الريادة ليست في متناول الجميع، سار الخلف في أثر السلف، ومن هذا التراكم نشأت المدارس والفصائل السحرية.
ولم يتبقَ من تلك الفروع في هذا العصر إلا النزر اليسير، واستطرد الجشع بنبرة متهكمة:
[من النبل أن تشق لنفسك دربًا متفردًا، غير أن السير وفق رؤى مستقرة أجدى نفعًا وأعظم فاعلية. وفوق ذلك، فقد تشبع وعيك برباعية العناصر منذ نعومة أظفارك.]
«فات الأوان على ابتداع مسار مستقل إذن.»
[بالضبط؛ فضلًا عن أنك تحوز ثلاثة عناصر في جوهرك بالفعل، ولا حاجة لك بتبديل وجهتك الآن.]
كان منطق الجشع سديدًا لا شائبة فيه. خفض ثيو بصره نحو حقيبة أيولوس المستقرة بين كفيه.
قد ينفر البعض من السير في دروب خطها الأقدمون، غير أن ثيو حمل رؤية مغايرة؛ فالسحر في عرفه لم يكن صنيعة ذاتية معزولة، بل نتاج إرث حضاري متصل تتابعت فيه مشاعل السلف عبر الأجيال، وكان يملؤه الفخر بمواصلة تعبيد ذلك الدرب الممتد.
«حسنًا.»
لم يتردد ثيو طويلًا في حسم خياره:
«سألتهم حقيبة أيولوس.»
سيمضي قدمًا في ترسيخ نظريته الشاملة للعناصر الأربعة بقبول هذا الأثر السامي الذي زكاه الجشع؛ فهو يفتقر للأرضية المعرفية لعلوم التاي تشي أو الطرق الخمس وسواها. وقبل كل شيء، هو ابن الأبراج السحرية في ميلتور، وهذا المنهج هو السحر الأصيل الذي ورثه ونشأ عليه منذ أولى خطواته.
وفي اللحظة ذاتها، توهجت حقيبة أيولوس ببريق ساطع خاطف:
[تم استهلاك حقيبة أيولوس.]
[سيتم خصم 51,700 نقطة من نقاط إنجازك. الرصيد المتبقي: 26,513 نقطة.]
[تم تحصيل قبس من تقديس الرياح (ضئيل). ستنساب مسارات الهواء تماشيًا مع إرادة المستخدم. يمكنك التدخل في توجيه الرياح والتحكم في سرعتها كلما تعاظم إتقانك. وبمعزل عن مدى التوافق العنصري، بات بإمكانك إبرام العقود مع كائنات وعناصر الرياح.]
[تعاظم إدراكك للفضاء والبُعد بشكل هائل. بات بمقدورك استشعار الحيز المكاني المحجوب عن حواسك المادية، مع تراجع ملحوظ في وطأة الارتداد العكسي لسحر الفضاء.]
تلاشت حقيبة أيولوس وانصهرت ماديًا داخل راحة كف ثيو.
«…؟!»
وبما أن العملية تمت عبر استهلاك نقاط الإنجاز، فلم تكن هناك فترة هضم وتدرج تفصل بين الأثر ومفعوله. اعترى ثيو دوار عنيف هوى به على ركبتيه، ولولا ذلك لارتطم جسده بالأرض بالكامل.
ثارت في أحشائه طاقة لم يعهد لها مثيلًا من قبل، وهي السمة الأكثر تباينًا وتناقضًا بين القوى التي صادفها؛ أرق وأهدأ من وحشية النار اللاهبة، وحركتها أشد انسيابًا من تدفق الماء.
لم تكن مجرد ريح عابرة، بل كانت هيبة التقديس الخاصة بملك الرياح أيولوس؛ وديعة في سكونها، لكنها أفتك من الصواعق الرعدية إن ثارت عواصفها. هاجت القوة المتدفقة من الحقيبة واضطربت في كيانه كأنها تأبى الانصياع لإرادة ثيو وترفض الحلول فيه.
«كح… كح!»
ورغم وجوده في فضاء روحي خالص، إلا أن الدم تدفق من بين شفتيه؛ لم يكن جرحًا في لحمه، بل تصدعًا سرى في نسيج روحه. فالقوة السامية المحرمة على الفانين كانت تعتصر جسده البشري قسرًا.
وحتى وإن كانت شظية ضئيلة، إلا أن وطأتها كانت ساحقة أمام كبرياء ملك الرياح، حتى كاد ثيو يبلغ أقصى حدود طاقته على الصمود.
غير أن ذلك التمرد العاصف سرعان ما أُلجم ودُحر؛ إذ هبت القوى الثلاث الكامنة في جوف ثيو لتفرض سطوتها في التو: نيران مسبلهايم، ودماء تنين البحر، وقبس أم الأرض العظيم.
ومهما بلغت مهابة أيولوس، استحال عليه الصمود في وجه تحالف تلك القوى الثلاث مجتمعة؛ فكابد العاصف حتى الرمق الأخير قبل أن يُسحق تمرده ويخضع تمامًا.
«سحقًا…»
التقط ثيو أنفاسه بصعوبة بالغة. لم تستغرق الواقعة سوى بضع دقائق، لكن المعاناة فاقت كل تصور؛ كأفعى سامة تجوب شرايينه وأوردته بنزق، وظل قلبه في بؤرة الصدر يخفق بعنف جارف.
كاد يصب جام غضبه على الجشع الذي قصر في تحذيره المسبق، حتى انقطع تفكيره في تلك اللحظة بالذات—
طقطقة!
تردد في أعماقه صوت يشبه استقرار الترس المناسب في موضعه الخالي داخل ساعة دقيقة؛ نغمة أشاعت في نفسه راحة عارمة، ولئن بدت كأنها هلوسة عابرة، فقد تلقفها بأذنيه بوضوح لا يقبل الشك.
"…لقد اكتملت، أليس كذلك؟"
قفزت تلك الكلمات في خاطره دون تمهيد، وتملكه إحساس طاغٍ بالإنجاز يشبه وضع القطعة المتممة في لوحة أحجية فارغة.
ورغم ارتقائه إلى الدائرة السابعة في وقت سابق، إلا أنه في هذه اللحظة بالذات اختبر نضجًا خالصًا ويقينًا لا يتزعزع؛ كانت لحظة تخطى فيها أسوار المألوف ليغدو مؤهلًا بحق لسبر أغوار ما وراء الحدود البشرية الفانية.
لقد أدرك ناموس العالم بعين ساحر يستوعب الوجود؛ ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل تقدم خطوة أبعد:
الأرض، والرياح، والنار، والماء. ينطلق التدفق من ثبات الأرض، لينساب في مجرى الماء، ويستعر بلهيب النار، ثم يرتحل مع هبوب الريح. النار تضطرم وتومض، والماء يتموج ويتدفق، وخلافًا لجموح الرياح تركد الأرض في سكون؛ والكون بأسره يقوم على تعايش هذه القوى المتنازعة.
تلك كانت الحقيقة الأصيلة لنظرية العناصر الأربعة؛ فكل عنصر منها يحاور الآخر ليصنع اتزان الوجود، ومن خلال هذا الإدراك، تضاعفت بصيرة ثيو وقوته أضعافًا مضاعفة. غير أن ديدن السحرة كالكواسر التي لا تكتفي ولا تشبع؛ فقادته علامة أومبرا المنقوشة على ذراعه اليمنى نحو أفق سحري جديد مع التعويذة الكبرى: أبراكساس.
النار والماء لا يمتزجان، والرياح والأرض لا يلتقيان في هجوم متطابق… فهل هذا الناموس مطلق لا يتبدل؟
دون أن يدري، قارب فهمه نظرية التضاد الشامل بين السماء والأرض؛ فالتناقض الظاهري ليس إلا سبيلًا لاستعادة التوازن، وحين تتصادم الأضداد تعود الأمور إلى نصابها الأصيل. ورفض ثيو سابقًا اتباع السبل الممهدة ليس استعلاءً، بل لإيمانه بأنها لا تلائم كينونته، وبرهان ذلك يسطع الآن بين يديه.
«إيه…؟!»
جحظت عينا الجشع في ذهول صامت. أفاق ثيو للتو من حالة الاستغراق والتجلي، فلم يدرك في البداية سر تعابير الصدمة المرتسمة على ملامح الجشع، غير أنه سرعان ما نظر إلى كفه فاستوعب السبب:
«مـ… ما هذا بحق السماء؟»
فوق راحة يده، كانت هناك شعلة ضئيلة تتراقص وتخفق بهدوء. ولم تكن المفاجأة في وجودها بحد ذاته؛ فتبديل ألوان اللهب يسير على المبتدئين من السحرة، لكن المعضلة تجلت في الخصائص المتناقضة التي انصهرت داخل تلك الجذوة الواحدة.
«حرارة لاهبة… وبرودة صقيعية في آن واحد؟»
كان نصف اللهب أحمر قانيًا يفيض بالحرارة، ونصفه الآخر أزرق جليديًا كصقيع الجحيم؛ ظاهرة يستحيل لها أن تتواجد أو تنشأ في ظل القوانين المادية لهذا العالم.
عجز ثيو عن سبر كنه السحر الجديد الذي انبثق على يديه، غير أنه حدق في تلك الشعلة الفريدة ببهجة عارمة تغمر قلبه.
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.