الفصل 204
الفصل 204: جنبًا إلى جنب مع التنين (1)
أسدلت مسابقة السحر، الحدث السنوي الأبرز في ميلتور، ستارها بعد أن شهدت ازدهارًا فاق المعتاد بثلاثة أضعاف.
ولم يكن ذلك عائدًا بالضرورة إلى علو كعب السحرة المشاركين مقارنة بالأعوام السالفة، بل إلى التدفق الهائل للوافدين الذين تقاطروا على ميلتور من كل حدب وصوب، مدفوعين بوجود رمز إلفينهايم الأسمى: الإلف العالية إلينوا.
فمنذ تأسيس إلفينهايم وتحريم العبودية، أضحى لقاء أفراد الإلف نادرًا إلى حد جعل البعض يشكك في حقيقة وجودهم. غير أن الجمال الآسر والهيبة الفريدة التي تجلت بها الإلف العالية في حفل الافتتاح كانا كفيلين بتبديد كل ريب. توافدت الشخصيات البارزة من أرجاء القارة إلى ميلتور دون غايات كبرى في البداية، لكن صدى النفير هذه المرة استحث خطاهم:
«الإلف العالية قد حلت في مانا-فيل!»
«يقال إن البراعم تتفتح تحت وطأة خطواتها!»
«إنها إشارة واضحة إلى قرب تصدع ميزان القوى بين أقطاب الشمال!»
«وثمة رابطة وثيقة تجمعها ببطل ميلتور الشاب!»
سرَت الشائعات كالنار في الهشيم، فاندفعت السفن وقوافل العربات من القارة الوسطى نحو ميلتور بأعداد غفيرة. ولو ثبتت صحة واحدة من تلك الأقاويل، لكان ذلك بمثابة نقطة تحول كبرى في مسار التاريخ؛ ورغم عجز الكثيرين عن التأثير في مجريات الأحداث، إلا أن أحدًا لم يطق الوقوف موقف المتفرج:
جاء البعض طمعًا في فتح مسارات تجارية مع إلفينهايم…
وأبحر آخرون رغبةً في حفر موطئ قدم داخل ميلتور…
بينما شدّ غيرهم الرحال لمجرد التملي من سحر الإلف العالية…
في حين اخترق متسللون الحدود لاستطلاع واقع الشمال ومآلاته.
ومع تحرك القوى الكبرى لغايات شتى، تضخمت الحشود بصورة مطردة؛ فالفرد استحال عشرة، والعشرة غدوا مائة، حتى بلغوا الآلاف. وكان من ثمرة ذلك أن عاش حراس نقاط التفتيش في ميلتور أيامًا هي الأكثر صخبًا وضغطًا في تاريخهم، في حين فاضت خزائن المملكة بكميات هائلة من الذهب.
استمرت المنافسات السحرية لأسبوعين كاملين، تبارت خلالهما مختلف الفصائل حتى انبثقت خيوط شمس اليوم الختامي.
ومع ذلك، خيمت على ردهات القصر الملكي أجواء مشحونة بالثقل والترقب.
«…أيها المشرف على الخزانة، أطلعنا على الحصيلة الختامية لمسابقة السحر.»
«أمرك يا صاحب الجلالة.»
تقدم أمين الخزانة ووقف في حضرة الملك كورت الثالث، ثم استطرد موضحًا:
«تضاعف عدد زوار المسابقة السحرية لهذا العام ثلاثة أمثال مقارنة بالعام الفائت، وارتفعت عوائد النقل والخدمات بنحو خمسة أضعاف. وبوسعنا استغلال نصف هذه الميزانية فقط لإتمام السواد الأعظم من مشاريعنا ومخططاتنا الوطنية الراهنة.»
«وماذا عن طلبات التبادل التجاري الواردة من الدول الأخرى؟»
«تلقينا ثلاثة عروض من أوستن، واثنين من سولدان، وثمانية من كارغاس، علاوة على أربعة طلبات من مملكة لايرون الدينية.»
عقد كورت حاجبيه، وهز رأسه بحزم فور سماع اسم «لايرون»؛ فالوفاق بين السحرة والكيانات الدينية لم يكن يومًا خيارًا مأمون العواقب، وستسعى تلك المملكة الدينية لفرض عبادة ساميهم، مما قد يعصف بالعلاقات الدبلوماسية برمتها:
«ارفض كافة العروض الواردة من لايرون.»
«سمعًا وطاعة لأمر جلالتكم.»
انصرف أمين الخزانة، فنقل كورت بصره نحو رئيس جمعية السحر.
التقط رئيس الجمعية مغزى نظرة الملك، وسارع بالإيضاح:
«مضت إجراءات استقطاب السحرة بسلاسة تامة؛ فقد قيد مائتان وأربعة عشر ساحرًا أسماءهم في سجلات المؤتمر، واجتاز مائة وسبعة عشر منهم شروط التجنس، من بينهم خمسة وأربعون ساحرًا ممن بلغوا الدائرة الرابعة فما فوق، وهو رقم يفوق حصيلة العام المنصرم بأكثر من الضعف.»
«حصيلة طيبة. وما خطة توزيعهم على الأبراج السحرية؟»
«لم تُحسم بعد يا صاحب الجلالة؛ إذ يتعذر البت في ذلك قبل عودة سيدة البرج الأحمر.»
كان جوابًا طبيعيًا ومألوفًا؛ فقبول انتساب أي ساحر يظل حقًا أصيلًا لسيد البرج وحده. وحتى وإن تكفل الشيوخ بتصريف المهام الإدارية في حال الغياب، فإنهم لا يملكون البت في القرارات الخاصة بالكوادر والتعيينات.
ومع ذلك، قطب كورت جبينه إثر سماع التقرير:
«أجل… فسيدة البرج الأحمر لم تعد بعد.»
عند هذا الحد، أدرك الحاضرون هواجس الملك وساد الحذر التام؛ إذ لم يعد فريق الاستكشاف من مهمة البحث في الأطلال بعد.
لم يخالج كورت شك في قدرة فيرونيكا هايدك على دفع الأخطار، غير أن طول غيابهم أثار في نفسه قلقًا لا مهرب منه. لم يكن خوفه منصبًا على فيرونيكا تحديدًا؛ فرغم كونهما ركيزتي المملكة، إلا أنه خبير بمدى بأسها وسطوتها، وقليلة هي الأهوال القادرة على تهديد سيدة البرج الأحمر؛ فلو طمرها زلزال لصدعت باطن الأرض وخرجت منه، ولو جرفها طوفان لبخرت لججه بلهيبها. وفي يقين الحاضرين، كان أفراد بعثة إمبراطورية أندراس قد لقوا حتفهم منذ أمد بعيد.
المعضلة تمثلت في نخبة السحرة الأربعة: «كواترو». فإن هلك أولئك الذين أُعدوا ليكونوا خلفاء لسادة الأبراج، فستتجرع ميلتور خسارة لا تُعوض، ناهيك عن البطل المتوج: ثيودور ميلر.
«سيد البرج الأبيض.»
خفتت نبرة كورت، فجاءه الرد المباشر:
«كلي آذان صاغية لأمرك يا صاحب الجلالة.»
برداء ناصع وقناع أبيض يخفي معالم وجهه كعادته، تجلى أورتا فجأة على مقربة من العرش الملكي؛ وكأنما استحال التمييز بين كونه قد ولج القاعة للتو أو كان متواجدًا في ثنايا ظلالها منذ البداية.
تلك الضبابية كانت مكمن الرهبة من سيد البرج الأبيض؛ فهو يحوز قوة باطشة مكنته من كسر شوكة أحد السيوف السبعة لإمبراطورية أندراس، وكان الساعد الضارب وراء حملة التطهير الشاملة إبان اعتلاء كورت عرش البلاد، ولا يزال النبلاء يرتعدون فرقًا من ذكره ملقبين إياه بـ «الحاصد القاتم».
«هل أتممت ما كُلفت به؟»
«بالتأكيد.»
أجاب أورتا بنبرة صقيعية وهو يسرد تفاصيل تحركاته:
«أجهزتُ على عشرين ظلًا عند تخوم صحراء ميوز، فضلًا عن ستة وسبعين عنصرًا استخباراتيًا. مسحتُ القطاع بدقة وتأكدتُ من خلوه من أي أثر لأولئك الأعداء.»
سرد وقائع تصفية ما يقارب المائة نفس دون أن يطرف له جفن. ورغم أن أولئك المستهدفين كانوا من أعتى نخبة أندراس، إلا أنهم عجزوا عن استشعار هالة أورتا أو مجاراة أساليبه التي أوقعت بهم نكبة ساحقة.
فبناءً على مشيئة الملك، طهر أورتا مشارف صحراء ميوز تحسبًا لأي كمين قد يعترض طريق عودة فريق الاستكشاف.
«…ولكن، لِمَ انقطعت أنباؤهم حتى هذه الساعة؟»
في نهاية المطاف، كاد صبر كورت ينفد. كان الملك هو صاحب القرار، وهو من انتدب فيرونيكا ونخبة كواترو لهذه المهمة. امتلك كورت خصال القائد الفذ وخياراته لم تجانب الصواب قط؛ فإن لم تكن باهرة، فهي قطعًا لم تكن كارثية، وغالبها أثمر خيرًا وفيرًا.
وظل يأمل بصدق ألا تخونه بصيرته في هذه الواقعة.
وفي تلك اللحظة بالذات—
فُتحت أبواب القاعة بعنف، ووقف بلونديل أدرونكاس مترددًا في النطق.
«بلونديل، ما الخطب؟ ليس من ديدنك التردد والاضطراب.»
كان وصف كورت دقيقًا؛ فلحيته وشعره الأبيض كستهما حبات العرق، ووجهه الذي طالما اتسم بالدعة والوقار علتْه أمارات الذهول والارتباك. استفسر كورت بقلق، فصرخ بلونديل بصوت جهوري:
«يتعين على جلالتكم الخروج ومعاينة المشهد بأم عينك فورًا!»
تبادل الحضور نظرات الحيرة والتوجس، بينما حدق كورت في بلونديل بملامح يغشاها الجمود، ثم نهض عن عرشه وعيناه تنطقان بالاستجواب:
«تقدم واهدِني السبيل.»
حين حلق التنين في سماء مانا-فيل، انسابت زرقة الفضاء الرحب من بين ثنايا الغيوم البيضاء.
كان أول من رمق هذا المشهد المهيب جندي يرابط في برج المراقبة؛ لم يكد يصدق ما تراه عيناه فأشار بسبابة مرتجفة نحو كبد السماء. حارس يرى تنينًا للمرة الأولى في حياته لم يدرِ كيف يتصرف، فبادر بإخطار قائد الحرس، الذي سارع بدوره بالاتصال بالبلاط الملكي وجمعية السحر.
إلا أن بلونديل كان أسرعهم تحركًا.
"ظهور تنين في هذا التوقيت بالذات؟! ما الذي يجري بحق السماء؟"
كان غياب فيرونيكا يلقي بظلاله القاتمة على المشهد. تحسس بلونديل لحيته البيضاء وأجال فكره في سجلات التاريخ، فلم يعثر على واقعة واحدة سجلت عداءً بين ميلتور وأي تنين.
"مهلًا، ألم تقع حادثة من قبل…؟"
تذكر نزال ثيو ضد تنين أزرق في أرخبيل القراصنة، ولعله جلب بذلك نقمة العشيرة الزرقاء. غير أن طبائع التنانين الزرق كانت مغايرة؛ فهم كائنات تميل إلى الانعزال الفردي، وحين يعقد أحدهم صلة بامرئ ما، ينحصر تعامله معه دون أن يكترث بالبقية.
فلأي غاية يقصد تنين عاصمة السحر، مانا-فيل؟
تمتم بلونديل في حيرة:
«…الأمر يزداد غموضًا.»
في تلك الأثناء، وقف الملك وسائر النبلاء شاخصين بأبصارهم نحو الأفق في ذهول جارف.
ومع انعكاس أشعة الشمس على الحراشف الزرقاء المتلألئة والانسيابية المرنة التي تميز قوام ذلك الجسد، بدا التنين السابح في عنان السماء آية في الجمال تكفي لسلب ألباب الناظرين. ورغم خلوه من الأجنحة، إلا أن التحليق لم يكن يومًا أمرًا مستحيلًا على تنانين البحر.
فلكي تتمكن الأجنحة من رفع جسد التنين بمقاييس الميكانيكا، يلزم أن تبلغ مساحة سطحه ستة أضعاف حجمه الحالي، وأن يهبط وزنه إلى الثلث. لذا، فإن طيران التنانين يستند في جوهره إلى قواها المتفردة الخاصة؛ فالتنين الأحمر يطلق تيارات لاهبة ليطير بسرعات نفاثة، في حين يتحكم التنين الأزرق برطوبة الغلاف الجوي لترويض مسارات الهواء. ورغم عجزه عن مجاراة سرعة التنانين الحمر، إلا أنه أبهى مظهرًا وأعظم فتنة أثناء الانسياب في السماء.
وبطبيعة الحال، كان ثمة من لا يشاطر هذا الإعجاب.
«إن حركتكِ هذه تذكرني بتلوي دودة الأرض! كفي عن هذا الالتواء المشين وحلقي بسرعة أكبر!»
اهتز ذيل أكويلو إثر تذمر فيرونيكا، وردت بحنق:
«هذه هي أقصى سرعتي! أتحسبين أن تنين البحر قادر على الطيران بسرعات عاصفة على اليابسة؟»
«أولستِ تزعمين نقاء دمكِ وعرقكِ؟ بمقدوري الطيران أسرع منكِ بمراحل!»
«انزلي إذن عن ظهري! فلولا خاطر هذا الفتى لما سمحتُ لكِ بوطء جسدي أصلًا!»
«وما دمتِ تقولين ذلك، فسأنزل في الحال!»
وفي اللحظة ذاتها، ألقت فيرونيكا بنفسها من فوق ظهر أكويلو دون تردد.
كان الارتفاع يناهز مئات الأمتار فوق سطح الأرض، وهي مسافة كفيلة بتحويل أي إنسان عادي إلى أشلاء ممزقة، غير أن بأسها كان يفوق طاقة البشر بمراحل. ولم تكلف فيرونيكا نفسها حتى عناء تفعيل أي سحر لتخفيف وطأة السقوط.
دووووم!
تحطمت بلاطات الرخام وتناثرت إثر عنف الارتطام، وتطاير الحطام في كل اتجاه وسط فزع الحشود وتدافعهم:
«آااااخ!»
«إنها ضربة التنين الأولى!»
«مـ… ما هذا الهول؟!»
«سيد البرج الأزرق، ما العمل؟!»
أجالت فيرونيكا بصرها فيهم وأطلقت زفرة سخرية:
«تشه، يا لكم من حمقى مذعورين.»
انتظرت سكون الجلبة وتهدئة روع الحراس. وما إن تبينوا نبرة صوتها حتى استوعبوا المشهد أخيرًا وخفتت صرخاتهم:
«احم… احم! لقد عادت سيدة البرج الأحمر!»
«حمدًا لله على سلامتكِ، هل سارت المهمة على ما يرام؟»
«لستُ متفرغة للثرثرة معكم الآن. أين جلالة الملك وسادة الأبراج؟»
تجاهلت فيرونيكا تدافع الفضوليين وتقدمت صوب سادة الأبراج والسحرة الواقفين بجوار العاهل. وعلى غير عادتهم، بدا الثلاثة مأخوذين بذهول مطبق؛ فقد هبطت فيرونيكا لتوها من علياء السماء ممتطية صهوة تنين، وكان من الطبيعي أن يطالبوها بتفسير شافٍ.
بيد أنها قاطعتهم مسبقًا:
«تريثوا قليلًا يا صاحب الجلالة؛ فلننتظر هبوط تلك الدودة التي تحلق في الأعالي، وحينها سيُكشف كل شيء.»
«د… دودة؟»
رمق كورت كبد السماء بملامح بالغة الغرابة إثر سماعه وصف أقوى مخلوقات الوجود بالدودة.
وفي تلك الأثناء، كان التنين الذي يسبح في الأفق يقترب رويدًا رويدًا.
ووووش!
استقر الذيل المتشح بالحراشف الزرقاء أمام المجموعة الملكية، وتوشحت الأجواء بأربعة أطياف ملونة مختلفة بينما هبط أفراد نخبة كواترو بثبات على الأرض.
وبتوقيت بالغ التناسق، حنت فيرونيكا ورجال كواترو ركبهم إجلالًا أمام الملك، متقدمين على ذلك المشهد الآسر للتنين الأزرق المستقر خلفهم.
وتعالت خمسة أصوات نطقت في آن واحد بتناغم بديع:
«نحن، فيرونيكا سيدة البرج الأحمر وأعضاء فرقة كواترو، أتممنا استكشاف الأطلال وفاءً لأمر جلالتكم، وها نحن نعلن عودتنا الميمونة الآن.»
Smiley🦆
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.