مساحة للحكاية، ووقت لك← الساحر ملتهم الكتب
الفصل 191نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 191

الفصل 191: نفس التنين والسيف الإمبراطوري

كانت صحراء ميوز، الواقعة في الجزء الأوسط الغربي من القارة، إلى الجنوب الغربي من مملكة أوستن، سيئة السمعة إلى حد بعيد. ففي فترات الجفاف الشديد، كانت العواصف الرملية العاتية تضربها بلا هوادة، حاملةً معها المجاعة والدمار إلى المناطق المحيطة، ولا سيما أراضي أوستن.

عندما بدأت الصحراء في التشكل، لم تكن تتجاوز مساحة ثلاث أو أربع مستوطنات صغيرة. لكن على مدى مئات السنين، أخذت رقعتها تتسع تدريجيًا حتى ابتلعت نصف أراضي مملكة أوستن، ومن هنا جاء اسمها: صحراء ميوز.

وفقًا للأساطير التي قامت عليها مملكة أوستن، كان ميوز هو الكائن الذي قتل مؤسس الدولة، واشتهر منذ ذلك الحين باسم «الكارثة». ومع مرور الزمن، ترسخ بين السكان اعتقاد بأن الضغينة التي حملها ذلك المخلوق الأسطوري هي التي حولت أرضهم إلى قفر لا حياة فيه؛ إذ لم يستطيعوا تقبل فكرة أن كارثة بهذا الحجم قد تكون مجرد مصادفة أو تقلب في الحظ.

وبفضل قدسية السلطان في عقيدتهم، تمكن شعب أوستن من تحويل الجفاف إلى عدو قدسي. فإذا انحسر لفترة، اعتبروها نصرًا للسلطان ، وإذا عاد، قالوا إن الأرواح الشريرة قد عادت لتثير غضبها.

"إنها معركة صبر وكفاح من أجل السلطان…"

كانت عقيدتهم تعد المحاربين الذين يموتون في المعارك بالجنة، حيث تنتظرهم النساء والقصور الفاخرة. وهكذا وجد الفلاحون الذين طالما حسدوا المحاربين دافعًا آخر للقتال؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على الموت في ساحة المعركة، بل أصبح الموت وسيلة لضمان مكان في الجنة.

حتى إن بعض المتعصبين كانوا يمتنعون عن الطعام والشراب حتى الموت، رغم توفرهما بكثرة.

تلك كانت أوستن؛ دولة يكاد هذا الإيمان المتعصب يخنق شعبها.

أما صحراء ميوز، فقد أصبحت الملاذ الأخير لمن رفضوا اعتبار السلطان إلهًا وفروا إليها هربًا من حبل المشنقة.

وكان دخول الصحراء، التي عُرفت باسم «أرض الآلهة الشريرة»، محظورًا تمامًا، لذلك لم تكن هناك أي علامات تدل على وجود بشري عند حدودها.

لكن الوضع تغير اليوم.

فلاش!

ظهر ضوء ساطع فجأة وسط الهواء الحارق والرمال المتلألئة تحت أشعة الشمس.

كانت بعثة التحقيق التابعة لميلتور قد وصلت.

ظهرت فيرونيكا، سيدة البرج الأحمر، وأعضاء فرقة كواترو الأربعة، إلى جانب موجاك، في الهواء على ارتفاع ثلاثين مترًا، ثم هبطوا بسلام. وبالنسبة إلى أشخاص بمستواهم، لم يكن السقوط من هذا الارتفاع أمرًا يستحق حتى التفكير فيه.

اعتمد ثيو وموجاك على قوتهما الجسدية، بينما استخدم الآخرون السحر للتحليق. أما فيرونيكا، فكانت آخر من هبط.

كونغ!

اهتزت الرمال تحت قدميها، وتعالى صوت ارتطامها بالأرض بسبب العربة الضخمة التي هبطت معها.

كانت العربة نتاج تعاون بين البرج الأبيض والبرج الأصفر، وكانت عجلاتها الأربع تعمل بالطاقة السحرية بدلًا من الخيول.

فتح موجاك فمه بدهشة.

«لـ… لقد انتقلنا إلى هنا في لحظة واحدة… من الصعب حقًا استيعاب حجم قوة ميلتور!»

لم يكن يتوقع أن يصلوا بهذه السرعة إلى صحراء ميوز، الواقعة في أقصى الجزء الغربي من وسط القارة، والتي كانت تمثل منطقة مجهولة بالنسبة إلى أوستن.

ولولا سيد البرج الأبيض، لما كان مثل هذا الانتقال ممكنًا.

وبالنسبة إلى موجاك، كان ذلك دليلًا كافيًا على أن ميلتور تمتلك القوة اللازمة لسحق أوستن متى أرادت.

ضحكت فيرونيكا.

«لذلك، كن حذرًا. فهمت؟ قد تموت الفئران قبل أن تعرف حتى ما الذي قتلها!»

«… سأكون حذرًا.»

لم يعتبر موجاك كلامها مزحة، فأومأ بجدية. فمنذ وقت قصير فقط، كانت تلك المرأة على وشك قتله.

ولا يزال التوتر حاضرًا بينهم. فجسده مقيد بعقد صارم، وعلاقته ببقية الفريق لم تتجاوز حدود الضرورة، لذلك لم يكن من الممكن الحديث عن ثقة حقيقية بعد.

سارع ثيو إلى تغيير الموضوع.

«كم تبعد وجهتنا عن هنا؟»

«أمهلني لحظة.»

فتح موجاك الخريطة، ثم تتبع الطريق بإصبعه.

«علينا التوجه جنوبًا بزاوية مائلة. وبسرعتي الحالية، سيستغرق الوصول أربعة أو خمسة أيام، بحسب سرعة الجميع.»

«خمسة أيام…»

لم تكن المدة طويلة، لكنها لم تكن قصيرة أيضًا. ورغم أن باراجرانام أكدت أن الاستيلاء على الآثار لن يكون سهلًا، فلا أحد يستطيع توقع ما قد يحدث، ولذلك كان الوصول مبكرًا أفضل.

فجأة، عقدت فيرونيكا حاجبيها.

«لحظة… خمسة أيام؟»

«نعم. على عكس معظم الصحاري، لا تنخفض حرارة ميوز كثيرًا ليلًا. كما أن طبيعة الأرض تجعل السير المتواصل ليلًا ونهارًا أمرًا مستحيلًا. لذلك سيستغرق العبور خمسة أيام.»

«ولهذا السبب جلبت هذه العربة!»

ربتت فيرونيكا على هيكلها.

سخر موجاك.

«وهل تظنين أن العربة ستتحرك بسهولة في أعماق الصحراء؟ من أين ستأتينا الخيول أو الجمال؟»

«إنها تعمل بالطاقة السحرية.»

«وماذا ستفعل العجلات فوق الرمال الناعمة؟»

لم يجد ثيو ما يدحض كلامه. فالرمال هنا تصل إلى الكاحلين، وفي بعض المناطق تكون أعمق بكثير، ومن الطبيعي أن تغوص العجلات فيها وتعجز عن الحركة.

لكن فيرونيكا لم تر في ذلك مشكلة أصلًا.

«إذن نصنع طريقًا بأنفسنا! لماذا يجب على الأسياد الالتزام بما يسمى "المنطق السليم"؟»

«ماذا؟ ماذا تقصدين بـ…؟»

لم تكمل فيرونيكا سماع اعتراضه.

أخذت نفسًا عميقًا.

وفجأة، اندفع الهواء المحيط نحوها بقوة، وارتفعت الرمال بينما تغير اتجاه الرياح.

تجمد ثيو في مكانه.

"لا… لا تقولي إنك ستفعلينها!"

استيقظ إحساسه بالخطر غريزيًا، وتحركت دوائره السحرية من تلقاء نفسها.

جيجيوك!

ارتفعت حواجز جليدية متتالية.

واحدًا تلو الآخر، ظهرت سبعة حواجز فصلت فيرونيكا عن بقية الفريق.

تبادلت المجموعة النظرات في ارتباك، لكن سيلفيا أدركت ما سيحدث فورًا.

«احموا أنفسكم! [الجدار الجليدي]!»

أحاطت بهم سبع طبقات من سحر الدائرة السادسة، [الجدار الجليدي]، وشكلت دفاعًا قادرًا على تحمل انفجار هائل.

كان ويليام على وشك السؤال عما يحدث عندما—

انفجر الجحيم.

توهج هائل اجتاح الصحراء.

واندفعت موجة حرارية مرعبة في الاتجاه المعاكس للحواجز، مكتسحة كل ما أمامها بسرعة هائلة. لم تكن ألسنة لهب عادية؛ فقد كانت الحرارة شديدة إلى درجة أنها محَت كل ما مرت به، وتركت خلفها أرضًا ذائبة متوهجة.

كان [نفس التنين] قد شق صحراء ميوز!

ذابت الرمال على امتداد مساره وتحولت إلى زجاج وحمم منصهرة.

…

ساد الصمت.

حتى ثيو لم يجد ما يقوله.

كان قد شهد نفس التنين الذي تطلقه فيرونيكا من قبل، لكنه لم يكن مستعدًا لرؤية هذه القوة وهي تُطلق على الأرض. في المرة السابقة، وجهت الهجوم نحو السماء، أما الآن فقد أطلقت العنان له على امتداد الصحراء.

امتد اللهب إلى ما وراء الأفق.

وذابت بعض الحواجز الجليدية بفعل الحرارة، بينما تحولت عدة كيلومترات من الأرض إلى سطح بركاني متوهج.

لو تلقى ثيو هذه الضربة مباشرة، لتحطم دفاعه على الفور ومات من الحرارة وحدها. وحتى الهرب لم يكن خيارًا مضمونًا؛ فالسرعة الهائلة للهجوم جعلت تفاديه شبه مستحيل.

شحب موجاك لمجرد تخيل نفسه في ذلك الموقف.

أما ويليام فتمتم برعب.

«كـ… كابتن… أنا لم أفعل شيئًا، صحيح؟»

«… على الأرجح.»

كان ويليام يرتجف، بينما نظرت فيرونيكا إلى الطريق الجديد بإعجاب.

«أليس رائعًا؟ ستبرد الحمم خلال ثلاثين دقيقة، ويمكننا حينها السير فوقها. هيا، لنركب العربة. لا أحب أن تدخل الرمال في حذائي.»

نظر الجميع إليها بذهول.

هذا هو السبب إذن.

لقد حولت جزءًا من الصحراء إلى طريق باستخدام نفس التنين… فقط لأنها لا تحب الرمال في حذائها.

لكن فيرونيكا لم تهتم بنظراتهم.

وبعد دقائق، بدأت حرارة الأرض المنصهرة تصل إليهم، فتصبب الجميع عرقًا.

لوحت لهم فيرونيكا من داخل العربة.

«ماذا تنتظرون؟ اصعدوا!»

وهكذا بدأت بعثة ميلتور رحلتها عبر صحراء ميوز.

—

في أعماق الصحراء، كانت الحرارة خانقة، وكانت الشمس تحرق كل ما تحتها. ومع ذلك، لم يجرؤ الفرسان ذوو الدروع السوداء على التوقف.

وفي قلب الموقع، وقف رجل ذو هيئة مميزة.

كان ذلك هو السيف الإمبراطوري، لويد بولان.

لم يكن أحد يتوقع أن يظهر السيف الإمبراطوري بنفسه في موقع التنقيب. فوجود رجل بمكانته كان كافيًا لجعل مرؤوسيه يتعاملون معه بحذر شديد، حتى إن فرسان الظل كانوا ينتظرون أوامره كما تنتظر الفئران أمام قط مفترس.

تأمل لويد أعمال التنقيب غير المكتملة.

«همم… إنها بالفعل آثار تعود إلى عصر الأساطير.»

كان الهيكل قبيح الشكل، لكن مادته كانت صلبة بصورة مذهلة، وقد صمدت أمام هجمات فرسان الإمبراطورية. ومن أحد الأنفاق كان يتدفق سائل فضي غريب.

كان الموقع كنزًا أثريًا نادرًا، من النوع الذي يصعب العثور عليه في العصر الحديث.

سورورونغ.

سحب لويد سيفه من غمده.

«تراجعوا.»

ابتعد الرجال القريبون منه فورًا.

كانت هالته مختلفة عن هالات مستخدمي الهالة العاديين. وسرعان ما غطت السيف هالة فيروزية ذات بريق أزرق باهت.

ركز لويد قوته للحظات.

لم تكن طريقته تعتمد على استعراض القوة أو التدمير العشوائي، بل على تركيز قوته في نقطة واحدة.

طعنة!

اندفع سيفه كالصاعقة.

كاااانغ!

كان الهجوم قادرًا على اختراق عشرات طبقات الفولاذ وحتى دروع الميثريل، لكنه لم يترك على سطح المادة الفضية سوى خدش صغير.

ومع ذلك، كانت النتيجة مذهلة مقارنة بفرسان الظل، الذين لم يتمكنوا حتى من خدشها.

«… لا يمكن اختراقه بالقوة الغاشمة.»

إذا كان هذا الهيكل قادرًا على الصمود أمام ضربة من «سيد سيف»، فلن يكون تدميره بالقوة المباشرة ممكنًا.

قال قائد فرسان الظل:

«أعتذر لأنك اضطررت إلى المجيء بنفسك يا سيد بولان… سنبحث عن وسيلة أخرى.»

«لا داعي للاعتذار. أرسلني الأمير وهو يتوقع احتمال حدوث شيء كهذا.»

تأمل لويد سيفه، ثم تمتم:

«لا يعجبني هذا، لكن… سأحقق توقعاتك. أيها الأمير المدلل.»

كانت كلماته تحمل مسحة من التمرد، لكن قائد فرسان الظل لم يعلق عليها.

وعلى عكس السيوف السبعة الآخرين، الذين يميلون إلى الفوضى والاستعراض في ساحة المعركة، كان لويد أقرب في أسلوبه إلى فرسان الظل. لم يكن صاحب قوة تدميرية هائلة، ولا يستخدم تقنيات ملفتة للنظر، لكنه كان ينجز مهماته دائمًا.

امتلك لويد قدرة هالة فريدة تتيح له التكيف مع أكثر المواقف تعقيدًا والتسلل خلالها كالشبح.( تقريبن قدرته كشف الثغرات)

راقب فرسان الظل هالته المتوهجة، وابتلعوا ريقهم بتوتر.

مر بعض الوقت.

وفجأة، فتح لويد عينيه، ثم غرس سيفه في نقطة محددة من الأرض!

بوشوك!

كما حدث في مواضع أخرى، خرج سائل فضي سام ذو رائحة كريهة. لكن لويد كان قد ابتعد بالفعل عن المكان، وأشار إلى النقطة التي حددها.

«ادفنوا المتفجرات هنا. لا تضعوا عبوة واحدة، بل أكبر عدد ممكن. هذه هي الطريقة الوحيدة لفتح ثغرة في الأنقاض.»

«عُلم! سينفذ الأمر فورًا! ليتحرك الجميع!»

لم يعترض أحد.

كان فرسان الظل يعرفون قدرات لويد جيدًا، لذلك نفذوا أوامره دون تردد. بالنسبة إليهم، كان عصيان القائد خيانة عظمى، وكان ولاؤهم للإمبراطورية يضاهي تعصب أهل أوستن.

راقب لويد الرجال وهم ينفذون أوامره، ثم تمتم في سره:

"احتمال نجاح هذه الخطة ضعيف جدًا… لكن لا خيار أمامي. فأنا لا أريد أن أموت على يد ذلك الأمير."

كان لويد قادرًا على إيجاد مخرج حتى من أصعب المواقف، لكنه كان يعرف حقيقة واحدة جيدًا:

الحلول لا تأتي دائمًا بلا ثمن.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.