مساحة للحكاية، ووقت لك← الساحر ملتهم الكتب
الفصل 125نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 125

(هل هذا يعني أن أدخل؟)

انتظر ثيو للحظات، لكن لم يحدث شيء. راوده فضول عابر بشأن الطريقة التي يُفتح بها الباب ويُغلق، غير أن معرفة ذلك لم تكن مهمة بما يكفي ليضيّع وقته عليها.

لذلك، دفعه الأمر إلى التقدم مباشرة.

كان الداخل معتمًا للغاية، لدرجة تعذر معها رؤية أي شيء. قد يتردد البعض في خطو خطوة واحدة نحو ذلك المكان المجهول، لكن ثيو لم يتوقف؛ فالمجهول لم يكن سببًا كافيًا لجعله يتردد.

خطوة… خطوة…

احتكت أحذيته النظيفة بالرمال، محدثةً ضوضاء غير سارة. ولعلهم فرشوا الأرض بالرمل لهذا الغرض تحديدًا.

وبينما كان يتقدم، التقطت حواسه أصوات تنفس قادمة من الممرات الضيقة على اليمين واليسار. لم يكن التخفي سيئًا، لكن حواس ثيو وقدرة «ميترا» كانتا على مستوى أعلى بكثير، لدرجة مكنته من تحديد عدد المتخفيين وحتى تقدير مهاراتهم.

(ستة أشخاص، من بينهم مستخدم هالة… لست متأكدًا من قدرته على القتال المباشر، لكن مهارة تخفيه تماثل مهارة فارس عادي.)

لم يكن وجود هؤلاء الأشخاص مفاجئًا بالنسبة إلى ثيو. فالمكان الذي يعمل فيه أولئك القاطنون في الجانب المظلم من العالم لا بد أن يكون مليئًا بمثل هذه الأجواء.

كانت الحياة التي تتخلل هذا المكان خبيثة ولزجة، تمامًا كحال القاطنين في الخفاء. بالنسبة إلى أمثالهم، كان القتال المباشر ملاذهم الأخير؛ فمهارات المواجهة ليست ما يبقيهم على قيد الحياة، وإنما القدرة على توجيه ضربة قاتلة من الخلف قبل أن يدرك الخصم وجودهم.

ومع ذلك، لم يسمح ثيو لهذا الشعور المقيت بأن يشوش عليه. واصل السير بهدوء، مع إبقاء دفاعاته في حالة تأهب، وحافظ في الوقت نفسه على تعابير وجهه الباردة.

وبعد مئة خطوة بالضبط، وصل إلى باب متهالك. ومن موقعه وعمق المكان، قدّر أن الباب يقع على مسافة عشرين مترًا تحت سطح الأرض.

وخلفه، امتدت أخيرًا مساحة واسعة وهادئة.

(نقابة المعلومات هذه… هل هذا هو فرع «ملك الفئران» في سيبوتو؟)

دفع ثيو الباب ودخل.

كان المكان أوسع بكثير مما توقع، وتتوسط الغرفة طاولة قديمة، وخلفها جلس رجل جذب انتباهه فورًا تحت الضوء الخافت.

كان الرجل يتمتع بمظهر فريد؛ بشرة بنية وعينان بنيتان تميزان أهل الصحراء، وجسد ضخم بلغ طوله مستوى عيني ثيو حتى وهو جالس.

ومع ذلك، لم يكن حجمه أكثر ما أثار انتباه ثيو.

فالحضور المحيط بالرجل كان أشبه بالضباب.

(بارع جدًا…)

لم يبدُ أن الرجل قادر على هزيمة ثيو في مواجهة مباشرة، لكن القبض عليه لن يكون سهلًا إذا قرر الهرب.

وبينما كان ثيو يقيّم الرجل بصمت، رفع الجالس خلف الطاولة عينيه إليه وقال بهدوء:

«… لقد مر وقت طويل منذ حظيت بضيوف غير مدعوين.»

«ضيوف غير مدعوين؟»

توقف تفكير ثيو للحظة.

(هل يعني ذلك أن الشفرة التي زودني بها «كانيس» كانت خاطئة؟)

لكن الرجل لم يترك له وقتًا طويلًا للتخمين، إذ تابع كلامه:

«أنت لست ضيفًا أحضره صغاري أو من يعملون معهم. وبناءً على هيئتك وملابسك، فقد أتيت مؤخرًا من ميلتور في الشمال.»

رفع ثيو حاجبه قليلًا.

«كيف عرفت ذلك؟»

«توجد أدلة كثيرة؛ طريقة ربط الحذاء، وعلامات البشرة، والتراب العالق بأسفل الملابس… هناك أشياء لا يمكن إخفاؤها إلا إذا كنت عميلًا سريًا مدربًا للغاية.»

لم يستطع ثيو إلا أن يُعجب بنظرة الرجل الثاقبة. ففي أقل من ثلاث دقائق على وصوله، تمكن من تحديد موطنه وإدراك أنه وصل إلى سيبوتو حديثًا.

وبدلًا من إخفاء الأمر، جلس ثيو على الكرسي المقابل له وقال:

«كما هو متوقع من أفضل نقابة معلومات في القارة المركزية.»

«بالتأكيد. من دلك على هذا المكان؟»

«تاجر سوق سوداء يدعى كانيس.»

ارتفعت حاجبا الرجل فوق بشرته البنية.

«كانيس؟ ذلك الشبل لا يزال حيًا؟ رغم عدم ورود أي رسائل من ميلتور مؤخرًا…»

«هل أنتم معارف؟»

«عملنا معًا بضع مرات. مهارته ليست سيئة، لكن تفكيره ضيق للغاية. لا بد أنه وجد جحر فئران جيدًا جدًا هناك.»

تمتم الرجل بذلك، ثم مد ذراعيه السميكتين، فارتجف وشم الأفعى ذات الرأسين على ساعده.

بعدها مد يده مصافحًا، وارتسمت على وجهه الخشن ابتسامة.

«أنا قائد فرع سيبوتو، جيبرا.»

صافحه ثيو وقال:

«وأنا ثيو.»

«إذن، ما الذي أتى بك إلينا؟»

شعر ثيو بالارتياح. بدا أن جيبرا قد قبل وجوده بالفعل، وهذا يعني أن القلق الذي ساوره بشأن انتمائه إلى دولة أخرى لم يكن له ما يبرره.

وكما أخبره كانيس، لم تكن نقابة المعلومات تميز بين أصول ضيوفها أو هيئاتهم.

الشيء الوحيد الذي يهمها هو قدرة الزبون على دفع الثمن المطلوب.

(إذن سيكون الأمر سريعًا.)

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه ثيو، ونظر إلى يده اليسرى.

قبل مغادرته ميلتور، كان قد حوّل كافة ممتلكاته إلى سيولة مالية، وكانت ثروته هائلة، فضلًا عن المكافآت التي حصدها من إنجازاته في «إلفينهايم». لذلك، لن تشكل أسعار الكتب الأصلية أو عمولات الشراء عبئًا حقيقيًا عليه.

وبامتلاكه المال والقوة معًا، لم يكن هناك ما يدعو إلى التردد.

رفع ثيو رأسه وقال:

«هناك أشياء أريد شراءها في كارجاس.»

استمع جيبرا باهتمام، فتابع ثيو:

«أريد معرفة مواقع جميع الكتب الأصلية في كارجاس، وكافة المعلومات عن مالكيها. وسأترك لك مهمة العمل كعميل شراء. شرطي أن تكون حالة المقتنيات جيدة ما دامت أصلية، وإذا تم الشراء بثمن مناسب فسأمنحك نسبة من قيمة الصفقة.»

اتسعت عينا جيبرا قليلًا.

«كتب أصلية؟ تقصد النسخ الأصلية من كتب السحر؟ سيتطلب الأمر مبالغ طائلة لشراء كل ما هو موجود في كارجاس!»

لم يتغير تعبير ثيو.

«كم تحديدًا؟»

«ثلاثون قطعة ذهبية كعربون. أما فترة البحث…»

توقف جيبرا فجأة، ثم تنهد وقال:

«عذرًا، لكنني لا أستطيع قبول هذه المهمة.»

جاء الرفض مفاجئًا لدرجة جعلت ثيو ينظر إليه باستغراب. حك جيبرا مؤخرة رأسه بتعبير محرج، وكأنه يجد صعوبة في شرح موقفه.

«لا أستطيع حقًا.»

«كيف ذلك؟ إذا كانت المسألة تتعلق بالسعر، فالأمر محسوم…»

«لا، ليس السعر. بصراحة، العرض مجزٍ، لكن التوقيت سيئ.»

ازدادت حيرة ثيو.

«التوقيت؟»

«صحيح. هذا يذكرني… أنت من الشمال، أليس كذلك؟ إذن لا علم لديك بأبرز معالم كارجاس.»

وبما أن ثيو لم يعترض، بدأ جيبرا يشرح له السبب.

كانت مملكة كارجاس تعتبر مركز القارة المركزية ومملكة للتجارة في الوقت ذاته، ولهذا لم تملك طابعًا فريدًا يرمز إليها؛ إذ تجتمع فيها مختلف الخدمات والتعاملات القادمة من الشمال والجنوب والوسط، قبل أن تتوزع على بقية أرجاء القارة.

كانت مملكة يتوافد إليها الأجانب، وتتداخل فيها الثقافات باستمرار.

لكن خلف هذا الوجه المزدهر، كان لكارجاس جانب آخر أكثر خفاءً.

فالأموال والرغبات القادمة من جميع أنحاء العالم كانت تتدفق في النهاية نحو بيوت المزاد السرية تحت الأرض.

قال جيبرا:

«تُعقد سنويًا وبشكل سري لبضعة أسابيع، ويُقال إن قيمة البضائع المتداولة فيها تتجاوز الميزانية السنوية لعدة ممالك.»

سأل ثيو:

«وما علاقة ذلك بمهمتي؟»

«المزاد هو المكان الذي يمكن للبائعين فيه تحصيل أعلى الأسعار لبضائعهم، ولا سيما إذا كانت المعروضات كتبًا أصلية.»

عندها اتضحت الصورة أمام ثيو.

تابع جيبرا:

«لقد فهمت المغزى الآن، أليس كذلك؟ المزاد أكثر إغراءً للمالكين من البيع لمشترٍ مجهول. الوقت المناسب لمهمتك سيكون بعد انتهاء المزاد ببضعة أشهر، ولذا لا يمكنني قبول طلبك حاليًا.»

كان التفسير منطقيًا، ولذلك لم يشعر ثيو بأي استياء من الرفض.

فبيت المزاد الذي يجمع المشترين من جميع أنحاء العالم كان بالفعل أكثر جاذبية للبائعين. وربما يمكن إقناع بعض المالكين بالبيع قبل المزاد، لكن الأغلبية ستفضل انتظار فرصة الحصول على أعلى سعر ممكن.

وكما ذكر جيبرا، كان توقيت ثيو سيئًا حقًا.

ومع ذلك، لم يكن هذا يعني أن الطريق قد أُغلق أمامه.

(لا… ليس بعد. ما تزال هناك طريقة.)

استعاد ثيو هدوءه، ورفع رأسه بعدما خطرت له فكرة أخرى.

«ماذا عن المشاركة في المزاد مباشرة؟»

أجاب جيبرا:

«لو كان ذلك ممكنًا، لكان الخيار الأفضل لكلينا؛ فالمزاد ليس للبائعين فحسب، بل يمكن للمشترين الحصول على صفقات جيدة أيضًا.»

لكن نبرته تغيرت قليلًا وهو يهز رأسه.

«لكن بيت مزاد سيبوتو ليس مكانًا لغير المدعوين. أليست هذه المزايدات تتحكم بميزانيات دول؟ النقابة لا تنفذ مهمات لاقتحامه، وستحدث مشكلة كبرى لو كُشف أمرنا. الأفضل لك الانتظار بضعة أشهر.»

لم يبدُ على ثيو أنه تأثر بكلامه.

«هذا صحيح لو كنت ضيفًا غير مدعو…»

«هممم؟»

هذه المرة كان الدور على جيبرا ليحتار.

ابتسم ثيو ووضع يده على صدره. وفي اللحظة التالية، أخرج القطعة التي حصل عليها من «دب».

لم يمر يوم واحد منذ استلامه إياها، ومع ذلك بدت الآن وكأنها جاءت في الوقت المناسب تمامًا. لمع ضوء خافت من القطعة الثمينة في راحة يده.

وبمجرد أن وقعت عينا جيبرا عليها، تبدلت ملامحه للمرة الأولى.

«شركة بولونيل؟»

«أتعرفها؟»

«أكون أحمق لو لم أعرف رمز إحدى أكبر ثلاث شركات تجارية في الشمال! ولكن، كيف حصلت عليها في مثل سنك؟»

هز ثيو كتفيه.

«آسف، لا يمكنني إخبارك بذلك.»

كان رد فعل جيبرا كافيًا لإجابة السؤال الأهم في ذهن ثيو.

ستكون هذه القطعة بمثابة تذكرة لدخول بيت المزاد.

من كان يتوقع أن تؤدي رحلته إلى كارجاس إلى مثل هذه النتيجة؟

استعاد جيبرا دهشته، وأمسك بذقنه وهو يتأمل القطعة. وفي الوقت نفسه، تغيرت النظرة في عينيه، واختفى ذلك الحضور الضبابي الذي كان يحيط به.

«تتأهل للدخول إذا كنت تحمل رمز شركة بولونيل. لكن قبل ذلك، أود سؤالك عن أمر واحد؛ أيها الضيف القادم من ميلتور، هل تنوي حقًا المشاركة في بيت مزاد سيبوتو؟»

انبعث جو من الترهيب من جيبرا، لكن ثيو لم يتأثر به.

فخصمه كان ثيو، مالك أحد «الجريموارات»، ولن يرهبه أحد ما لم يكن بمستوى سيد.

وفوق ذلك، لم يكن ثيو يملك متسعًا من الوقت.

كان الانتظار بضعة أشهر بعد المزاد فترة طويلة للغاية، وكل يوم يمر كان يعني أن الوقت المتاح أمامه يتقلص أكثر.

لذلك، لم يكن مستعدًا للانتظار.

أومأ ثيو بملامح جادة، فأجاب جيبرا:

«حسنًا… إذن سأناديك بصاحب العمل من الآن فصاعدًا.»

Smiley🦆

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.