مساحة للحكاية، ووقت لك← منظور المؤلف
الفصل 49نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 49

49الفصل 49 – العواقب [1]

مرت بضعة أيام منذ الحفل، لكن أخبار ما حدث خلاله انتشرت في الأكاديمية بأكملها كالنار في الهشيم، حتى بات الجميع تقريبًا على علم بما جرى.

كنت مستلقيًا على سريري أحدق في السقف الأبيض لغرفتي، غارقًا في أفكاري الخاصة. كنت أظن أنه طالما لم أتدخل مباشرة في الخط الرئيسي للقصة، فلن يطرأ أي تغيير على المستقبل، وظننت أنني أحكم قبضتي على ذكرياتي لأجني منها منافع شخصية دون أن أمَس مجرى الأحداث. لكنني كنت مخطئًا؛ فمهما كان التغيير طفيفًا، بمجرد أن ينطلق… لا يمكن كبحه.

أدركت ذلك فجأة: تحول طفيف واحد كفيل بإحداث تقلبات جسيمة في القصة برمتها، تمامًا كأحجار الدومينو؛ فبمجرد سقوط القطعة الأولى، تتهاوى سائر القطع في سلسلة لا تنتهي من ردود الفعل.

كنت ساذجًا، بل كنت مغرورًا!

بسبب غروري، بدأ مسار الرواية ينحرف، وبدأت أفقد هيمنتي على الميزة التي امتلكتها بصفتي المؤلف. فالصدام بين إيلايجا وأماندا لم يكن مقدرًا له أن يقع في هذا التوقيت المبكر من الرواية، وتصرفاتي أثرت فيها حتمًا. ورغم محاولاتي طمأنة نفسي بأن الأمور ستسير على ما يرام، إلا أنني كنت أخادع نفسي فحسب؛ فلا يمكنني إنكار ما وقع أمام ناظريّ، ولا إنكار أن وجودي ذاته قد بدّل مجرى الأحداث.

…كنت بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة طريقة تفكيري بالكامل. لكن كيف؟ هل أنخرط بفاعلية مع أبطال القصة، أم ألتزم الظلال كما فعلت سابقًا؟

كنت تائهًا…

رن…

انتشلني رنين هاتفي من أفكاري، ففتحته لأطالع الإشعار المنبثق:

[أماندا ستيرن تهزم بمفردها الشرير من الرتبة D الذي تسلل إلى الأكاديمية وانتحل شخصية إيلايجا تيرنر…]

يبدو أن الأخبار تجاوزت أسوار الأكاديمية وبدأت تنتشر في الخارج… وخلال الأيام القليلة الماضية، رسخت أماندا مكانتها كواحدة من ألمع عباقرة جيلنا. وراحت ألقاب مثل "ملكة الجليد"، و"سَامية القوس"، و"قاتلة الأشرار" تتردد في أرجاء الأكاديمية بينما تسلطت كل الأضواء عليها. والدافع وراء هذا الاهتمام الصاخب… أنها أسقطت بمفردها شريرًا من الرتبة D رغم أنها ما زالت في البدايات المبكرة للرتبة E؛ عبقرية فذة بين النخب، وباتت تُقارن بكيفن نفسه من حيث الموهبة الفطرية.

أغلقت هاتفي، وربتُّ على كتفي بفخر؛ يبدو أنني طمست آثاري بإتقان تام، فلم يَرِد اسمي في أي تقرير. ويبدو كذلك أن توماس تكفل بالتغطية عليّ، مانعًا وصول أي خيط يربطني بالبلاغ.

"يبدو أنني مدين له بخدمة…"

ولحسن الحظ، ورغم هذا الانحراف الصغير، وبفضل توجه الأنظار بالكامل نحو أماندا، عادت وتيرة حياتي اليومية إلى سابق عهدها…

حسنًا، هكذا كان يُفترض، لكن…

بعد أن بدلت ثيابي ووصلت إلى قاعتي، لمحت عينين تحدقان بي بحدة من الجانب الأيسر للصف. ابتسمت بتكلف وأومأت بخفة لأماندا، راجيًا أن تلتقط الإشارة وتدعني وشأني، لكن حركتي تلك لم تزد نظراتها إلا حدة وثباتًا.

"هل يُعقل أنها تضمر لي ضغينة لأنني ألقيت بها تحت وطأة الأضواء الشهرة؟"

فكرت في ذلك وأنا أبذل قصارى جهدي للنظر إلى الأمام متجاهلًا نظراتها الثاقبة؛ فقد كان افتراضًا واردًا، إذ جعلت أفعالي أنظار العالم بأسره تتجه إليها، والشهوة قد تكون نقمة أثقل من النعمة.

"…أم أنها أساءت تفسير مدى قوتي؟"

بالتفكير في الأمر، من المرجح أنها ظنتني خبيرًا يخفي حقيقته؛ وهي لم تكن مخطئة كليًا، لكن حادثة تلك الليلة لا تعكس حقيقة مهاراتي بمفردها. فقتلي لإيلايجا لم يتحقق إلا بتضافر عوامل لا تتكرر: هجومها الأخير المشتت، واستهانته بي، وقبل كل شيء تفعيلي لـ [لا مبالاة الملك]… فقتله لم يكن إنجازًا استعرض به، ولا أمرًا يمكنني تكراره متى شئت. لكن لا مكان لـ "لو" في هذا العالم، وانتهى بي المطاف عالقًا مع أماندا وهي تحسبني ندًا لكيفن… وهذا مزعج للغاية.

"هم؟…"

وبينما كنت أتحسر على سوء فهم أماندا، لاحظت ميليسا، التي تجلس خلفها بثلاثة صفوف، مسار نظراتها الغريبة والتفتت نحو ما ترنو إليه… وسرعان ما استقرت عيناها عليّ.

رفعت حاجبها، وفركت عينيها للتأكد، ولما تيقنت من الأمر، نقرت بلسانها، ثم ارتسمت على ثغرها ابتسامة ماكرة وخبيثة.

شعرت فورًا بقشعريرة شؤم؛ فتلك الابتسامة المعهودة تعني حتمًا أنها التقطت طرف خيط!

"هل يمكنني الشروع في النواح الآن؟"

لهذا كرهت الاحتكاك بها؛ فهي ليست سادية تستعذب شقاء غيرها فحسب، بل من النوع الذي يرد الصاع صاعات.

ومن حسن حظي أن أحدًا لم يلحظ ما دار للتو؛ فقد كان كيفن وإيما مستغرقين في الحديث مع الآنسة دونا، بينما لزم جين الصمت في مقدمة الصف على غير عادته. فلو شاع أن منعزل الصف يتجاذب النظرات مع أجمل فتاتين في الأكاديمية، لشرعتُ فورًا في حجز مراسم دفني؛ فجيش معجبيهما كفيل بملء خمسة وعشرين ملعبًا!

«حسنًا، بدأت الحصة، ليتخذ الجميع مقاعدهم.»

رمقت دونا ساعتها وصرفت المتجمهرين أمام المنصة، رافعة كفها بحزم:

«الهدوء من فضلكم.»

ساد الصمت فورًا في أرجاء القاعة. لم أستطع إلا أن أُعجب بسطوتها الباهرة على الصف؛ فبإيماءة وكلمات مقتضبة تسكت الجميع، ولعل لكاريزمتها الطبيعية وفنها سحرًا يفرض الطاعة دون جهد.

«اليوم سنحدد المجموعات لرحلتنا الميدانية المرتقبة إلى هولبيرغ.»

"تبًا… لقد غاب هذا عن بالي تمامًا!"

شغلني أمر أماندا حتى نسيت الرحلة المقررة بعد أسبوع، والتي لم أكن راغبًا في خوضها البتة.

«تفضلوا إلى المنصة لسحب تذاكركم.»

وضعت دونا صندوقًا كبيرًا وأخرجت سجلها:

«سأناديكم بالترتيب التصاعدي للرتب، وستسحبون تذكرة تحدد مجموعتكم طوال أسبوع الرحلة. نبدأ بصاحب المركز الأول: كيفن فوس.»

نهض كيفن متجهًا إلى الصندوق وسحب تذكرته تحت أنظار الجميع المشدودة نحوه؛ فكل طالب يطمع في مرافقته لضمان الدرجات العالية بفضل تفوقه الكاسح في الأنشطة الافتراضية والجماعية.

سخرتُ في سري من سذاجتهم: تظنون أن الاعتماد عليه سيجلب لكم درجات سهلة؟ يؤسفني إحباطكم، لكن حادثة قادمة ستعطله عما هو مقرر له في هولبيرغ.

عاد كيفن لمقعده دون أن يكشف رقمه للعيان، لكنني لست بحاجة لرؤيته؛ فأنا أعلم أنه سقط في [المجموعة 7]، وستكون ميليسا رفيقته فيها.

«التالية: ميليسا هول.»

تقدمت ميليسا وسحبت تذكرتها وعادت في هدوء، حاصدة النظرات المفتونة بجمالها الآسر.

«التالي: جين هورتون.»

…

«التالي: رين دوفر.»

أخيرًا جاء دوري، وبينما انصرف معظم الطلاب عن الاكتراث بي لتدني رتبتي، شعرت بزوجين من العيون يخترقان ظهري. تجاهلتهما بجهد، ووقفت أمام دونا التي قالت دون أن ترفع بصرها نحوي:

«اسحب تذكرتك وغادر.»

كتمت امتعاضي من جفائها، ومددت يدي داخل الصندوق موجهًا قليلًا من المانا خلسة؛ فرغم براعة ميليسا في التمويه، لم تخفَ عليّ التعويذة الصغيرة التي دستها في الصندوق. سحبت تذكرتي، وأثناء عودتي، لمحت وجه ميليسا يمتعض باشمئزاز شديد وكأنها ابتلعت شيئًا قبيحًا… كان شعورًا لا يُقدر بثمن!

غمزت لها بخبث وجلست متجاهلًا إياها:

"هيه هيه هيه… أتظنين أنني لن أفطن لمكائدك؟ أنا صانعكِ يا فتاة، فكيف تخفى عليّ حيلكِ؟"

فبمجرد التقاطي لابتسامتها الماكرة، استنتجت أنها تلاعبت بالتذاكر لتوقعني في أسوأ مجموعة ممكنة، ولعلها رغبت في حشري مع أماندا بعدما رأت نظراتها نحوي… لكن لسوء حظها، أبطلتُ سحرها في اللحظة المناسبة.

صفقت دونا لجذب الانتباه:

«حسنًا، الآن وقد عرفتم مجموعاتكم، يمكنكم الانصراف… آه، نسيت أمرًا!»

قلبت تذكرة نموذجية بيديها وأردفت:

«في الخلف ستجدون رقم القاعة وقائمة المهام المطلوبة منكم لإنجازها خلال الرحلة، فتوجهوا إلى قاعاتكم فورًا للتنسيق مع فرقكم.»

قلبتُ تذكرتي لأطالع ما كُتب خلفها:

[المجموعة 9]

[قاعة المجموعة: 15 (b)]

[المهام:]

* [تقرير مفصل عن معالجة أجزاء الوحوش وسلخها وتحويلها لمواد خام للقطع الأثرية.]

* [تقرير تحليلي لخصائص أجزاء الوحوش من الكثافة والمرونة ونقاط الكسر.]

* [مقابلة نائب مدير المصنع وتوثيق الاستراتيجية الاقتصادية للمنشأة.]

تنهدتُ بضيق أمام هذا السيل من الواجبات المملة التي تثقل كاهلي. حزمت دونا أغراضها وغادرت، بينما نهضتُ متثاقلًا نحو القاعة 15 (b) لملاقاة زملائي.

"فلنأمل فقط أن أقع مع رفاق أسوياء…"

رغم علمي بأنه رجاء بعيد المنال، إلا أن التمني يظل حقًا مشروعًا…

🦆Smiley.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.