مساحة للحكاية، ووقت لك← منظور المؤلف
الفصل 50نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 50

50الفصل 50 – العواقب [2]

داخل قاعة صغيرة بحجم غرفة نوم تقريبًا، جلس شخصان متقابلين: فتاة وشاب. كان الفتى مطأطئ الرأس يرمق الفتاة بنظرات حذرة متوجسة، بينما جلست هي عاقدة ذراعيها وساقيها، ووجهها يفيض ظلمة لا نظير لها. بدا المشهد برمته أشبه بمحاكمة جنائية يمثل فيها الفتى في قفص الاتهام.

كسرت الفتاة الصمت بصوت ثقيل يقطر وعيدًا:

«رين. دوفر.»

«…مـ… مر وقت طويل يا ميليسا.»

نعم، الفتى الواقع تحت وطأة هذا الاضطهاد كان أنا. جلست قبالة ميليسا، مجاهدًا بكل ما أوتيت لتفادي عينيها؛ ففي هذه اللحظة كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة باردة، لكن عينيها كانتا تخبران بأمر آخر تمامًا، وكأنها لا ترغب في شيء سوى افتراسي حيًا.

ولماذا هي في هذا المزاج المتعكر؟

نظرت إلى بطاقتي وبطاقتها، فكادت العبرات تطفر من عيني:

[المجموعة 9]

لقد ارتدت خطتي عليّ بأسوأ صورة ممكنة!

«…هـ… هل تصدقينني إن أخبرتكِ أن الأمر لم يكن سوى محض صدفة؟»

«صدفة؟ تفضل واشرح لي ما تعنيه بالتحديد. أذكر أنني لمحت حشرة تغمز لي بخبث أثناء الحصة… أم أن بصري خانني؟»

«آه…»

"ليغثني أحدكم!"

جُلت بنظري في أرجاء الغرفة في ارتباك، فاستقرت عيناي على سائل أسود مستقر في قارورة وسط الطاولة، وحاولت يائسًا تغيير مجرى الحديث:

«ما هذا؟»

وكأنها كانت تترقب سؤالي، لاحت على ثغرها ابتسامة ساحرة:

«مستحضر جديد كنت أعكف على اختباره خصيصًا لأجلك… وبالمجان.»

ضيقت عينيّ، وأرجعت مقعدي إلى الخلف قائلًا بحذر:

«وما مفعوله؟»

وضعت كفها على فمها، وأطلقت ضحكة خافتة:

«لا شيء يُذكر؛ سوى أنه سيجعلك تتقيأ عشرات المرات وتتجرع عذاب الجحيم. وما يجعله فريدًا حقًا هو أنك إن كنت محظوظًا كفاية، فربما تتقيأ أحشاءك مما سيعجل بنهايتك في التو.»

«…أيمكنني الانسحاب؟»

كان أمرًا يثير القشعريرة بحق كيف تسرد كل تلك الفظائع بوجه جامد.

بانغ!

وفي غمرة يأسي، انفتح الباب ليدخل ثلاثة شبان تفوح منهم رائحة التعالي. وما إن جابوا الغرفة بأبصارهم حتى لمسوا وجود ميليسا جالسة قبالتي، وفي طرفة عين، انحسر جانب كبير من صلفهم.

«مرحبًا، ميليسا هول.»

تقدم من بدا أنه قائدهم، وانحنى أمامها بأناقة مصطنعة. كانت ملامحه متناسقة بلا شائبة، مع عينين وحاجبين حادين أضفيا عليه سمة راقية؛ شعر أسود قصير وعينان خضراوان كلون اليشم المشذب، مظهر كفيل بجعل الفتيات يفتتنّ به.

«إنه لشرف عظيم أن أحظى بلقاء ميليسا هول، إحدى فاتنات أكاديميتنا ورائدة البحث العلمي.»

توقف برهة، وسوى سترته ثم أردف:

«اسمي دونالد بيرسون.»

"من؟ شخصية ثانوية أخرى تتوهم أنها محور الكون."

لو كان بمقدور هذا الفتى قراءة خواطر ميليسا في هذه الهنيهة، لولى الأدبار مذعورًا.

ابتسمت ميليسا وردت عليه:

«أنت دون شك صاحب الترتيب 167، دونالد بيرسون، نجل بطل الرتبة A في نقابة النور النجمي.»

انتشى دونالد واعتدل بزهو، ثم رمقني بنظرة استعلاء ساخرة.

"هم؟ وما خطبي أنا؟ أهو فخور إلى هذا الحد لمجرد أنها تعرف هويته؟"

تجاهلت ميليسا إشارته الضمنية نحوي، وقالت بأدب جاف:

«بمَ يمكنني مساعدتك؟»

بدا لي صوتها وكأنها تصيح: "أنهِ ما عندك وارحل، فلا طاقة لي بالتعامل مع أمثالكم"، لكن ربما كان ذلك نابعًا من تحيزي الشخصي.

«آه، دعيني أُعرفكِ ببقية رفاق المجموعة أولًا.»

تنحى دونالد ليفسح المجال لأحدهم:

«هذا صاحب الترتيب 298، إيفان سموك.»

برز من خلفه فتى ممتلئ القوام، ذو شعر برتقالي ونمش يعلو وجنتيه؛ وضع يديه خلف ظهره ونظر بازدراء يذكرني بنبلاء الروايات المبتذلين.

انحنى إيفان قائلًا بتملق فج:

«تشرفت بلقائكِ يا ميليسا هول. لطالما بلغتني أنباء إنجازاتكِ منذ نعومة أظفاري، وكنت أترقب يوم لقائنا، والآن أستطيع الجزم بأنه لا توجد امرأة على هذا الكوكب تضاهيكِ حسنًا.»

"مبالغة مقيتة في المداهنة."

على خلاف دونالد، كنت أعلم من يكون هذا؛ ليس لأهميته، بل لتذكري إياه كشخصية إضافية تافهة كتبت عنها في الرواية تظهر في الرحلة وتتطاول على كيفن ليُسحق على الفور.

التفت دونالد بعد ذلك نحو الفتاة الأخيرة:

«…وهذه صاحبة الترتيب 475، كاساندرا لي.»

وقفت فتاة نحيفة بشعر محلوق قصير جدًا، واضعة يديها في جيوبها وتمضغ علكتها بلا اكتراث وهي تحدق في ميليسا. كان في شفتها وأنفها أقراط، وكحلها وظلالها السوداء أضفيا عليها طابعًا كئيبًا، مع أساور معدنية وزي غير مهندم.

قالت باقتضاب:

«سعيدة بلقائكِ.»

أعادت ميليسا بصرها إلى دونالد:

«تشرفت بلقائكم. إذن، ما غايتكم؟»

«لا شيء ذو بال؛ جمعتنا مجموعة واحدة، فأردت توطيد أواصر التعارف تمهيدًا للعمل سويًا في الرحلة، هاهاها.»

ضحك دونالد بتكلف وشاركه رفيقاه النظرات المتلهفة لميليسا.

تنهدت في داخلي: "ألا يمكنكم أن تكونوا أكثر مباشرة؟ لو أردتم التودد إليها فقولوا ذلك دون هذا اللف والدوران."

فطن دونالد لردة فعلي، فتبدلت ضحكته إلى ملامح مكفهرة:

«ما المضحك في الأمر؟»

قلبت عينيّ وأجبته:

«أسبوع كامل يفصلنا عن الانطلاق، وعوضًا عن تقسيم المهام، تنشغل باختلاق الصداقات.»

استشاط دونالد غضبًا واعترف بوجودي أخيرًا متسائلًا:

«ومن تكون أنت أصلًا؟»

«رين دوفر، صاحب الترتيب 1750.»

دوّت القاعة بضحكاتهم الساخرة:

«هاهاها! رتبة 1750 وتتجرأ على مخاطبتي بهذه النبرة؟»

«هوهوهو! لم يخطر ببالي أن وجود مرتبة متدنية كهذه حقيقة واقعة!»

«أكاد أجزم أنه إن وُجد تصنيف للثرثرة الفارغة لتربع في صدارته!»

رمقتهم بملل وقلت:

«عوضًا عن واهم واحد، أُبتلى بثلاثة معًا؟ يا للمأساة.»

«…»

ساد الوجوم فجأة، ثم ثار دونالد وصاح:

«ماذا؟!»

استل رمحه من خاتمه البعدي، وصوّب نصله الحاد نحوي مغلفًا بهالة زرقاء:

«الزم حدودك واخرس قبل أن أستأصل لسانك بمهارتي وموهبتي التي لا يحلم نكرة مثلك ببلوغها!»

استدعيت سيفي فورًا من سواري، ولفه توهج أبيض، ورددت:

«بل اخرس أنت! ألا تكف عن ترديد عبارات الأشرار السخيفة من الدرجة الثالثة؟»

صر دونالد على أسنانه بحقد وافتعل حركة هجومية بالرمح، لكنني لم أطرف حتى.

«…غغغ!»

ولما أدرك أن خدعته الرخيصة لم تفلح، اشتد غيظه، بينما رفعت له إصبعي الأوسط ساخرًا:

«أتريد الرهان على أنني لا أحتاج حتى لرفع إصبعي لأفصل رأسك الأجوف عن كتفيك؟»

«أيها الوغد!»

فقد صوابه وشرع في تسديد طعنة حقيقية، لكن تنهيدة ضجرة من الخلف جمدت حركته.

«…تنهد.»

كانت ميليسا تغطي وجهها بكفيها في قمة الامتعاض:

«ألا تخجلون من هذا العبث الطفولي؟»

«لـ… لكنه هو من بدأ!»

رمقته بنظرة ازدراء لاذعة:

«أأنت رضيع؟ "هو بدأ، هو بدأ"؟ أتعلم كم يعني لي ذلك؟»

رسمت حلقة بإبهامها وسبابتها وقالت:

«صفر مكعب.»

نكس الثلاثة رؤوسهم خجلًا؛ فمع مكانة ميليسا لم يجرؤوا على النبس ببنت شفة، وكلما حاول أحدهم الاستدراك، أسكتته بنظرة حارقة.

«كفوا عن إطلاق هذا الهراء واشرعوا في العمل. كان أملي أن أُوضع مع كائنات عاقلة، لا قطيع من الحمقى لا يجيدون سوى الرقص والثرثرة! الزموا الصمت، فمجرد تنفسكم يصيبني بالغثيان، وإن أردتم نفعي فتوقفوا عن التنفس تمامًا!»

«ههه.»

لم أتمالك نفسي من الضحك الشامت على خيبتهم.

«وأنت… ما الذي يضحكك؟»

«هم؟…»

«نعم، أنت! أعدمهم فائدة وأكثرهم تفاهة، ومع ذلك تجلس متفرّجًا كأنك في مسرح؟!»

«لكن…»

«اخرس، واقتدِ بهم وتوقف عن التنفس أنت أيضًا!»

لزمت الصمت؛ فقد أدركت تمامًا أنها تنفث غيظها مني لعلمها بسخريتي السابقة منها. التفتُّ يمينًا فرأيت الثلاثي يبتسمون بشماتة.

"حسنًا… ثلاثة أسماء جديدة تُضاف لقائمتي السوداء. انتظروا فقط، سأمحو تلك البسمات عن قريب."

«تنهد… فلننهِ هذه المسألة سريعًا.»

جلست ميليسا ووزعت المهام بجفاء ودون اكتراث لآرائهم:

«أنتما الاثنان مسؤؤولان عن المهمة الأولى.»

أشارت إلى إيفان وكاساندرا، ثم تابعت:

«وأنتما تتكفلان بالمهمة الثانية، بينما سأتولى أنا المهمة الثالثة بمفردي.»

نظرتُ إلى دونالد ونظر إليّ؛ عيوننا تصرخ برفض قاطع، لكننا اصطنعنا ابتسامات ودية بلهاء خوفًا من بطش ميليسا.

وهكذا وُزعت المهام: كاساندرا وإيفان للمهمة الأولى، أنا ودونالد للثانية، وميليسا للثالثة.

«أضعتُ ما يكفي من الوقت في هذه الحضانة. سأغادر الآن، فلدي ما هو أهم لأنجزه.»

ألقت التذكرة ونهضت منصرفة، ولحق بها الجميع.

خرجتُ متأملًا السماء التي توشحت بالظلمة، وأطلقت تنهيدة ثقيلة:

"ستكون رحلة شاقة وطويلة جدًا…"

🦆Smiley.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.