الفصل 143
الحلقة 143
بعد مرور أسبوع.
المكتب المركزي لإدارة المكافآت.
“بيك-“
“بيك-“
“بيك-…”
ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، لا يقطعه سوى وميض أحمر يظهر بانتظام؛ كان ذلك الضوء المنبعث من أجهزة الفحص في كل مرة يشغلها الموظفان “أورنيل” و”ريمي”.
عندما انتهيا من فحص جميع النوى، بدأ ريمي بجمعها في الأكياس بعينين غائرتين من التعب.
وضع أورنيل جهاز الفحص جانباً ورفع رأسه، ليجد أمامه فارساً— بل مرتزقاً— ذا سمات هادئة يراقبه.
سأل أورنيل بصوت متردد: “ألم.. ألم تحضر معك كيس مانا مليئاً بنوى من أحجار صغيرة بالأمس فقط؟”
أجاب المرتزق: “أجل، هذا صحيح.”
“وقبل يومين، غزوتَ حجراً متوسطاً.”
“نعم.”
“والذي قبله، حجرين صغيرين…”
“ربما كان الأمر كذلك.”
أطبق أورنيل شفتيه وقد لجمت الصدمة لسانه. في تلك الأثناء، كان عضو آخر من فيلق “أغابيرت” يفرغ المكافآت المالية في عربة بجانبهما.
استجمع أورنيل شتات نفسه وسأل بذهول: “كيف تفعلون هذا بحق الخالق؟”
رفع إنزو رأسه عن عدّ أكياس العملات الذهبية، بينما سأل راؤول بابتسامة باهتة:
“ماذا تقصد؟”
“الغزو! كيف تنجزونه بهذه السرعة؟!”
يعمل أورنيل في هذا المكتب منذ عشرين عاماً، قابل خلالها أعداداً لا تُحصى من المرتزقة، وكان أغلبهم ممن لهم سمعة مرموقة في هذا المجال؛ فهؤلاء هم من يترددون على العاصمة ويتعاونون مع فرسان المعبد لغزو أحجار المانا.
ولكن…
‘حتى فيلق “ريم ريبر” أو “تريفاغا” الشهيران لم يحضرا نوىً بهذه السرعة أبداً!’
استرجع أورنيل أحداث الأسبوع الماضي برأس يدور من الدهشة. لم يمر يوم واحد دون أن يطرق أعضاء “أغابيرت” باب مكتب المكافآت لتسجيل عمليات الغزو واستبدال النوى بالمال.
“هل ربما تقومون بتقسيم غنائم أحجار غزوتُموها سابقاً وتحضرونها لنا على دفعات؟”
انفجر راؤول ضاحكاً: “حتى لو فعلنا ذلك، فإن أجهزة الفحص ستكشفنا يا سيادة المدير.”
نظر أورنيل نحو ريمي، الذي أجاب بصوت جاف:
“… الإحداثيات مختلفة. نوى اليوم من ’غابة غارغونتا‘، ونوى الأمس من ’سهول سيلبورن غليد‘.”
اتسعت عينا أورنيل أكثر:
“وهذا هو الأغرب! غابة غارغونتا في أقصى شمال الإمبراطورية، بينما سيلبورن غليد في أقصى الجنوب!”
“حسناً، يبدو الأمر كذلك، أليس كذلك؟”
“تحتاج الرحلة بينهما إلى شهر كامل! فكيف تقولون إنكم ذهبتم إلى كليهما بالأمس واليوم؟!”
هز أورنيل رأسه بعنف وكأنه يحاول الاستيقاظ، ثم ابتلع ريقه وضغط على إنزو قائلاً:
“وجدتها! لا بد أنكم تستخدمون عدة لفافات انتقال معاً، أليس كذلك؟ ولكن هل يعقل هذا؟ إن حرق عشرات اللفافات لغزو حجر واحد سيجعلكم تخسرون أكثر مما تربحون! لا، انتظر.. أهي ليست لفافات انتقال؟”
فحتى لو استُخدمت لفافات متعددة، فلا يمكن الاقتراب من الحجر مباشرة لدواعي الأمان؛ إذ يتوقف مفعولها عادةً عند مسافة تستغرق ساعتين أو يوماً كاملاً سيراً على الأقدام.
“إذن كيف..”
عندما رأى إنزو الحيرة تزداد في عيني أورنيل، قال بمزاح:
“لا يهم كيف غزوناها، المهم هو أننا فعلنا. بفضلنا، تتناقص أحجار المانا التي تهدد مواطني الإمبراطورية الأبرياء كل يوم، أليس كذلك؟”
ضحك بودّ وهو يضع أكياس الذهب في العربة، ثم ربت على كتف راؤول: “لنذهب يا أخي.”
نهض الاثنان وانحنيا احتراماً لأورنيل وريمي قبل الانسحاب.
“نراكم غداً إذن.”
أُغلق باب المكتب بضجيج خفيف، فزفر أورنيل بذهول وجلس على كرسيه:
“هل جنّ جنون ملك الأرواح..؟”
أحجار المانا منتشرة بشكل عشوائي في القارة، والوصول إليها يحتاج عادة لأسابيع والعودة منها لأسابيع أخرى. وفوق ذلك، سواء كان المرتزق فارساً أو محارباً، فهو بشر يحتاج لراحة بعد القتال المرير مع الوحوش.
‘لكنهم يغزون الأحجار دون راحة؟ كيف قطعوا تلك المسافات الشاسعة بهذه السرعة؟’
خلال الأسبوع الماضي، قابل أورنيل جميع أعضاء أغابيرت تقريباً باستثناء الملك الصغير نفسه. حتى أنه قابل في اليوم الثالث مدبرة منزل في منتصف العمر تعمل لديهم.
‘يا إلهي، أعضاء الفيلق مشغولون جداً، لذا أتيتُ بدلاً منهم.’
تلك المدبرة، التي لم تكن مرتزقة حتى، جاءت برفقة صبي صغير لتسلم المكافآت، لدرجة أن أورنيل قلق من أن يتعرضا للسرقة في طريقهما.
“سيادة المدير، انظر لهذا.”
أحضر ريمي المستندات الخاصة بأغابيرت، والتي توضح تغيراً جديداً في الترتيب بعد تسجيل نوى اليوم.
“المركز التاسع؟”
تجاوزوا ثلاثة من فيالق النخبة في أسبوع واحد فقط.
ختم أورنيل المستندات وهو يهمس كالممسوس:
“مجانين.. أجل، لا بد أنهم مجانين…”
تذكر ملك الأرواح الذي رآه أول مرة، يبتسم ببراءة كالأطفال بينما يحضر كميات مهولة من النوى. ومنذ ذلك اللقاء، صار “ملك الأرواح” في عقل أورنيل مرادفاً للرعب.
“إنه وحش أسوأ من تيسيتان. يصيبني بالقشعريرة.”
“أما أنا، فتصيبني هذه الكمية من العمل بالقشعريرة،” علق ريمي.
لم يسمع أورنيل ما قاله ريمي، بينما أخذ الأخير المستندات المختومة وتوجه نحو جدار خشبي كبير في منتصف المكتب، حيث تُعرض إحصائيات الفيالق النشطة. بينما كان يثبت ورقة أغابيرت في أقصى اليمين، لاحظ تقريراً حديثاً عن فيلق “تريفاغا” معلقاً في المنتصف:
[تريفاغا – تقرير الحالة:
لا يزال نشاط الغزو في القارة الشمالية مزدهراً.
بفضل ذلك، تم تأمين أرباح طائلة من دوقية إسكارو، وجلالة الإمبراطور ينظر للأمر بإيجابية.
ملحوظة: وقع صدام مؤسف بين بعض أعضاء تريفاغا والكنيسة، الجميع بخير حالياً…]
ابتعد ريمي عن اللوحة بوجه شاحب: “… ليس أغابيرت وحدهم، كل المرتزقة مجانين…”
. . . * * * . . .
في هذه الأثناء.
كانت تييه تجلس على كرسي في غرفة الطعام بانتظار راؤول وإنزو، وأرجحت ساقيها في الهواء بملل. سألها بيل الجالس بجانبها: “أيتها الصغيرة، هل سنذهب الليلة أيضاً؟”
هزت تييه رأسها: “كلا! اليوم يوم راحة!”
ظهرت علامات التعجب على وجه بيل: “لقد كنتِ تلحين علينا كل يوم للذهاب، ما الذي تغير اليوم؟”
بدلاً من الإجابة، أشارت تييه بعينيها إلى الطاولة؛ حيث كان بوبو يجلس، وأمامه مارباس الذي بدا خشبه ذابلاً ومنهكاً.
[كـر-رر.. لا أستطيع فعل المزيد..! يجب أن أدخر قوتي اليوم على الأقل!]
هزت تييه كتفيها وقالت:
“يقول مار-رر إن تطوير لفافتين يومياً أمر مرهق جداً. لذا أخبرتُه أن يرتاح اليوم وغداً. لأن تييه مديرة طيبة!”
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه بيل:
“حسناً، نحتاج للراحة فعلاً.”
طوال الأسبوع، لم يتوقف أعضاء الفيلق عن الغزو. في الحالات الصغيرة، كان الأمر يسير بسلاسة حتى دون تدخل تييه، وحتى الأحجار المتوسطة لم تكن بالصعوبة السابقة. فبعد أن صار الفيلق يملك أموالاً طائلة، وتزود الأعضاء بمعدات حربية ممتازة، ارتفعت قوتهم القتالية بشكل كبير.
“لقد أبلى ’الأسود‘ (لوكاريون) بلاءً حسناً،”
قال بيل.
لكن أكثر من أي سلاح، كان حاجز لوكاريون هو الأهم، وكذلك ضباب بوبو الذي يحجب رؤية الوحوش لحظياً.
“مقارنة بالأيام التي كنا ننفذ فيها المهمات ونحن جائعون، تبدو حركاتنا الآن خفيفة بشكل لا يصدق. حقاً، يحتاج الإنسان لتغذية جيدة،”
علق بيل بينما كان باستو يبتسم بخفة.
*ترن!*
رن جرس الباب الأمامي للمطعم برنة رقيقة.
قفزت تييه من كرسيها: “لا بد أن راؤول وإنزو قد وصلا!”
هرعت الصغيرة مع بقية الأعضاء نحو المدخل وفتحت الباب على مصراعيه:
“أخي راؤول، إنزو…! هاه؟”
لكن الواقف أمام الباب لم يكن توأم “ويفريل”.
“معذرة! لقد تأخرنا قليلاً بسبب انسداد الطرق البحرية…! لقد جئنا لنأخذ سيلينا!”
كان هناك جيران المنزل المقابل؛ الزوجان “بالمور”، يقفان بوجهين يبدو عليهما أنهما على وشك البكاء من شدة الشوق.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.