الفصل 129
نزلت تيه من على الكرسي بسرعة البرق. نظرت بتبادل بين ليوناردو والمفكرة الملقاة على الأرض، ثم هتفت:
“تيه هي المخطئة!”
تراجعت بسرعة وهي تلتقط المفكرة بضعف وارتباك، ثم مدتها نحو ليوناردو قائلة:
“تيه ستخرج حالاً؟”
“…… لا، انتظري لحظة.”
لكن ليوناردو أمسك بتيه وكأنه مرتبك هو الآخر، ثم عقد حاجبيه قليلاً وقال:
“ليس عليكِ الخروج. لم أقصد ذلك.”
مالت تيه برأسها حيرة:
“لكن تيه دخلت هكذا بدون استئذان……؟”
“بدون استئذان؟ لقد دخلتِ لأن الباب كان مفتوحاً. إذا أردنا لوم أحد، فهي مسؤوليتي لأنني لم أقفل الباب.”
انفتح فم تيه من الدهشة. نظرت بتردد إلى المفكرة التي في يد ليوناردو وسألت:
“إذًا، لا بأس لأن تيه رأت مفكرة السيد السرية؟”
حدق ليوناردو في تيه بنظرة غامضة، ثم أجاب بهدوء:
“لا بأس. فهي ليست ملكي على أي حال.”
مشى نحو الأريكة المقابلة وجلس، ثم أشار لتيه بالجلوس بجانبه. مشت تيه بخطوات مترددة وجلست بجوار ليوناردو، بينما كان “كامانغ” و”بوبو” يستندان إلى المكتب ويراقبان ليوناردو بحذر.
قال ليوناردو وهو يلاحظ وجودهما:
“…… أن تتجولي ومعكِ مستدعيان دائمان في هذا العمر، هذا أمر مذهل.”
انتشر شعور بالفخر تدريجياً على وجه تيه. تخلت الطفلة عن حذرها في وقت قصير وضحكت “هيهي”:
“سيد فضلات الطيور مذهل أيضاً! لديه الكثير من الأتباع!”
ظهر الارتباك على وجه ليوناردو وهو يتذكر لقاءهما أمام مكتب المكافآت. لمس خده دون أن يشعر وسأل:
“…… شكراً لكِ. هل تم غسل ذلك المنديل جيداً؟”
“نعم! العمة مارشال ساعدتني وأصبح أبيضاً مجدداً!”
“جيد، هذا يبعث على الارتياح.”
“لكن، لمن تلك المفكرة التي كانت هنا؟”
عند سماع هذا السؤال الصافي، خفض ليوناردو نظره إلى المفكرة التي في يده، ثم أجاب ببطء بعد فترة:
“إنها لأخي الأصغر.”
“أخ أصغر؟ هل تقصد السيد ألكسندر؟”
ضحك ليوناردو على الاسم الغريب الذي أعادت تيه صياغته، وهز رأسه بلطف:
“لا، أخ أصغر آخر.”
انفتحت شفتا تيه قليلاً. كانت تيه قد فهمت تقريباً ترتيب الإخوة الثلاثة في لومينين أثناء مأدبة الأمس.
’الأخ الأكبر الضخم هو سيد الفوانيس، والأخ الذي يليه هو سيد فضلات الطيور، وأصغرهم هو السيد ألكسندر.‘
فجأة، اتسعت عينا تيه:
“آه!”
تذكرت الآن، أبناء القائد الأعلى لم يكونوا ثلاثة، بل أربعة. هتفت تيه بوجه مشرق:
“إنها للسيد رقم 4!”
ضحك ليوناردو مرة أخرى:
“نعم، إنها للسيد رقم 4.”
“لكن لماذا السيد رقم 4 ليس في البيت؟”
صمت ليوناردو. مسح بإبهامه على غلاف المفكرة مرتين قبل أن يجيب:
“لأنه لم يعد يعيش معنا.”
“هم عائلة ولكن لا يعيشون معاً؟”
أومأ ليوناردو برأسه. فتحت تيه فمها، ثم تمتمت بتعابير حزينة وكأنها تحدث نفسها:
“فهمت، السيد رقم 4 قام بـ’الاستخلال‘ (الاستقلال) مثل تيه.”
لم تكن تيه تعرف التفاصيل المعقدة لرحيل أصغر أبناء لومينين، لكن أن يترك هذا البيت الرائع وأباً قوياً وإخوة هكذا ليختلي بنفسه، فلا بد أن هناك أسباباً معقدة وصعبة للغاية.
“حقاً الحياة……”
لا يمكن التنبؤ بها أبداً. ربتت تيه على ركبة ليوناردو لمواساته:
“سيد فضلات الطيور، لا تقلق. السيد رقم 4 سيعود قريباً.”
ظهر الفضول على وجه ليوناردو:
“حقاً؟ ولماذا؟”
لوحت تيه بيدها بجدية:
“لأن أسعار البيوت غالية جداً هذه الأيام. لذا قال الكبار إن أهل المدينة جميعاً سيصبحون ’كنغراً‘. أتعرف ما هو الكنغر؟ هو أن تستمر في العيش مع ماما وبابا لتوفر المال.”
عقد ليوناردو أحد حاجبيه، لكن ابتسامة خافتة ظهرت على شفتيه:
“…… نعم. سيكون جيداً لو حدث ذلك.”
بعد أن استعاد ذكرياته القديمة للحظة، أدار رأسه ليرى تيه لا تزال تنظر إليه بعينيها المتلألئتين.
مسح ليوناردو على رأس تيه دون وعي منه:
“شكراً لكِ. لمواساتي.”
حتى الصباح، كان لا يزال يعتقد أن كل هذا جنون. لكن الآن، بدأ هو أيضاً يفهم قليلاً.
’هل كان إدموند وألكسندر يشعران بهذا في الصباح؟‘
شعر بحرارة الطفلة التي لمست أطراف أصابعه، واهتز قلبه لسبب ما.
كل ليلة، كان يزور هذه الغرفة الصغيرة مئات المرات، ويقضي الوقت هباءً أمام المكتب الذي كان يجلس فيه ثيسيوس الصغير وحيداً.
ظل ليوناردو يتأمل أستيه لبعض الوقت، لأن الابتسامة التي ارتسمت على وجه الطفلة بدت وكأنها تهدئ آلامه القديمة.
. . . * * * . . .
في اليوم التالي.
زادت تيه وفرقة أغابيرت من سرعتهم في البحث. وبعد المساء، انضم إليهم أبناء لومينين الثلاثة بعد انتهاء أعمالهم. وبفضل ذلك، انتهت مراجعة الوثائق أسرع من المتوقع، ولكن…
“…… أيتها الصغيرة، هل أنتِ بخير؟”
كانت دموع غليظة على وشك السقوط من عيني تيه.
“زعيمتنا……”
نزلت تيه من الكرسي بتثاقل متجاهلة نداءات أعضاء فرقتها، ومرت من أمام الجميع لتختبئ خلف الستار في الزاوية.
“أستيه.”
ناداها نورديكس، لكن تيه كانت تنتحب بكتفيها الصغيرين المنكمشين:
“تيه…… تريد أن تلعب وحدها قليلاً.”
تبادل المرتزقة نظرات قلقة بسبب صوتها الفاقد للحيوية. وعندما همَّ بيل بالتقدم نحو تيه، منعه نورديكس:
“…… اتركها. حتى لو كانت طفلة، فهي تحتاج وقتاً لترتيب مشاعرها.”
نظر نورديكس إلى المرتزقة بوجه جاد وأضاف:
“من الأفضل أن نبقى أنا وباستو فقط، ويخرج الباقون.”
أومأ المرتزقة برؤوسهم بتردد، وسرعان ما غادر الجميع قاعة المؤتمرات باستثناء باستو ونورديكس. وبمجرد إغلاق الباب، ارتفع صوت نحيب أستيه. دفنت تيه وجهها بين ركبتيها.
’…… غير موجود.‘
لقد بحثت في مخططات فرسان المقدسات في تولوتشيوم، بل وفي كل دول العالم، ولم تجد بابا.
إذًا أين يمكن أن يكون بابا؟ لقد جاءت إلى هنا فقط لتجده……
لكن في تلك اللحظة، خطرت فكرة في ذهنها.
’لا، ليس الأمر أن بابا غير موجود.‘
بابا موجود بالتأكيد. لقد رأته تيه بعينيها في ميناء بيرل سيتي. ثم تمتمت تيه بصوت خافت:
“ذلك الحلم……”
تذكرت الحلم الذي رأته في الليلة التي فقدت فيها بابا. رغم مرور وقت طويل، إلا أن الحلم ظل حياً في ذاكرتها لسبب ما.
’في الحلم، كان الناس ينادون بابا بـ”الزعيم” (دانجو).‘
في ذلك الوقت، كانت تيه قد وصلت لتوها لهذا العالم، لذا لم تكن معتادة على الألقاب التي تُطلق على الفرسان أو المرتزقة، والأهم من ذلك أنها صدقت ما قاله بابا لها: إنه “فارس مقدس”.
لكن تيه الآن تعرف الحقيقة بوضوح:
أولاً: بابا ليس في سلك الفرسان المقدسين، لأنها بحثت في المخطط العام ولم تجده.
ثانياً: لقب “الزعيم” لا يُستخدم لمناداة الفرسان المقدسين، بل يُستخدم لرؤساء فرق المرتزقة.
’وأيضاً……‘
ثالثاً: في ذلك الحلم، ظهر باستو أيضاً، وكان تابعاً لبابا. إذا كان بابا فارساً مقدساً حقاً، لكان باستو فارساً مقدساً أيضاً.
انتفضت تيه واقفة، وخرجت من خلف الستار لتركض نحو باستو:
“سيد باستو!”
رأى باستو تيه والدموع تملأ عينيها، فمسح وجنتيها بسرعة:
“نعم، نعم يا تيه.”
“هل فكرت يوماً في أن تصبح فارساً مقدساً؟”
ظهر الذهول على وجه باستو من السؤال المفاجئ، لكنه هز رأسه بعد قليل:
“لم يحدث ذلك أبداً.”
“لماذا؟ ماذا لو قيل لك في المستقبل إنه يمكنك أن تصبح فارساً، ألن تقبل؟”
“لن أقبل.”
“لماذا لا؟”
“الفرسان المقدسون قد يبدون في مهنة أفضل من المرتزقة، لكنهم يفتقدون لأهم شيء: الحرية.”
صمتت تيه.
“على عكس المرتزقة، يلتزم الفرسان بخدمة الكنيسة والبلاط الإمبراطوري. وأنا أكره أن أُقيد بشيء لا أعترف به. بدلاً من أن أكون فارساً، أفضل……”
توقف باستو قبل أن يقول “الموت”، خشية أن يستخدم كلمات خشنة أمام طفلة.
“تيه!”
فجأة، ركضت تيه خارج قاعة المؤتمرات، واصطدمت بكبير خدم فالنتيس الذي كان واقفاً خلف الباب وسقطت:
“آخ…… أوه؟”
وعلى وجه الطفلة المبلل بالدموع، التصقت ورقة سقطت من بين أوراق كبير الخدم.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.