الفصل 124
“انتظر… لحظة واحدة.”
بمجرد أن أنهى فالنتيس كلامه، انتصب بيل واقفاً في مكانه. دفع راؤول وإينزو كرسييهما للخلف أيضاً، وبدا الجميع متأهبين للاندفاع في أي لحظة إذا ما حدث مكروه.
ألقى بيل نظرة هادئة -في ظاهرها- على أفراد عائلة لومينين وقال:
“نحن لا نفهم حقاً ما الذي تتحدث عنه؟ أي ’تطهير للنسيان‘ هذا؟”
لكن فالنتيس لم يُجب. اكتفى بارتشاف النبيذ الذي كان يملأ نصف كأسه بهدوء.
أدركت تيه الموقف بغريزتها:
’القائد الأعلى… يعلم!‘
أنزلت يدها بسرعة تحت الطاولة، ودست سوار “تطهير النسيان” الذي كان يحيط بمعصمها داخل كُمها.
’إنه يعلم أن تيه تمتلك غرضاً مقدساً…!‘
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يبدو أنه يتذكر كل شيء، حتى حقيقة محاولتها لمحو ذاكرته.
’… ماذا أفعل؟‘
بدأ قلبها يخفق بعنف. نظرت تيه بعيون خائفة إلى باستو. بما أنه قد كُشف أمر امتلاكها للغرض المقدس، فهل سيقوم القائد الأعلى بمصادرته منها الآن؟ لقد سمعت أن الكنيسة تأخذ الأغراض المقدسة دائماً فور اكتشافها.
’هل كان وعده بإطلاعي على المخطط التنظيمي كذبة أيضاً…؟‘
ماذا لو كان قد استدرجهم إلى هنا للقبض عليها بتهمة السرقة!
وبينما كانت المخاوف تكبر في رأسها، قال فالنتيس بصوت منخفض وصارم:
“القاعدة تنص على أن جميع المكتشفات الناتجة عن تنقية أحجار السحر يجب إبلاغ الكنيسة بها.”
كان يحدق مباشرة في بيل الذي ظل واقفاً.
“تُفرض رقابة أكثر صرامة على الغنائم ذات الأشكال الخاصة مثل الأغراض المقدسة. إذا وقع أحدها في يدك، يجب إبلاغ الكنيسة وإعادته طوعاً. وإلا، فإن العقوبة هي تهمة ’تجديف‘.”
“ماذا؟ نحن لا نعرف شيئاً عن هذا…!”
“حتى لو لم تكن تعلم، فهذا هو ’القانون المقدس‘.”
قاطع فالنتيس كلمات بيل، وواصل بنبرة رتيبة:
“تولوتشيوم دولة تُحكم باسم الحاكم. القانون المقدس يعلو قانون الدولة، ومن يخالفه يُعاقب. ولا يُستثنى من ذلك أولئك الذين تواطأوا معه، أو الذين رأوا الأمر وأغلقوا أعينهم عنه.”
خيم الصمت المطبق على قاعة المأدبة. نظرت تيه حولها وسط هذا السكون الذي لا يُسمع فيه حتى صوت التنفس. كان راؤول وإينزو قد وقفا بالفعل، بينما كان “كامانغ” الجالس في الطرف يحدق في تيه وحدها منذ مدة.
سرعان ما تمتم بيل بشتيمة صامتة، ونظر بحدة إلى الأبناء الثلاثة الجالسين في الجهة المقابلة.
بمجرد أن رأت تيه تلك النظرة، أدركت الأمر فوراً:
’نحن في ورطة كبيرة.‘
تلك النظرة في عيني بيل لا تظهر إلا عندما يخطط لتجاوز موقف طارئ. أي أن بيل الآن يفكر في طريقة للتعامل مع أبناء لومينين والدوق والخروج من القصر بأي ثمن، تماماً كما فعل عندما وجه لكمة لفك ريجنالد!
“لكنني…”
لكن في تلك اللحظة، تحدث فالنتيس مجدداً. أدار رأسه ببطء، وحدقت عيناه الزرقاوان اللتان لا يُسبَر غورهما في تيه مباشرة:
“بدلاً من إبلاغ الكنيسة عنكم، قررتُ أن أكون ’شريكاً‘ لكم في هذا الأمر.”
في وسط الهواء الذي تجمد للحظة، انفتحت شفتا تيه التي كانت تراقب بأعين متسعة:
“شريك…؟ ما هو الشريك؟ هل هو قبعة دب؟* أوبس.”
*(ملاحظة: تيه أخطأت في نطق كلمة شريك ‘Gongmoja’ وظنتها ‘Gom-moja’ التي تعني قبعة الدب بالكورية).*
وضع باستو يده بسرعة على فم تيه وسأل بنبرة جادة:
“ماذا تقصد بذلك؟”
في تلك اللحظة، كان قلب باستو يخفق بشدة. فقد كان ينوي القفز من النافذة حاملاً تيه بين ذراعيه بمجرد أن يعطيه بيل الإشارة. فالتجديف تهمة لا يجب التورط بها أبداً مهما حدث.
لذا، عندما نطق القائد الأعلى بتلك الكلمة، تبادل المرتزقة نظرات سريعة؛ لقد قرروا الخروج من القصر حتى لو أدى الأمر إلى إراقة الدماء.
بالطبع، جعل عائلة لومينين عدواً لهم هو بمثابة انتحار، ولكن…
’يجب أن نخرج أولاً لنتمكن من تهريب تيه.‘
ولكن، ماذا قال القائد الأعلى للتو؟
لم يقل “سأبلغ الكنيسة” أو “سأتصرف معكم بنفسي”، بل قال “سأكون شريكاً”؟
أشار فالنتيس بيده، فأحضر كبير الخدم عدة رزم ضخمة من الأوراق المربوطة.
“أنتم تعلمون بالتأكيد أن المخطط التنظيمي العام لفرسان المقدسات هو وثيقة سرية للكنيسة. مادة لا يجب أن يراها الغرباء أبداً.”
وضع كبير الخدم الوثائق بجانب تيه بصوت ’دووم‘ قوي.
“لكنني لا أنوي إخلاف وعدي. أتمنى أن يكون هذا رداً كافياً.”
ومع ذلك، لم يرحل الصمت الذي خيم على القاعة بسهولة. وجه فالنتيس نظره بهدوء نحو تيه وقال:
“على الأرجح لن ينتهي الأمر بسرعة. لذا…”
“…”
“تناولي وجبتكِ جيداً أولاً، ثم ابحثي عن والدكِ بتمهل. لا بأس حتى لو استغرق الأمر عدة أيام.”
انزلقت يد باستو التي كانت تغطي فم تيه ببطء.
نظرت تيه إلى فالنتيس بعيون حائرة. عينا القائد الأعلى التي تلمع مثل البحر لم تكن تبدو كعيون شخص يكذب.
سألت الطفلة بحذر:
“إذًا… هل من المقبول أن تحتفظ تيه بالسوار…؟”
هل سيغض الطرف حقاً عن حقيقة امتلاكها لـ “تطهير النسيان”؟
أومأ فالنتيس برأسه:
“أجل. وأعدكِ أنه لن يتم تسريب هذه الحقيقة من جانبي.”
“وهل سترينا المخطط التنظيمي حتى بعد أن حاولت تيه خداع القائد الأعلى؟”
“… خداع. يمكن رؤية الأمر هكذا، ولكن في النهاية لا يهم، أليس كذلك؟ كما قلتُ قبل قليل، ’تطهير النسيان‘ لم يعمل معي.”
صمتت تيه. وبعد تردد طويل، أضافت سؤالاً أخيراً:
“هل تفعل ذلك لأن تيه مسكينة؟”
تجمد فالنتيس مكانه. كما ظهرت علامات المفاجأة على وجوه الأبناء الثلاثة في الجهة المقابلة.
نظرت تيه بتردد نحو أعضاء فرقتها ثم سألت مجدداً:
“هل تساعد تيه لأنها مسكينة لأن ليس لديها أب أو أم؟”
لم يُجب فالنتيس فوراً. اكتفى بالنظر إلى تيه بنظرة غامضة، ثم أجاب بعد فترة طويلة:
“لا.”
ثم رفع كأس النبيذ مرة أخرى وكأن شيئاً لم يحدث، وأضاف:
“أفعل ذلك لأخفف من شعوري الشخصي بالذنب. ليس بسببكِ أنتِ.”
. . . * * * . . .
بعد انتهاء الوجبة.
انتقلوا إلى قاعة المؤتمرات الكبرى، حيث وُضعت رزم الوثائق التي رأوها في المأدبة أمام ’أغابيرت‘.
“هذا هو المخطط التنظيمي العام لفرسان المقدسات.”
أخذت تيه نفساً قصيراً بينما جلس باستو عن يمينها وبيل عن يسارها.
“إنه مقسم إلى 8 مجلدات. المجلدات الأول والثاني والثالث تخص الفرسان التابعين لتولوتشيوم.”
استمعت تيه بجدية لشرح كبير الخدم. وضع الجد (كبير الخدم) ورقاً فارغاً وقطعاً من الفحم بجانب تيه لتتمكن من تدوين الملاحظات في أي وقت، ثم انسحب.
“إذًا…”
أُغلق باب قاعة المؤتمرات بصوت ’دووم‘. وبعد ثوانٍ، زفر راؤول أنفاسه التي كان يحبسها:
“مـ.. ما الذي يحدث الآن حقاً…!”
كان من الصعب على بقية المرتزقة تصديق الموقف أيضاً. وكدليل على ذلك، كانت تيه هي الوحيدة التي استمتعت حقاً بالوجبة السابقة؛ إذ لم يستطع الباقون الأكل بسبب التوتر الشديد.
“هل كان عدم إعادة الغرض المقدس يستحق التهديد بتهمة التجديف؟”
سأل باستو كما هو متوقع. هز إينزو رأسه كأنه لا يعرف:
“لا! أعني، لو فكرتُ في الأمر… لستُ متأكداً.”
حتى الآن، كان عدد المرات التي ظهرت فيها أغراض مقدسة من أحجار السحر قليلاً جداً ويُعد على الأصابع. ومعظمها وجده الفرسان المقدسون، بينما وجده المرتزقة مرة واحدة فقط.
“عندما وجدتها فرقة ’تريفاغا‘، قاموا بإعادتها للكنيسة فوراً بملء إرادتهم…”
لذا، لم يتوقع أحد أن يكون الاحتفاظ بالغرض المقدس سراً ’جريمة‘ بهذه الخطورة.
“تباً، كيف لنا أن نعرف شيئاً عن ذلك القانون المقدس أو غيره!”
صرخ بيل بانزعاج. وكما قال، فمن الصعب منطقياً على شخص عادي ليس فارساً أو مؤمناً أن يكون مطلعاً على القوانين المقدسة.
“القائد الأعلى هذا… كيف يجرؤ على تهديد الصغيرة بالتجديف، إنه أمر يقشعر له الأبدان…”
التجديف؛ تهمة تُمنح فقط لأولئك الذين أهانوا الحاكم أو عصوه. والقاعدة تقضي بترحيل السجناء بهذه التهمة إلى القارة المركزية. ومن هناك، لم يرجع أحد. لم تكن هناك سوى شائعات كثيرة تتحدث عن تعرضهم لعقوبات مروعة وانتهاء حياتهم بألم.
“على أي حال، لقد قال القائد الأعلى لومينين إنه سيغض الطرف.”
عند سماع كلمات راؤول، أومأ إينزو برأسه:
“صحيح. رغم أنني لا أعرف ماذا يعني بالضبط بكونه ’شريكاً‘…”
في النهاية صمت الجميع. وبعد فترة من السكون، تنهد باستو ونظر إلى تيه:
“تيه. هل أنتِ بخيـ…”
لكن تيه كانت في تلك الأثناء قد قلبت بالفعل الصفحة الثالثة من الوثائق.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.