الفصل 121
. . . * * * . . .
’… لقد انتهى بي الأمر بالدخول دون قصد.‘
جلست سيلينا على طاولة غرفة الاستقبال وشبكت ذراعيها. أمام عينيها، كانت الفتاة التي فتحت لها الباب قبل قليل تتبادل أطراف الحديث بحماس مع مجموعة من الأشخاص، لم تكن تعرف إن كانوا عائلتها أم غير ذلك.
“أرأيتَ يا أخي بيل؟ تيه قالت إن علينا إلقاء التحية على الجيران في المنزلين الأمامي والمجاور.”
“أي تحية هذه؟ ألم أقل لكِ إن هذا الزقاق لا يسكنه سوى النبلاء؟”
“حتى لو كانوا نبلاء، يجب أن نلقي التحية. لهذا السبب جاءت صديقة لزيارتنا هنا.”
“لا، بل هم يكرهوننا أصلاً! هؤلاء الناس يشمئزون إذا زارهم أشخاص مثلنا في منازلهم، لدرجة أنهم ينفضون سجادة المدخل بقوة بمجرد رحيلنا.”
“… ولماذا ينفضون سجادة المدخل؟ هل هناك الكثير من الغبار؟”
“آه، ما أقصده هو…”
تنهدت سيلينا من هذا الحوار الذي يفتقر إلى السياق والمعنى والقيمة. وفوراً، اتجهت ستة أزواج من العيون نحوها. هزت سيلينا رأسها ثم رفعت بصرها قائلة:
“أي نوع من الوقاحة هذا، تتركون ضيفة في غرفة الاستقبال وتتصرفون هكذا؟”
بدت علامات الارتباك على وجوه الجميع عند سماع كلماتها. ولكن سرعان ما سأل الرجل ذو الجسد الرشيق والوجه الوسيم رجلاً ضخم الجثة بجانبه:
“هيا أخبرنا يا باستو، هل تعرف شيئاً عن آداب النبلاء؟ تلك الأمور المتعلقة باستقبال الضيوف وما شابه.”
“لا أعرف.”
“وأنتما يا راؤول وإينزو؟”
“في مثل هذه الحالات، من المفترض أن يغادر الجميع ويبقى الممثل فقط.”
“الممثل؟ وما هو ذلك؟”
“حسناً، يمكن القول إنه صاحب المنزل الفعلي. عادةً ما يكون هذا دور رئيس العائلة ولكن…”
“نحن ليس لدينا رئيس عائلة.”
“ولكن لدينا رئيسة فرقة، أليس كذلك…؟”
انتقلت الأنظار فجأة وبشكل جماعي نحو تيه.
وبينما كانت تيه تبدو في حيرة من أمرها، قال بيل:
“أيتها الصغيرة. هل يمكنكِ استقبال الضيفة؟”
“أوه؟ تيه وحدها…؟”
ألقى بيل نظرة خاطفة على سيلينا ثم همس في أذن تيه:
“أجل. إنها طفلة مثلكِ تماماً. تحدثي معها في أي شيء. لا يمكننا طردها هكذا على أي حال.”
“ولكن…”
“بما أنها جاءت من المنزل الأمامي، ومن طريقتها في الكلام، يبدو أنها ليست عادية. إنها من النبلاء. يجب أن نتصرف بلياقة قبل أن نرسلها بعيداً.”
ابتلعت تيه ريقها ثم حدقت في سيلينا مرة أخرى.
ملابسها جميلة ومرتبة، وشعرها مصفف بعناية دون خصلة واحدة خارج مكانها، وأخيراً تعابيرها الهادئة ووضعية جلوسها المستقيمة.
“نحن ذاهبون إذاً؟ اخرجي عندما ينتهي حديثكما، اتفقنا؟”
في تلك الأثناء، خرج أعضاء الفرقة من غرفة الاستقبال دفعة واحدة. وقفت تيه مذهولة وهي تشاهد راؤول يلوح لها بيده وكأنه يشجعها على القيام بعمل جيد.
هكذا لم يبقَ في غرفة الاستقبال سوى تيه وسيلينا. وبعد صمت قصير، بدأت سيلينا بالحديث أولاً:
“… أنا سيلينا بيلمور. وأسكن في القصر الأمامي المسجل باسم والدتي.”
أومأت تيه برأسها بارتباك:
“أوه، نعم!”
“وما اسم ’الآنسة الشابة‘؟”
لكن تيه سرعان ما بدت مرتبكة مرة أخرى. فمنذ البداية، لم تكن تعرف على الإطلاق من هي ’الآنسة الشابة‘ التي كانت سيلينا تناديها بها. ومع ذلك، إذا كان هناك شيء لا تعرفه، فالأفضل هو السؤال! رفعت تيه يدها بشجاعة وقالت:
“ولكن تيه لديها سؤال! ما هي ’الآنسة الشابة‘؟”
قطبت سيلينا حاجبيها، لكن تيه واصلت سؤالها ببراءة:
“تيه ليست ’آنسة شابة‘ بل هي كيم أستيه. لماذا تستمرين في مناداة تيه بـ ’الآنسة الشابة‘؟”
فتحت سيلينا شفتيها بذهول، لكنها استجمعت شتاتها وسرعان ما أجابت بوجه شاحب:
“’الآنسة الشابة‘ هو لقب كان يُستخدم قديماً لمناداة بنات النبلاء أو العائلات الرفيعة باحترام.”
“يا إلهي، لقب…”
“لكنه في الآونة الأخيرة، أصبح يُستخدم لكل امرأة نبيلة تتمتع بالكرامة والآداب. تماماً كما ناديتكِ أنا بـ ’الآنسة الشابة‘ من باب اللياقة.”
أغلقت تيه ما بين حاجبيها وهي تفكر.
’إذاً…‘
كلمة “آنسة شابة” كانت تشبه لقب “سيد” أو “سيدة” الذي يُستخدم في كوريا الجنوبية. تماماً كما يفعل أطفال مثل هيونو عندما يلعبون ألعاباً مثل “تربية الأرواح” أو “مابل كرافت” على الأجهزة اللوحية، ويضعون لقباً بعد اسم اللاعب الآخر.
بمجرد تفكيرها بهذه الطريقة، تُرجمت كلمات سيلينا الصعبة في ذهن تيه وكأنها دردشة داخل لعبة:
’هل أنتِ السيدة؟ صاحبة هذا المنزل؟‘
’دعوة الضيوف يقوم بها المالك. وبما أنكِ خرجتِ، فهل أنتِ المالك؟‘
’إنها طريقة كلام قوية جداً مثل لاعبي مابل كرافت…!‘
بالطبع، لم يكن هذا هو المهم.
’هنا يضعون “الآنسة الشابة” بدلاً من “السيد/السيدة” ليكونوا مهذبين!‘
عدلت تيه من جلستها وقالت بوضوح:
“سيلينا ’الآنسة الشابة‘، لقد كنتِ تسألين عن اسم تيه إذاً.”
عبست سيلينا، لكن تيه استمرت في الحديث بابتسامة مشرقة:
“اسم تيه هو تيه! في الأصل هو كيم أستيه ولكن الجميع ينادونني تيه. كم عمر سيلينا ’الآنسة الشابة‘؟”
تراجعت سيلينا بجسدها إلى الوراء قليلاً دون أن تشعر.
’ما هذا حقاً…‘
لقد أدركت منذ البداية أن الطفلة التي أمامها ليست من النبلاء. ولكن، أيعقل أنها لم تكن تعيش في هذا العالم؟ كيف يمكن لشخص ألا يعرف أبسط قواعد اللياقة إلى هذا الحد؟ بل إن هذه الطفلة المدعوة تيه كانت تستخدم كلمة “الآنسة الشابة” بطريقة غريبة جداً، لدرجة أنها كانت تشعرها بالاستفزاز، وكأن عدم استخدامها كان سيكون أفضل.
بالطبع، لم يكن لدى أستيه أي فكرة عما يدور في ذهن سيلينا.
“أتعرفين؟ تيه عمرها أربع سنوات. هل سيلينا ’الآنسة الشابة‘ تحب الجنيات؟”
تجمدت سيلينا فجأة عندما وقفت تيه من مكانها دون سابق إنذار. لم تبالِ تيه بذلك وركضت نحو الباب لتحضر زيها الرسمي من على شماعة الملابس. وعندما عادت إلى الأريكة، قدمت لسيلينا تطريز “تاني بانغ” بكل فخر.
“هاكِ!”
تغيرت تعابير سيلينا من العبوس إلى الذهول وفتحت فمها بدهشة.
’… واو.‘
الجنية الموجودة في التطريز لم تكن تشبه أي لعبة رأتها في الأسواق من قبل. لون وردي قوي يجذب الأنظار، وعيون تتلألأ ووجه مستدير.
سألت سيلينا بتردد:
“… هل تقولين إن هذه جنية؟”
“نعم!”
ذهبت تيه إلى أبعد من ذلك ووضعت الزي الرسمي في حضن سيلينا قائلة:
“أتعرفين، بعد بضع ليالٍ سيأتي رسام ويرسم ’تونا بانغ‘ في غرفتي ثلاثين أو أربعين مرة.”
“… في غرفة نومكِ، هذه الجنية؟”
“نعم! كما أن الخالة مارشال قالت إنها ستضع الكثير منها على ملابس تيه أيضاً.”
ابتلعت سيلينا ريقها، ثم نظرت بتمعن أكثر إلى الجنية المطرزة على الزي.
“إذاً، ربما…”
ولكن قبل أن تنطق بما كانت تنوي قوله، أغلقت سيلينا فمها بسرعة.
’كدتُ أن أنساق وراء الأمر.‘
كدتُ أن أسألها عما إذا كان بإمكانها وضع هذه الجنية على ملابس المنزل التي أحبها أيضاً. لكن هذا كان تصرفاً غير لائق لا يجب إظهاره أبداً، خاصة وأنها أصبحت الآن “آنسة نبيلة ناضجة” في الخامسة من عمرها.
استعادت سيلينا رباطة جأشها ووضعت زي أستيه الرسمي بسرعة.
“أنا… أنا لم آتِ لرؤية أشياء مثل الجنيات.”
“أوه؟ لِمَ أتيتِ إذاً؟”
“أتيتُ لأنني كنتُ فضولية بشأن الجار غير المهذب الذي انتقل إلى هنا ولم يكلف نفسه عناء إلقاء التحية لمرة واحدة.”
وقفت سيلينا بسرعة من مقعدها.
“و… ولكن بما أنني سمعتُ اسمكِ، فهذا يكفي. لدي موعد في المعهد الإمبراطوري، لذا سأذهب الآن.”
نظرت تيه بعيون تائهة إلى سيلينا وهي تخرج مسرعة من غرفة الاستقبال.
’واو… المعهد الإمبراطوري!‘
بدا من المؤكد أن سيلينا طفلة من عائلة نبيلة؛ مشيتها الرزينة ونطقها الواضح للكلمات كانا دليلين على ذلك. ولكن، كان هناك شيء غريب.
“لكن لماذا تتجول بمفردها…؟”
في الواقع، كانت البوابة الرئيسية خارج الحديقة مغلقة طوال الوقت منذ الليلة الماضية. ومع ذلك، طرقت سيلينا باب المدخل. وهذا يعني أنها تسلقت السياج وحدها وطرقت الباب.
“القيام بذلك دون رفقة كبار هو أمر خطير جداً…”
في تلك اللحظة:
“أيتها الصغيرة! هل رحلت؟ لقد خرجت دون أن تلتفت إلينا حتى!”
اندفع أعضاء الفرقة إلى الداخل.
“أيتها الرئيسة، ماذا قالت تلك الآنسة؟ تعابير وجهها كانت تبدو جادة.”
لكن تيه لم تستطع الإجابة على سيل الأسئلة المنهمر عليها.
’هل رأتني سيلينا بالأمس؟‘
وهل تسلقت السياج اليوم لأنها أرادت اللعب مع تيه؟
’ولكن بما أنها ترتاد المعهد، هل سيلينا ليس لديها أصدقاء؟‘
وبينما كانت تفكر، رنّ الجرس:
*ترن ترن*
رنّ الجرس المعلق على أحد جدران غرفة الاستقبال. كان هذا الجهاز يصدر صوتاً عندما يقوم الزائر بسحبه عند البوابة الكبيرة. قفزت تيه من مكانها.
“يبدو أن سيلينا قد عادت!”
ولكن عندما ركضت بقلب سعيد عبر الحديقة ووصلت إلى البوابة الكبيرة، لم تكن سيلينا هي الواقفة هناك.
“معذرةً. أدعى ليوناردو لومينين. لقد جئتُ من عائلة فالينتيس لاصطحاب…”
“إيه؟ سيد “فضلات الطيور”؟”
فُتح فم تيه من الدهشة عندما تعرفت على الشخص. الرجل الذي أصيب بفضلات الطيور أمام مكتب التعويضات، الرجل الذي أعارته تيه منديلها… كان يقف هناك وخلفه عربة فاخرة وعدد كبير من الأشخاص.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.