الفصل 58: إيقاف العقل المدبّر (2)
“آه، إذًا هكذا. يبدو أنني معجبٌ بالآنسة روزبيري.”
قال ذلك ثم ابتسم ابتسامةً قصيرة، فلم أستطع أن أشيح بنظري عن وجه روسيفيوس للحظات.
‘….إذًا هو يبتسم أيضًا.’
كانت تلك أول مرةٍ أرى فيها أثر ابتسامةٍ على وجهه منذ عرفته.
حتى وإن كانت مجرد سخريةْ خفيفة.
‘في القصة الأصلية، كان روسيفيوس بالنسبة لإميلي “السيد الذي لا يبتسم”.’
وبالمناسبة، لماذا كان مهووسًا بوضعها بين يديه رغم أنه لا يبتسم أبدًا؟
‘حقًا، من الصعب فهم نفسية الشرير الخفي، مهما حاولتُ.’
وبينما أفكر في ذلك، تتبعتُ اتجاه نظر روسيفيوس.
وفي نهايته، كان ليوبورت و إميلي يرقصان تحت ضوء القمر الخافت والإضاءة الصناعية، بوجوهٍ مبهورة.
كما توقعت. كما توقعتُ فعلًا.
شعرتُ بسعادةٍ لأنني وحدي من يدرك اتجاه سهام هذا الحب.
وبهذه السعادة، تحدثتُ بنبرةْ مرحة.
“لماذا لا تذهب وتدعوها للرقصة التالية على الأقل؟”
إذا أفسح ليوبورت المجال له، بالطبع.
عند سماعه كلامي، التفت إليّ مجددًا. وكأنه يفكر في قصدي، أمال رأسه قليلًا وحدّق في وجهي لبعض الوقت.
هل يتساءل لماذا أدعمه وأنا صديقة ليوبورت.…؟
في تلك اللحظة، بدا وكأن ابتسامةً خفيفة ارتسمت على شفتيه. شيءٌ يشبه ما رأيته سابقًا عبر المنظار….لا، مستحيل.
“يبدو أن الأمير الشاب حذرٌ جدًا.”
“….لم أكن أعلم أنكَ تستسلم بهذه السرعة.”
تذكرتُ كيف تبادل نظراتٍ عدائية مع ليوبورت حين وصلتُ برفقته.
كان متوترًا جدًا حينها، والآن يبدو بلا حماس.
بالطبع، بالنسبة لي، من الأفضل أن يكون بلا حماس.
“هل أبدو لكِ أنني أستسلم بسرعة؟”
قال ذلك بنبرةٍ متفاجئة.
حسنًا، أنا أعلم أنه ليس كذلك بسبب طبيعته المتسلطة….لكن ذلك الوجه الخالي من التعابير، الشبيه بالخزف، بدا وكأنه أكثر لطفًا قليلًا—ربما هو مجرد وهم.
“لا أظن.”
كان في عينيه شيءٌ غريب وهو يقول ذلك.
***
“سموكِ، رؤيتكِ خارج القصر تمنح شعورًا مختلفًا.”
“رأيتكِ في مأدبة غلينشيا سابقًا، لكن رؤيتكِ في هذا الجو المريح تجعلنا نشعر بقرب أكبر.”
“نعم، شكرًا لكم جميعًا. كنتُ أعلم أن حفلة يونيو الخيرية مشهورة، لكنها فعلًا جميلة.”
بمجرد إطرائي البسيط، أشرقت وجوه سيدات فصيل النبلاء، وهن من الحاضرات الدائمات في حفلات الشاي.
بعد انتهاء ثلاث رقصاتٍ يشارك فيها معظم الحضور، بدأ الكثيرون يقتربون لتحيتي.
وكانت هؤلاء الفتيات الأسرع.
بدا أنهن متحمساتٌ جدًا لحضوري هذه الحفلة. فكوني أحضر حفلةً لفصيل النبلاء للمرة الثانية فقط، بعد أن لم أكن أحضر أي مناسباتٍ خارجية، كان ذا دلالةٍ كبيرة لهن.
أما أول مرة، فكانت في غلينشيا، لأنها عائلة أخي ثيودور.
‘أين كانت الحفلة التي يتواجه فيها إميلي و روسيفيوس لاحقًا….؟’
وبينما كنتُ غارقةً في التفكير، تنحت الفتيات المحيطات بي وفتحْن طريقًا.
“نحيي نجمة الإمبراطورية الصغيرة. من الرائع أن نراكِ مجددًا هنا بعد لقائنا قبل أيام، يا سموكِ.”
صوت ناعم ومنمق….كانت سكارليت، متأنقةً كعادتها اليوم أيضًا.
هل تشدد على أننا التقينا قبل أيام؟
وبما أنني جئتُ اليوم لرفع معنوياتها، قررتُ مجاراتها.
“نعم، سعدتُ برؤيتكِ يا آنسة. بفضلكِ تمكنتُ من زيارة قصر ألجينيا.”
“يشرفني أن توصيةً مني نالت إعجاب سموكِ.”
قالت ذلك وهي تضع يدها على صدرها بانفعال، وتنحني بأناقة.
وعلى وجهها تلك الابتسامة المثالية….المصطنعة.
لكنني الآن أشعر بألفةٍ تجاه تلك التعابير التي اعتدتُ عليها.
“كيف الأمور؟ هل التبرعات كثيرة؟”
“بفضل حضور سموكِ، يبدو أن الجميع أصبح أكثر سخاءً. أليس كذلك، آنسة ليليان؟”
كان من الطبيعي أن تجيب سكارليت بدلًا من ليليان، ابنة الماركيز ومضيفة الحفلة، بما يعكس كاريزما قائدة فصيل النبلاء.
أجابت ليليان، دون أن تخفي إعجابها بسكارليت.
“نعم، الصناديق أثقل من المعتاد، وأفكر في منح الحراس مكافآتْ إضافية الليلة.”
“هذا جيد. طالما أن كل شيءٍ يسير دون مشاكل.…”
وبينما كنتُ أقول ذلك، ألقيت نظرةً خلفهن.
وكما توقعتُ، كان ليوبورت يعرّف إميلي على زملائه من فرسان النظام المقدس.
حرّكتُ عينيّ ببطء نحو السيدات من حولي. وعندما تبعن نظري ورأين المشهد، احمرت وجوههن غضبًا.
‘كما توقعتُ.…’
كنّ على وشك الانفجار بالشكوى عن إميلي.
وفي تلك اللحظة، انحنت إميلي بخجل، بينما كان وجه ليوبورت يفيض إعجابًا بها—
“حقًا، هل يعقل أن حجرًا جديدًا يزيح حجرًا راسخًا؟”
فتحت غريتا من عائلة روميل فمها، وهي التي دائمًا ما تستهين بإميلي.
“نعم.”
“صحيح.”
“بالفعل.”
تحولت كلماتها إلى موجة، وبدأت الأخريات يضفن تعليقاتهن واحدةً تلو الأخرى.
‘هكذا إذًا.’
ابتسمتُ بخفة ونظرتُ إلى سكارليت. كانت تقف بلا تعبير، وكأن الأمر لا يعنيها، لكنها حين التقت عينانا، أطلقت تنهيدةً خفيفة.
‘حسنًا، فهمت، فهمت.’
هزّت رأسها قليلًا، فضحكتُ في داخلي.
ثم رفعت مروحتها وأخفت فمها، وألقت نظرةً ذات مغزى.
“إذًا، ذلك الحجر الراسخ….هل أُزيح فعلًا يا آنسة غريتا؟”
صوت سكارليت الواضح اخترق الضجيج.
أغلقت غريتا فمها فورًا، وساد الصمت كأن ماءً باردًا سُكب على المكان.
‘بما أن سكارليت لم تقل شيئًا حتى الآن، فهذا أول رد فعل لها.’
راقبتُ باهتمامٍ كيف تسيطر سكارليت على تابعاتها.
“في مجتمع القصر، لن يحدث شيءٌ كهذا أبدًا. ما أملكه أمورٌ لا تتغير، ومن بينها صداقاتكن.”
قالت سكارليت ذلك وهي تلوّح بمروحتها برفق.
كانت مروحةً مصنوعةً من ريش طائر لم يبقَ منه سوى نحو عشرة فقط في مكانٍ ما من القارة الجنوبية، أي قطعةٌ تُظهر ثراء عائلة جيبلز.
الفتيات اللواتي كنّ يثرثرن عن إميلي قبل قليل بدأن وكأنهن فقدن الكلمات، واكتفين بالتحديق في ابتسامة سكارليت.
“الشخص الذي أُكنّ له المشاعر لا يحمل أي تحيزات، أليس قلبه الدافئ كافيًا ليكون سيد عائلة؟ وعلى أي حال، فإن الخطبة….”
توقفت سكارليت عند هذا الحد وألقت نظرةً خفيفة نحوي. فكتمتُ ضحكتي وأومأتُ لها لتتابع.
“هل يتم الأمر بمشاعر الحب وحدها؟ في شبابه، لا بأس أن يصنع ذكرى….أو يكتسب بعض الخبرة.”
ابتسامتها بدت آسرةً وهي تقول ذلك.
لو قالها شخصٌ مثل ويلو لبدت نكتةً مبتذلة، لكن على لسان سكارليت بدت خفيفة الظل وراقية.
حين غمزت، خرجت همسات الإعجاب من الفتيات وكأنهن مسحورات.
“يا إلهي….آنسة سكارليت.…”
لم تذكر اسمًا صريحًا، لكن تابعاتها فهمن المعنى فورًا.
طالما أنهما غير متزوجين، فالأفضل ألا يثرثر أحد ويسيء لسمعتي، بل يلتزم الصمت، أليس كذلك؟
‘هذه هي كاريزما زعيمة المجتمع.’
شعرتُ بالرضا وارتشفتُ قليلًا من الماء الفوار الذي أعطاني إياه روسيفيوس.
“هل أبدو لكِ أنني أستسلم بسرعة؟”
و عاد إلى ذهني فجأةً ما قاله سابقًا.
ما معنى ذلك اللمعان الغريب في عينيه؟
‘هل يحاول القيام بشيءٍ مريب؟’
و حين أدرتُ نظري لأبحث عنه—
“سموكِ! يشرفني أن أراكِ هنا!”
جاء صوت رجلٍ من خلف الفتيات المحيطات بي.
آه، هذا الصوت المتحمس بلا تحفظ….
“هل تذكرينني؟ أنا ماكسيم، ابن الكونت بلاوبير.”
كانت عيناه الزرقاوان الداكنتان تلمعان بالحماس تحت شعره الأخضر الداكن المرتب بعناية.
‘عاد مجددًا.’
في مأدبة غلينشيا السابقة، غادرتُ مبكرًا بعد حادثة الشرفة، فلم ألتقِ به.
“يبدو أنني هذا العام نلتُ بركة نجم أريتاونوس. أنا ممتنٌ لأنني أستطيع رؤية سموكِ كثيرًا.”
أريتاونوس هو حكيمٌ قديم يقدسه برج العلماء، وكان يشير إلى ما كتبه في رسالته السابقة عن استعداده لفعل أي شيءٍ ليخدمني.
“في السنوات الأولى، كان منشغلًا مع مشاغبي فصيل النبلاء وأهمل دراسته، لكنه فجأة بدأ يجتهد في السنة الخامسة، حتى أنه أجّل تخرجه ليعوض ما فاته.”
هذا ما شهدت به هنرييت، زميلته.
يبدو أن كلمةً عابرة مني قد أثرت فيه بهذا الشكل….
تنهدتُ داخليًا وابتسمتُ له.
“نعم، أذكر. لقد وصلني طلبكَ للعمل.”
شددتُ على عبارة “طلب العمل”.
لأن—
“آه، عاد ذلك الشاب مجددًا.”
“حقًا جريءٌ جدًا.”
“مهما كانت سموكِ تدعم المواهب من أصولٍ متواضعة.…”
“لكن هذا يبدو بدافعٍ شخصي.”
مثل هذه الهمسات كانت دائمًا المشكلة.
مع أن نظرته لا تختلف كثيرًا عما كان كين ينظر به سابقًا.
‘ربما لأنه وسيم؟’
لم يكن بمستوى ليوبورت، لكنه شابٌ لطيف وذو مظهرٍ هادئ وذكي.
‘بعد تخرجه كان يمكن تعيينه مباشرةً كموظف حكومي، لكنه ذهب للدراسة في الغرب ليحدد مستقبله بناءً على ما سأفعله.’
كفاءةٌ جيدة، ولاءٌ جيد، اجتهادٌ جيد.
بينما كنتُ أقيّمه داخليًا—
طَق-
صدر صوت زجاجٍ ينكسر.
“آه!”
“هل أنتَ بخير؟”
تبع ذلك ضجيج وارتباك.
نظرتُ نحو مصدر الصوت، فوجدت الخدم يهرعون نحو شجرةٍ كبيرة.
وصاحب الضجة كان—
“يبدو أنه كسر الكأس.”
“يا إلهي، إنه الابن الثاني لألفينوس….هل كسره بيده.…؟”
ماذا؟
نظرتُ بسرعة، فوجدت شظايا الكأس متناثرةً فوق يد روسيفيوس المغطاة بالقفاز.
وانساب النبيذ الأحمر بين أصابعه كأنه دم. و وجهه الجامد كان موجهًا نحوي.
كسر الكأس بيده.…؟
‘هل استخدم سحرًا أم ماذا؟’
شعرتُ بالانزعاج من طبيعته العنيفة، وأدرتُ نظري بسرعةٍ نحو ليوبورت و إميلي.
كانا بعيدين عن الضجة، يرفعان كؤوس النبيذ الوردي ويتبادلان النخب بهدوء.
‘يبدوان في غاية الانسجام….هل غضب روسيفيوس بسبب ذلك؟’
كان يقف في الجهة المقابلة تمامًا لهما بالنسبة لي.
وربما رؤية علاقتهما التي أصبحت أكثر حميميةً مما في القصة الأصلية أثارت فيه رد فعل غير متوقع.
فهدأتُ نفسي وارتشفتُ من الكأس في يدي.
___________________
توس تقولين نظرته نحوس وش الي ما اعجبه وضع ليو مع اميلي وش دخللللل😭😭😭😭
ماكسيم ذاه على كلامهم قبل انه بزر ولا؟ روس غار من بزر✨
المهم للمره الملبون سكارليت هيبه واو اشتقت لغريس 😔
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.