الفصل 57: إيقاف العقل المدبّر (1)
عطلة نهاية الأسبوع الأولى من شهر يونيو.
في قصر عائلة ألجينيا، الواقع على بعد ساعةٍ بعربة من القصر الإمبراطوري، أُقيمت حفلةٌ خيرية لسيدات فصيل النبلاء.
ورغم أن فصيل النبلاء يثير بعض المشاكل هنا وهناك، إلا أنهم في النهاية نبلاء يؤدون واجباتهم الاجتماعية كما ينبغي.
وكانت حفلة يونيو الخيرية جزءًا من ذلك.
‘في الأصل، لم تتجاوز تصرفاتهم السيئة حد مضايقة إميلي.’
كانت حفلة يونيو الخيرية حفلة غير رسميةٍ لا يُسمح بحضورها إلا للعازبين والعازبات النشطين في مجتمع القصر.
ولهذا، كان جميع النبلاء غير المتزوجين المقيمين في القصر، بغض النظر عن انتماءاتهم، يتدفقون إلى هذه الحفلة سعيًا لهدف المجتمع النهائي: الزواج.
وكان من المقرر أن تحضر إميلي أيضًا.
لكن السبب هذه المرة مختلفٌ عن القصة الأصلية.
في الأصل، كانت إميلي تنوي الحضور ببساطةٍ لتوسيع علاقاتها الاجتماعية على أمل لقاء ليوبورت.
‘حينها لم تكن قد فوتت المحتال بعد، ولم تبدأ بعد في ملاحقة الديون، لذلك لم تكن قد أصبحت حديث ألسنة النبلاء بشكلٍ جدي.’
لكن تصرفات إميلي غير المعتادة كانت بالفعل متداولةً داخل المجتمع.
لذلك، وبناءً على تشجيع ليوبورت، الذي كانت علاقتها به بين الصداقة والحب، قررت حضور الحفلة لمواجهة الشائعات.
أما ليوبورت، فقد أراد مرافقة إميلي بنفسه إلى تلك الحفلة الرومانسية.
“لإسكات تلك الشائعات الكثيرة عن تلك الآنسة الشجاعة والذكية، أليس من الأفضل أن أتدخل بنفسي؟”
أين ذهب ليوبورت ذو السبع سنوات الذي كان يقول أن الحب لا علاقة له بالسلطة أو العائلة؟
لكن لو ظهر ليوبورت مع إميلي في حفلةٍ ينظمها فصيل النبلاء، فسيكون ذلك إهانةً مباشرة لسمعة سكارليت.
‘قد لا يكون لدى ليوبورت سببٌ لمراعاة سكارليت، لكن لديّ أنا.’
وبما أنه من الصعب حضور حفلة تزويجٍ للعازبين بمفردي، استخدمتُ سلطتي بطريقتي الخاصة لإقناع ليوبورت.
“سيد ليوبورت. إذا سمعت دوقة أورنباخ السابقة أنكَ أهملتَ مرافقتي، فستكون سعيدةً جدًا، أليس كذلك؟”
توقف بصره الأخضر للحظة. فجدته، دوقة أورنباخ السابقة، المقربة جدًا من والدتي، تحبني كثيرًا.
‘وأنا أعلم جيدًا أنه يريد تقديم إميلي لجدّيه هذا الصيف.’
كان تهديدي، المستند إلى معرفتي بالقصة الأصلية، فعالًا تمامًا.
“سموكِ، لماذا قررتِ فجأةً هذا العام حضور الحفلة الخيرية.…؟”
“سيد ليوبورت، هذا الكلام وقحٌ قليلًا، أليس كذلك؟”
“ستأخذين معكِ خمسة أو ستة فرسان للحماية غير السيد كين.”
“أقدّر قلقكَ الصادق على فرقة حراستي يا سيد ليوبورت.”
“لا يا سموكِ، عندما نكون وحدنا، ليس عليكِ مناداتي هكذا.…”
“قلتَ أنه لا يجب أن أعتاد على العادات السيئة.”
بما أنه كان محرجًا من طلبه السابق، بدا ليوبورت خجولًا للغاية من مزاحي الجاد معه.
“لا تقلق بشأن الآنسة روزبيري. كين قال أنه ممتن، وسيقوم بمرافقتها بدلًا منكَ اليوم.”
“لكنني أريد الذهاب معها.…”
“يمكنكَ مرافقتها عند العودة، أليس كذلك؟ حقًا، أنتَ قليل الصبر يا سيد ليوبورت، أليس كذلك؟”
فاحمر وجه ليوبورت بشدة، لأسبابٍ عدة.
***
في يوم الحفلة. حين وصلتُ أنا وليوبورت بعربتنا إلى حديقة فيلا عائلة ألجينيا، كان الظلام قد بدأ يخيّم.
المصابيح المعلقة بكثافةٍ على الأشجار والشجيرات أضاءت الحديقة بضوءٍ ناعم.
“يشرفنا أن تضيء نجمة الإمبراطورية الصغيرة قصر ألجينيا.”
استقبلتنا ليليان ألجينيا، ابنة الماركيز والمسؤولة عن الحفلة اليوم.
ولأن ليوبورت وصل معي وليس مع إميلي، أظهرت جميع تابعات سكارليت نظرات ترحيبٍ واضحة.
“سموكِ، لقد وصلتِ!”
“في الهواء الطلق تبدين أكثر شبهًا بالجنيات يا سموكِ.”
“شكرًا لكم على الترحيب. أتمنى أن تنجح الحفلة اليوم. وهذا….حتى نصيب فرساني.”
وضعتُ كيسًا من العملات الذهبية داخل صندوقٍ مخملي أحضره الخادم، ثم بدأت أستعرض المكان بسرعةْ بعيني.
تبادلت تحيةً خفيفة مع سكارليت، التي كانت في مركز مجموعة هناك، ثم بحثتُ عن البقية….
‘آه، كما توقعت. يبدو أنه التفّ حول إميلي فور وصولها.’
وفي زاويةٍ مظلمة من الحديقة، كانت إميلي تقف تحت شجرةٍ كبيرة، تواجه روسيفيوس.
في يوم الإمساك بالمحتالة، لم تتلق مساعدته، لكن من الواضح أنهما أصبحا على معرفةٍ ببعضهما أثناء تنقلاتهما داخل القصر.
‘لا يمكنني التحكم بكل شيءٍ واحدًا واحدًا….’
في القصة الأصلية، اضطرت إميلي في النهاية إلى الاعتماد على مساعدة روسيفيوس أثناء تحصيل ديون عائلتها.
فالتجول في الأزقة والبحث عن نبلاء ساقطين لا تعرفهم كان أمرًا شاقًا جدًا على آنسةٍ نبيلة وصلت حديثًا إلى القصر.
‘رغم أنه هو من أصبح قريباً منها أولًا، إلا أن مشاعرها البريئة تجاه ليوبورت كانت واضحةً كلما التقيا، ومع انتشار الشائعات عنهما، بدأ روسيفيوس يتعلق بها.’
تذكرت مشهد روسيفيوس وهو يسخر منها قبل أن تصفعه.
‘لكن الآن، بما أنها أصبحت أقرب بكثير إلى ليوبورت، ربما تقل أوهامه.’
الدور الذي أحتاجه منه هو مجرد إثارة غيرةٍ خفيفة وبعض العرقلة، لا هوس يصل إلى حد الاختطاف.
كان عليّ ضبط علاقتهما بشكلٍ مناسب حتى لا يغرق في أوهام.
‘لا يجب أن أترك لإميلي صدمة.’
واليوم تحديدًا، كان وجوده ضروريًا بهذا القدر فقط.
أداةٌ لإثارة الغيرة وتعزيز مشاعر ليوبورت و إميلي.
“يا إلهي، أين ذهب كين الآن؟ كان من المفترض أن يرافق الآنسة روزبيري.…”
تعمدتُ التحدث بنبرة متعجبةً لجذب انتباه ليوبورت.
أين ذهب؟ بالطبع، تم سحبه من قبل الآنسة مالوت.
“يا لهذا الفارس حقًا….ترك الآنسة روزبيري وحدها وذهب ليبقى مع حبيبته؟”
في القصة الأصلية أيضًا، عانى كين كثيرًا في هذه الحفلة لأنه رافق أميلي، مما جعله عرضةً لإزعاج الآنسة مالوت.
اقترب روسيفيوس من إميلي التي تُركت وحدها، و رأى ليوبورت ذلك فغار، ومن هنا تبدأ علاقة مثلث الحب بشكلٍ جدي.
‘لكن بما أن ليوبورت و إميلي قد أصبحا معجبين ببعضهما بالفعل، فربما لن تصل الأمور إلى مثلث حب.’
تفحصتُ وجه ليوبورت الذي كان يرافقني. وكما توقعت، كانت نظرته متجمدةً ببرود.
‘انظروا إليه وهو يغار.’
ضحكتُ في داخلي بهدوء.
وحين تتبعتُ اتجاه نظره، وجدت أن روسيفيوس أيضًا كان ينظر نحونا في تلك اللحظة.
كان وجهه متصلبٌ بشدة وهو يواجه نظرات ليوبورت.
“أليس ذلك الشاب هو الابن الثاني لألفينوس؟ لا يبدو أنهما مقربان كثيرًا.”
قلتُ كلامًا لا أعنيه.
لا أعلم إن كان يسمعني أم لا، لكن خط فك ليوبورت شدّ بوضوح.
‘جيد. يؤدي دور إثارة الغيرة بإتقان.’
راقبتُ تبادل النظرات الحادة بين الاثنين بارتياح.
و في تلك اللحظة، سُمِع صوت الفرقة الموسيقية وهي تغيّر النوتة.
وبما أنني، الأعلى مقامًا هنا، قد وصلت، كان ذلك إيذانًا ببدء أول رقصةٍ في الحفل.
‘إذا بدأت الرقصة هكذا، فسيطلب روسيفيوس من أميلي الرقص.…!’
ولو حدث ذلك—
“يبدو أن يديكَ ساخنتان جدًا.”
“….ربما لأن هذه أول مرةٍ أرقص فيها، أنا متوتر.”
…وسيتبادلان مثل هذا الحديث أثناء رقصتهما الأولى.
‘لا يمكنني ترك ذلك يحدث!’
فحفلة يونيو الخيرية، التي ترسخت عبر أجيالٍ كحفلة تعارف وزواج للشباب النبلاء، تحمل تقليدًا يمنح الرقصة الأولى أهميةً كبيرة.
ولهذا، لم يكن أمام ليوبورت إلا أن يشعر بخيبة أملٍ كبيرة لو رأى إميلي ترقص أول رقصةٍ مع روسيفيوس.
‘لو كانت إميلي تعلم بوجود هذا التقليد، لما وافقت أبدًا.’
لكن الآن، بما أن علاقتهما أصبحت قوية، وأنا هنا تحسبًا لأي طارئ—
“ليو.”
حين خاطبته بنبرةٍ جادة، التفت إليّ بوجهٍ متصلب.
“أنا….أشعر بدوار….دوارٌ شديد.”
“دوار؟ كنتِ بخيرٍ حتى الآن.”
“لم أركب عربةً لوقتٍ طويل، وعندما وقفتُ على الأرض شعرت ُبالدوار.”
“ماذا؟”
“سأجلس هناك قليلًا….استمتع أنتَ.”
رغم أنه يعلم أن عربة العائلة الإمبراطورية مريحةٌ جدًا، إلا أن ضعف سيسيليا جعله يتقبل العذر.
“سموكِ، هل أنتِ بخير؟”
“نـ….نعم.…”
حين تظاهرتُ بالترنح بكل ما أوتيت من مهارة، هرع ديريك لدعمي. وبينما كان يسندني نحو المقاعد بعد أن ذهب الجميع للرقص—
‘بهذا القدر من التمثيل، لا بد أن ليوبورت سيشعر بالراحة ويذهب….’
حقًا.
رغم أنه بدا قلقًا عليّ قليلًا، إلا أن ليوبورت كان قد اندفع بالفعل، وها هو يطلب من إميلي الرقص.
‘لم يكن هناك داعٍ لكل هذا….حقًا، الأصدقاء من الجنس الآخر زائلون.’
أبعدتُ ديريك بنظرةٍ باردة، ومشيتُ بنفسي وجلست.
نظرتُ إلى ساحة الرقص في وسط الحديقة، فرأيتُ ليوبورت و إميلي يمسكان أيديهما ويستعدان للرقصة الأولى.
وكان الآخرون من حولهما يقفون في أزواج، وقد غمرهم جو الرقصة الأولى بخجلٍ لطيف.
‘منظرٌ جميل، والأجواء رائعة. وعلى ما يبدو، روسيفيوس انسحب بسرعةٍ لحسن الحظ؟ كان قريبًا جدًا منهما.’
يبدو أن تقارب ليوبورت و إميلي السريع جعله يدرك حدوده.
‘جيد.’
مطمئنة، أشرتُ لحراس الحماية، بمن فيهم ديريك، أن يراقبوا فصيل النبلاء بينما يتظاهرون بالاستمتاع بالحفلة.
في تلك اللحظة—
“يبدو أن الطريق كان متعبًا.”
مع صوتٍ منخفض، ظهر فجأة كأسٌ زجاجي تتجمع عليه قطرات الماء.
كان ماءً فوارًا مع شريحة ليمون، ممسوكًا بيدٍ ترتدي قفازًا أسود.
‘متى جاء إلى هنا؟’
تفاجأتُ، وبدأ قلبي يخفق من جديد.
“السيد روسيفيوس….”
هذا الفتى حتى ظهوره يشبه أفلام الرعب….
رفعتُ نظري إليه، محاوِلةً كبح خوفي. و كان وجهه، كعادته، بلا تعبير واضح.
وبعد أن نظرتُ إليه قليلًا، أخذتُ الكأس.
“شكرًا.”
وكما حدث عندما أعطاني المرآة اليدوية من قبل….مددتُ يدي دون أن أشعر.
ثم، كما في ذلك الوقت، جثا على ركبةٍ واحدة.
ومع ظهوره المفاجئ بجانبي، عاد ذهني يزدحم بالأفكار.
‘لماذا يأتي إليّ مجددًا؟ هل لديه غرضٌ حقيقي؟’
لم أفهم.
محاولته التحدث معي في مأدبة مهرجان مايو، خروجه خلفي إلى شرفة الدوق غلينشيا، إعطائي المرآة….
‘هل كان يتداخل مع سيسيليا هكذا في القصة الأصلية أيضًا؟’
حين تبع إميلي للقبض على المحتالة، بدا الأمر مطابقًا للأصل، لكن في مثل هذه اللحظات يعود الشك.
وفوق ذلك، فرسان الظل وسكارليت يواصلون ربطي به….
‘أنا مرتبكة….حقًا مرتبكة.’
نظرتُ إليه وهو يحدق بي بوجهه الخالي من التعابير.
تحت ضغط الصمت، وخوفي منه….شعرتُ وكأن أنفاسي تختنق.
ولكسر هذا الجو، قررتُ استخدام امتياز مكاني. امتياز طرح أي سؤالٍ دون مخالفة الآداب.
فحوّلتُ نظري نحو ساحة الرقص،
“لماذا لا ترقص الرقصة الأولى؟ كنتَ مع الآنسة روزبيري.”
“….هل هذا ما يثير فضولكِ؟”
“أنا أعرف جيدًا معنى الرقصة الأولى في حفلة يونيو.”
لهذا السبب تحديدًا هربتُ من ليوبورت.
ولم أتوقع أن يتخلى عن إميلي بهذه السهولة.
‘….رغم أن ذلك مريح.’
لكن روسيفيوس ظل صامتًا للحظة، وكأنه غارقٌ في التفكير.
ثم، بعد برهة، تحدث بصوته المنخفض.
“هل تقصدين الآنسة روزبيري….و أنا؟”
“يبدو أنكَ كنت تتصادم بالنظرات بشدةٍ مع السيد أورنباخ قبل قليل.”
شعرتُ بأنه ينظر إلى وجهي وكأنه يقيس شيئًا ما.
“….أوه، فهمتُ.”
صدر صوتٌ خفيف من الكأس في يديّ حين انزلقت قطعة الثلج.
“إذًا، هكذا أنا معجبٌ بالآنسة روزبيري؟”
ثم ابتسم روسيفيوس ابتسامةً قصيرة.
______________________
يبي يمشي على تفكيرها ولا وش؟ قم ارقص معها بس
وليو مؤسس قلة الادب بس اشوا راح لإميلي عشان رومانسية القرود حقتهم و روس يجي عند سيسيل هاهعهعهعهعهعاااااااا
والحين حتى سيسيل تتذكر ان الفرسام و سكارليت مشبكينهم✨ الاعتراف مسألة أوقات
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.