الفصل 40: بداية الرواية الأصلية (3)
شعرٌ وردي متموّجٌ ينسدل تحت عنقٍ أبيض نحيل.
عينان صافيتان كأنهما تحملان ماء البحر المتلألئ تحت شمس الظهيرة.
أمام صورة البطلة التي تخيّلتها طويلًا منذ حياتي السابقة، كدتُ أنسى حتى خطواتي دون وعي.
‘إميلي! بطلة روايتي.…!’
وترتدي أسفل ذلك فستانًا بلون العاج يلمع بذهبٍ خافت.
قد يكون متأخرًا عن الموضة، لكن ماذا يمكن أن يكون مبتذلًا على بطلة هذا العالم؟
هدّأتُ بصعوبةٍ ذلك الشعور الفيّاض الذي ضيّق صدري حتى كاد يخنق أنفاسي عشرات المرات اليوم.
شهيق… زفير… تنفّس عميق-
‘هل جاء ليو كما ينبغي.…؟’
وكما توقعت، عندما نظرتُ حولها، كان ليوبورت يقف على بعد بضع خطواتٍ من إميلي.
‘سيتقابلان قريبًا، أليس كذلك؟ يا ترى ماذا أفعل….يجب أن يبدو ليو رائعًا.’
وبالنظر إليه، كان ليوبورت المطيع قد ارتدى زيّه الرسمي اللائق بابن الدوق الصغير بإتقان.
سترةٌ كحلية مطرزةٌ بخيوطٍ ذهبية داكنة، وربطة عنقٍ حريرية، وشعره الذهبي المسرّح بعناية….
‘لا بد أنه وضع العطر الذي أعطيته له، لقد اخترته خصيصًا ليتناسب مع ذوق إميلي.’
هل كان بعطرٍ خشبي أم برائحة “الماء النقي”؟
لقد أهديته مؤخرًا العطر رقم 6 من مشغل العطور الشهير “سنسِبل”، وهو العطر المفضل لدى إميلي في الرواية الأصلية.
‘كان من المفترض أن يشتريه معها في موعد داخل القصر بعد فترةٍ طويلة، لكن لولاي لما حدث ذلك إلا في خاتمة القصة.’
والخاتمة لن تأتي إلا في نهاية العام.
بالنسبة لقارئةٍ متعجلة، حتى نصف سنةٍ كان طويلًا.
في تلك اللحظة، التقت عينيّ مع ليوبورت. فابتسم ابتسامته الهادئة وهو يثني طرف عينيه برفق….
‘ربما هذه آخر مرةٍ أراه هكذا.’
فهو من الآن فصاعدًا سيصبح رجلًا لطيفًا بشكلٍ خاص لامرأته فقط.
أخفيتُ حماسي لما سيحدث، وسرتُ بخطواتٍ متناسقة مع إيلين حتى نزلنا آخر درجة.
“سموكِ! انظري إلى هنا!”
“جنية الأسوراماسورا!”
“نحبكِ يا سموكِ!”
آه، حقًا جمال سيسيليا.
ما إن وصلتُ إلى أرضية القاعة حتى ارتفعت هتافات النبلاء من حولي أكثر.
بسبب تمسكي بالغموض وعدم حضوري الحفلات الخارجية طوال هذا الوقت، ظهر مثل هؤلاء المعجبين المتحمسين.
“سموكِ، بصراحة هذا مزعج، أليس كذلك؟”
“لا تتكلمي. سيقرأون حركة شفاهكِ.”
أجلتُ شعوري بالضيق، وسرتُ بخطى سريعة بابتسامةٍ مثبتة على وجهي.
‘لا أستطيع رؤية ليوبورت و إميلي بسبب الناس. يجب أن أصعد إلى المنصة بسرعة….’
أمسكتُ بيد إيلين وسرتُ على السجاد الأحمر نحو مقاعد العائلة الإمبراطورية.
منصةٌ مرتفعة في أقصى القاعة، تعلو نحو عشر درجات. كان والداي وعائلة غريس قد وصلا بالفعل.
هناك، افترقتُ عن إيلين وصعدتُ الدرج بخفة. وبمجرد أن وقفت بجانب والدي، تظاهرتُ بالتلويح للحشود بينما ألقيتُ نظرةً سريعة نحو مكان ليوبورت و إميلي.
‘كان ينظر إليّ قبل قليل….آه!’
ليوبورت الذي ابتسم لي من بعيد، أصبح الآن يقف بجانب تلك الآنسة ذات الشعر الوردي الفاتح.
كانا ينظران إلى نفس الاتجاه، لكن رأسيهما كانا قريبين جدًا، كأنهما يتبادلان الحديث.
كما توقعت.
إميلي وليوبورت….التقيا.
***
“تدخل الآن صاحب السمو ولية العهد غريس وزوجها الدوق إيدل، وصاحبة السمو الحفيدة الأولى هيرميانا، وصاحب السمو الحفيد الثاني يوستيان!”
بدأ أفراد العائلة الإمبراطورية بالدخول من مؤخرة القاعة. و استغلت إميلي انشغال من حولها بالنظر نحوهم، وقررت الابتعاد.
قبضت على أطراف أكمامها المزخرفة بالدانتيل التي كانت عرضةً للسخرية.
شعرت بالعار من نفسها لأنها بدأت تخجل من فستان والدتها الذي كانت تفخر به قبل دخول القاعة.
ومع هذا الشعور بالضعف، امتزج الظلم والحزن، فغرق قلب أميلي في كآبةٍ شاملة.
“وأخيرًا، تدخل صاحبة السمو الأميرة الرابعة سيسيليا!”
“يا إلهي، تبدو كجنيةٍ حقًا.”
“يقال أن أصغر أميرة تحضر بالفعل اجتماعات الشؤون السياسية.”
“إنها ذكيةٌ جدًا، ويبدو أنها ستتولى منصبًا مهمًا قريبًا.”
اندفع الناس نحو الأميرة الرابعة لرؤيتها عن قرب، فوجدت إميلي نفسها تنجرف للخلف دون حول.
هل كانت المشكلة في الحذاء مجددًا؟ ففي لحظة فقدت توازنها وكادت تتعثر.
طَخ-
اصطدم ظهر كتفها بصدرٍ صلب لشخصٍ ما خلفها.
“أنا آسفة، أنا آسفة.”
وعندما انحنت معتذرة، وقع بصرها على عيني شابٍ أشقر جميل بعينين خضراوين.
عينان خضراوان دافئتان كأوراق الربيع الفتية التي تحبها إميلي….
“هل أنتِ بخير، آنسة؟”
كان وجهه القلق يبدو في عيني إميلي كأنه ملاك.
كأنه ينقّي كل ذلك الحزن الذي كان يثقل قلبها….
***
“سيسيل، ألم تُفرطي في الشرب اليوم؟”
“إنه يومٌ سعيد.”
رفعت نخبًا خاصًا بي وأنا أشاهد إميلي وليوبورت يرقصان معًا.
‘لقد انتظرتُ 22 عامًا لأرى هذا.’
22 عامًا، زمن يكفي لتغير الدنيا مرتين….
كان الاثنان قد بدآ بالفعل الرقصة الثالثة معًا. غير مدركين لنظرات الغيرة من حولهم، غارقين تمامًا في عالمهما الخاص.
لا أعلم إن كانا تبادلا ذلك الحوار الذي أتذكره، لكنهما على أي حال التقيا أخيرًا.
وبفضل اختفاء كين، مرافق إميلي، كما هو مخطط، رقص ليوبورت معها منذ رقصة الظهور الأولى.
‘وكما في كليشيهات الروايات، داست إميلي على قدميه عشر مرات.’
فأوضاع إقليم روزبيري الفقيرة لم تسمح حتى بإقامة حفل الظهور الأول، لذا كانت هذه أول تجربةٍ لها في مثل هذه الحفلات.
وفوق ذلك، كانت ترتدي حذاءً غير مناسبٍ بسبب ابنة الفيكونت مالروت.
ومع ذلك، كانت عينا ليوبورت ممتلئتين بالإعجاب، ويمكن رؤيته بوضوحٍ حتى من بعيد.
‘حلّق عاليًا الآن يا ليو….’
نظرت إليهما بوجه راضٍ وارتشفتُ جرعةً أخرى من النبيذ.
لا أدري كم مرةً فعلتُ ذلك.
وبما أنني بلا قوة مقدسة، فإن قدرتي على تحليل الكحول ضعيفة، وقد أنهيتُ تقريبًا كأسًا كاملًا من النبيذ الفوّار لأول مرةٍ في حياتي كسيسيل.
‘في الماضي كنتُ أشرب السوجو مع البيرة كمقبلات….’
شعرت بدوارٍ خفيف، ولم أستطع حتى إخفاء احمرار وجهي وأنا أحدق في ساحة الرقص.
“سيسيل، هل أنتِ بخير حقًا؟”
“أنا بخير….هل احمرّ وجهي كثيرًا؟”
“الهواء الليلي لطيف، ربما يجدر بكِ الخروج قليلًا.”
….من نبرة أمي وملامحها، بدا أن الأمر كذلك فعلًا.
‘هل يمكنني مغادرة مكاني الآن؟’
استرجعتُ في ذهني واحدًا تلو الآخر ما كان يجب أن يحدث اليوم.
اللقاء الأول بين ليوبورت و إميلي، وليوبورت وهو يرقص مع إميلي التي تُركت وحدها.
‘وقد رقصتُ أنا أيضًا مرة مع والدي ومرةً مع ثيودور. وسيدات حفل الشاي قد جئن لتحيتي قبل قليل.’
أما فرساني الذين في إجازة، فيقضون وقتهم كما يحلو لهم.
إذًا، ما تبقى الآن هو….
‘مشهد لقاء أميلي و روسيفيوس في الحديقة الخلفية.’
حتى لو كانت إميلي الآن ترقص بذلك الوجه السعيد، فبمجرد أن تفترق عن ليوبورت ستصل إلى أذنيها همسات الناس.
‘سيقولون أنها ارتدت فستانًا قرويًا عمدًا لتلفت انتباه الرجال….وما إلى ذلك.’
وعندما تهرب إلى الحديقة بقلبٍ محطم، سيتبعها روسيفيوس وهناك يلتقيان لأول مرة.
امرأةٌ تقف بثباتٍ رغم اختفاء مرافقها، لكنها تبتلع حزنها في مكان لا تصل إليه أضواء القاعة….
ذلك الإشراق الذي لا ينكسر، والقوة الكامنة خلفه، كانا كافيين لجذب نظر روسيفيوس.
حرّكتُ عينيّ ونظرتُ إلى عمود بارز في جدار القاعة. ومن تحته، كانت ساقٌ طويلة تمتد إلى الخارج بشكل واضح.
‘تم رصد الابن الثاني لألفينوس.’
فرسان “الظل الأسود” أكدوا لي أن روسيفيوس كان هناك، في تلك البقعة الخارجة عن نطاق رؤيتي.
كانت هذه أول مرةٍ يحضر فيها حفلًا إمبراطوريًا بعد بلوغه، لذا كان فرسان الظل في حالة توتر.
‘آه، مرةً أخرى.’
ربما لأنني كنتُ أراقبه، شعرتُ بنظراته من ذلك الاتجاه منذ قليل.
رغم أن الجميع في القاعة كانوا ينظرون إليّ خلسة….
‘حسنًا، هل أتمشى قليلًا لأتأكد من أن الاثنين سيلتقيان كما يجب؟’
***
في الحديقة الخلفية الهادئة، كان عبير خضرة مايو ينتشر منعشًا تحت ضوء القمر.
‘حقًا….حقًا….أخيرًا، التقت إميلي بليوبورت.’
هيهي، مستغلةً ظلام الليل، ابتسمتُ بارتخاء دون تحفظ.
‘وليس هذا فقط، لقد رأيتُ إميلي عن قرب أيضًا.’
عندما صعدت فتيات الظهور الأول إلى المنصة برفقة مرافقهن لتحية العائلة الإمبراطورية، و كانت إميلي ضمن الصف.
ورغم أن كين لم يعد في النهاية، فظهرت دون مرافق.
وبمجرد أن تذكرت ذلك، شعرتُ بقلبي يضيق من التأثر مجددًا.
“أحيي شمس القارة السامية، وسيدة البدر المبارك. أنا إميلي، ابنة البارون روزبيري.”
في اللحظة التي رأيتُ فيها وجه إميلي بشعرها الوردي وعينيها الزرقاوين وملامحها الصغيرة اللطيفة….
‘لو كانت المحبة إنسانًا، لكانت إميلي.’
إذا كانت سكارليت تشع بهالةٍ يصعب الاقتراب منها، فإن إميلي تمتلك دفئًا يجعل الجميع يرغب في الاقتراب منها.
فستانها ذو الأكمام الواسعة ولمعانه الذهبي، رغم قدمه مقارنةً بفتيات الظهور الأول الأخريات، لم يستطع حجب سحرها.
هل هكذا يبدو من عاش حياته كلها محبوبًا؟
أم أن هذا السحر هو ما جعلها تُحب طوال حياتها؟
رغم أنني عشتُ 22 عامًا كأصغر أميرةٍ محبوبة، إلا أن هذا الشعور ظل معقدًا بالنسبة لي.
‘كان منظر ليو قبل قليل مذهلًا.’
ليوبورت، الذي كان يلتقي نظري عادةً ولو مرة، لم يكن يرى شيئًا سوى ظهر إميلي.
‘سيبتعد الآن تدريجيًا. حتى أنه لم يأتِ لتحيتي، وكان ينتظر فقط فرصةً للرقص معها.’
هل أشعر بقليلٍ من الفراغ؟
كقارئةٍ سابقة كان الأمر مبهجًا، لكن كصديقة….كان شعورًا مختلطًا بين الراحة والحزن.
وأنا أفكر أن هذا الشعور يشبه شعور أمٍ تودّع ابنها، وكنتُ أمشي ببطء.
حفيف-
مع صوت خطواتٍ متعمدة، شعرتُ بحضور شخصْ عند زاوية الشجيرات بجانبي.
دخل طرف حذاءٍ لامع في مجال رؤيتي. وساقٌ طويلة يلفها بنطالٌ مفصل بإتقان، وسترةٌ سوداء من قماش جاكار، ومعطفٍ يلتصق بالجسد بدقة.
قميصٌ مغلق حتى آخر زر، وربطة عنقٍ بلون أحمر داكن مرتبة للغاية.
وعندما رفعتُ نظري ببطء، التقت عيناي بعينين بنيتين داكنتين خلف إطار معدني.
في اللحظة التي التقت فيها أعيننا، شعرتُ وكأن قلبي سقط فجأة. و اختفى الدم من وجهي الذي كان محمرًا بسبب الكحول.
الرجل الذي ربط شعره الطويل خلف عنقه بإتقان، تقدم نحوي بخطواتٍ واسعة.
‘إلى اللقاء.’
تذكرتُ فجأةً شكل شفتي ذلك الصبي الذي رأيته يومًا في حديقة الأكاديمية، وعينيه الحمراوين وهو ينظر إليّ.
ذلك الصبي ذو العينين الحمراوين، أصبح الآن الرجل الذي رأيته في حلم العام الماضي، يقف أمامي.
“….روسيفيوس.”
رغم أنها أول مرة نلتقي، خرج اسمه من شفتيّ تلقائيًا.
ولحسن الحظ، تلاشى صوتي مع الريح.
لم أستطع حتى أن أرمش، واكتفيتُ بالتحديق به. بينما رفع روسيفيوس يده التي ترتدي قفازًا إلى صدره، وانحنى لي.
“يشرفني لقاء نجمة الإمبراطورية الصغيرة.”
كان صوته منخفضًا إلى حدٍ يهز أعماق القلب.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
___________________
اخيراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
حتى ليو الحين تأكدت انه مب طرف ثالث اقعد كذا لاترجع
اما روس يجنن كان ينتظر سيسيل تطع شكله هعهعهعهعهع
المهم تو اركز النبلاء همج كذا؟😭 ليه قاعدين ياصبحون كأنهم معجبين لسيسيل و ايلين
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.