الفصل 26: مراقبة طفولة الشرير الخفي (2)
تذكرتُ روسيفيوس الذي رأيته آخر مرةٍ في الحلم قبل بضعة أشهر.
كان قد غادر ممتلئًا بالأمل ظنًا أنه سيدخل برج السحر، لكنه عاد إلى ألفينوس بعدما رُفض لأسبابٍ لا يمكن تقبلها.
ذلك الطفل الذي كان يبكي بلا توقفٍ ويشفق على حاله….و كتفاه النحيلتان….
يهرب، يُقبض عليه من فرسان الماركيز.
يهرب، يعود بنفسه لعدم وجود مكانٍ يذهب إليه.
يهرب، ثم يُحمل مصابًا….
وفي نهاية اليأس، لمح بصيص أملٍ ضئيل، لكنه رُفض حتى من برج السحر….يال تلك الأكتاف البائسة.
‘روسيفيوس سيدخل الأكاديمية العام القادم.’
فمن أراد التصرّف كنَبيلٍ في العاصمة الإمبراطورية، لا بد أن يدخل الأكاديمية.
الأكاديمية التي يُلتحق بها في سن الثالثة عشرة كانت رمزًا للثروة والسلطة، إذ إن رسومها المرتفعة جعلت حتى بعض النبلاء غير قادرين على الالتحاق بها.
لكنها كانت المكان الذي يكتسب فيه أبناء النبلاء الثقافة الرفيعة ويبنون علاقاتهم، لذا كان نبلاء العاصمة يرسلون أبناءهم جميعًا إليها.
وكان ذلك أيضًا وسيلةً لإظهار ثراء العائلة.
وبما أن الماركيز ألفينوس كان يهتم بالمظاهر، فلم يكن ليخالف هذا العرف.
‘لذلك، رغم أنه كان يعتبر روسيفيوس شوكةً في عينه، كان يعيده كل مرة.’
فلو بدا أنه يهمل ابن أخته غير الشقيقة، لتضررت سمعة العائلة.
لكن يبدو أنه لم يهتم به لدرجة اصطحابه لبناء العلاقات منذ الصغر، إذ لم يحضر روسيفيوس أي مأدبةٍ إمبراطورية حتى الآن.
‘سيدخل الأكاديمية العام القادم، ومع ذلك لم يُظهر وجهه هذا العام أيضًا. بقي مهرجان الحصاد فقط.… فألن يأتي حتى حينها؟’
روسيفيوس، الذي سيبدأ حياته في مجتمع النبلاء لأول مرةٍ عند دخوله الأكاديمية العام القادم.
وبالطبع….لن تكون حياته هناك سهلة.
ففي الأكاديمية أيضًا، سيتعرض للازدراء من أقرانه باعتباره ابنًا غير شرعيٍ لابنةٍ غير شرعية، وكان ذلك السبب الحاسم الذي دفعه للسقوط في الظلام وتعلم السحر بنفسه.
‘دوره مهمٌ إلى حدٍ ما، لذا يجب أن تسير الأمور تقريبًا كما في القصة الأصلية….لكن أتمنى لو كان أقل وحدة….’
منذ أن عرفتُ أن الطفل في الحلم هو روسيفيوس، ظللتُ أفكر فيه طويلًا. لكن المشكلة أنني لم أملك وسيلةً حقيقية للتدخل.
فرغم قوة السلطة الإمبراطورية، لا يمكنني ببساطة نفي أحد أبناء الماركيز الذي لم يظهر للعلن من قبل.
ولا يمكنني تغيير قرار برج السحر….
‘وفصيلي الخاص الذي سيعمل كأطرافي ما زال قيد الإعداد، وحتى إن بدأ نشاطه، فلن يتمكن من التدخل في حياة الأكاديمية….’
وفي كل مرةٍ أشعر فيها بهذا العجز، أجد نفسي أتشبث بالعالم الصلب للقصة الأصلية، وكأنني أؤمن بقوةٍ قسرية تحكمها.
‘سيكون ذلك خلاصًا.’
وذلك الخلاص لن يكون على حساب تعاسة شخصٍ آخر….أليس كذلك؟
لو أزلنا الكثير من شروره، فقد يتغير المصير الذي ينتهي بموته، وربما يمكنه أن يصبح سعيدًا.
“آه، هذه، هذه….”
بينما كنتُ غارقةً في أفكاري، كان كين يراقب مبارزة رينا وليوبورت وهو ينقر لسانه باستمرار.
فقد كانت رينا تلعب بليوبورت بخفة حركتها.
“كين.”
“نعم، سموكِ. خبز القمح سأحضره فور انتهاء إجازة متجر بولينا….”
أجاب كين بسرعةٍ كخبير متمرس في جلب الخبز.
‘همم، ربما كلفته بذلك كثيرًا.’
أصبح إحضار خبز القمح من متجر بولينا، الذي أوصت به إميلي، وكرات اللحم من مطعم “الأميرة وطائر السهر”، مهمةٌ منتظمة مرتين في الشهر.
كانت تلك الأطعمة المليئة بالنكهة بمثابة إضافةٍ مميزة لنظام سيسيليا الغذائي الصحي، وقد أصبحتُ مدمنةً عليها.
‘آه، بمجرد التفكير بها، عاد طعمها اللذيذ إلى طرف لساني.’
‘عندما يصبح كين فارسًا رسميًا، يجب أن أجد طريقةً لتوصيلها بشكلٍ دوري بدلًا من تكليفه.’
ابتسمتُ لنفسي راضيةً عن خطتي، ثم تابعتُ،
“ستحصل على لقب فارسٍ في مهرجان الحصاد هذه المرة، أليس كذلك؟ كيف تشعر؟”
“آه….حسنًا، لم يُحسم الأمر بعد.”
“السيد لانسيل قال أنكَ ستنجح بالتأكيد.”
“المعلم فقط يجاملني.”
ضحك كين بخجلٍ وهو يحك مؤخرة رقبته. وقد بدا عليه ملامح الشاب الناضج، إذ أصبح بطول لانسيل.
نظرتُ إلى جسده القوي وتحدثتُ بصوت مليء بالثقة،
“بالطبع يجب أن تنجح. لدي الكثير من الأمور لأوكلها إليكَ.”
“عفوًا؟”
نظرتُ إليه مبتسمةً بخفة.
حان الوقت لتسريع الاستعدادات.
***
كان مهرجان الحصاد الذي يُقام في أوائل نوفمبر من كل عامٍ هو آخر أسبوعٍ احتفالي في السنة.
وفي يوم الافتتاح، كان القصر الإمبراطوري مشغولًا بطريقته الخاصة.
فالمسابقات مثل الصيد أو أفضل المحاصيل تُقام في الساحات أو الغابات شمال العاصمة، لكن حفلي الافتتاح والختام يُقامان في القصر.
وبعد انتهاء هذا الحدث، لن تُقام أي ولائم حتى احتفال رأس السنة بعد شهرين، لذا كان جميع النبلاء المقيمين في العاصمة يحضرون دون استثناء.
وكان قصر فريزيا، حيث تُحضَّر مراسم الافتتاح، يعجّ بالحركة اليوم أيضًا.
وخاصةً غرفة ملابسي….
“آه، باتي، هذا خانق!”
“نحن في أوائل الشتاء، لا مفر من ذلك.”
“لكنني كنتُ بخيرٍ حتى الآن!”
“ستحضرين مراسم تعيين الفرسان اليوم، أليس كذلك؟”
وبينما تقول ذلك، حاولت باتيشا أن تضيف عباءةً صوفية فوق المعطف الذي أرتديه فوق الفستان.
كنتُ بالفعل أرتدي ثلاث طبقاتٍ من الجوارب الضيقة وسروالًا تحت التنورة.
“إنه حدثٌ في الهواء الطلق. قد لا تشعرين بالبرد عند الخروج قليلًا، لكنكِ ستبردين إن وقفتِ طويلًا.”
وأيدت ماري كلامها وهي تمسك وشاحًا من الفرو.
‘آه….لا أشعر بالبرد….’
بالنسبة لي، كان مناخ هذا العالم معتدلًا جدًا.
حتى بدون استخدام ريبيكا لقدرتها المقدسة، كان الصيف دافئًا فقط، والشتاء باردًا قليلًا مع بعض الثلج، دون بردٍ قارس.
‘ربما لأن العاصمة تقع في منطقةٍ معتدلة من القارة.…’
بعد أن عشتُ حياةً سابقة في مناخٍ قاسٍ، كان هذا الجو مريحًا للغاية بالنسبة لي.
‘حسنًا، جسد سيسيليا ضعيفٌ أصلًا، لذا أفهم قلقهم….’
لعل كل هذه الضجة بسبب أن أول مرةٍ مرضتُ فيها بشدة كانت بسبب برد الربيع المفاجئ بعد مراسم التعميد.
بوجهٍ مستسلم، تسلّمتُ الوشاح الفرو والقفازات الصوفية، وحتى المدفأة اليدوية السحرية.
***
قبل بدء مراسم الافتتاح، وفي ظهيرةٍ كانت الشمس تميل فيها نحو الغروب، أُقيمت مراسم تعيين الفرسان في ساحة التدريب أمام قصر النرجس.
المكان الذي بذل فيه أتباعي جهدهم قبل ثلاث سنوات لتجاوز المنافسة الشديدة.
“أن يصبح كين وإيلين، الأكبران، فرسانًا رسميين هنا.…!”
تمتمتُ بذلك وأنا أدخل ساحة التدريب بمشاعر جديدة.
نُصِبَت منصةٌ مهيبة تليق بمناسبةٍ إمبراطورية، لاستقبال عائلتنا.
“هيا، سيسيل. من هنا.”
استقبلني والدي على المنصة، وقد بدا متأثرًا لأنني أحضر هذه المراسم لأول مرة.
صعدتُ ببطء، محاوِلةً ألا أُظهر ثقل طبقات الملابس الأربع على ساقيّ.
‘يجب أن أنزع كل هذا قبل الذهاب إلى حفل الافتتاح.’
جلستُ بجانب والديّ و ولية العهد غريس، بينما كان عشرات الفرسان المتدربين مصطفّين بانتظام.
كان هذا المكان الذي يقسم فيه من اجتازوا اختبارات الجيش الإمبراطوري من مختلف أنحاء الإمبراطورية الولاء، ليُعيَّنوا فرسانًا.
‘إنه باردٌ فعلًا.’
شددتُ قبضتي على المدفأة السحرية داخل قفازي، ونظرتُ حولي.
في الصف الأيمن الأمامي، كان كين وإيلين يقفان جنبًا إلى جنب. بعد شهرٍ من الجهد في اختبارات الاختيار، اجتازاها بنتائج ممتازة.
‘طبيعي. فقد اكتشف لانسيل موهبةً جديدة في القيادة أثناء تدريبه لفصيلي.’
نظرتُ خلسةً إلى لانسيل الذي يقف بجانبي كحارسي.
‘لا بد أنه فخورٌ ومتأثرٌ برؤية أول تلاميذه يصبحون فرسانًا.’
وكعادته، لم يظهر على وجهه أي تعبير.
كان كين وإيلين يرتديان زي فرسان الهيكل الرسمي، نظيفًا ومشدودًا بلا أي تجاعيد، وكأنه صُنع للتو.
بدا التوتر واضحًا على كين، بينما ظل وجه إيلين بلا ملامح، لا يُعرف ما تفكر فيه. فقط ذيل شعرها المرتفع كان مشدودًا بعنايةٍ أكثر من المعتاد.
رغم أنها أكبر من كين بعام، وقد بلغت سن الرشد العام الماضي، فضّلت أن تُعيَّن هذا العام حتى لا تبرز وحدها.
ومع ذلك، كانت تنجز كل ما يُطلب منها بإتقان….
“لانسيل، كيف تشعر؟”
ظل وجهه البرونزي جامدًا.
“….أشعر وكأن هذه لحظاتٌ تمر أمام عيني.”
هل ارتجف صوته قليلًا؟
رغم أن وجهه لم يتغير، إلا أنني شعرتُ أن عينيه قد احمرّتا من الداخل.
‘الذكريات تظهر قبل الموت، أيها المعلم العاطفي.…’
ابتلعتُ ذلك التعليق و رددتُ،
“لقد تعبتَ كثيرًا. تحمّل قليلًا حتى تعيين رينا وديريك.”
كان أصغر أفراد الفصيل الأول، رينا وديريك، في السادسة عشرة هذا العام، وسيبلغان سن الرشد بعد ثلاث سنوات.
وعندها، كنتُ أخطط لإعادة جميع الفرسان الذين أُعيروا لي من روزيليا إلى وحداتهم الأصلية.
ابتداءً من اليوم، مع تعيين كين وإيلين، سأعيد اثنين من الفرسان الثمانية الذين رافقوني منذ صغري.
وفي العامين القادمين، مع تعيين بقية المتدربين، سأعيد البقية تدريجيًا.
“أتعلمين أن جميع أفراد الفصيل السادس يعتبرون حماية سموكِ شرفًا كبيرًا؟”
تفاجأتُ بطول حديث لانسيل، ونظرتُ إليه.
و رغم أن وجهه بقي بلا تعبير، إلا أنني، بعد اثني عشر عامًا معه، أدركتُ أنه يحاول الابتسام بلطف.
“منذ ذلك اليوم، قرروا بإرادتهم احترامكِ وخدمتكِ كسيدةٍ لهم.”
ابتسمتُ وأنا أتذكر ما أخبرتني به روزيليا سابقًا عن مشاعرهم.
“بالطبع. أنا فقط أطردكم لأنني لا أريد فارق أجيالٍ معكم في مراهقتي.”
ظهر على وجه لانسيل شبه ابتسامةٍ خفيفة.
هكذا أودّع طفولتي الهادئة شيئًا فشيئًا، وأستعد للمستقبل الذي أريده.
من أجل مسرح القصة الأصلية المثالي.
“سيسيل، كيف حالكِ؟”
“أخي!”
“سمعتُ أن بعض متدربيكِ أصبحوا فرسانًا اليوم لأول مرة. تهانينا.”
“شكرًا، أخي. كيف حالكَ؟ لقد مر وقتٌ طويل، سمو الدوقة الصغير.”
“أحيّي نجمة الإمبراطورية الصغيرة. يبدو أن سموكِ أصبحتِ أكثر نضجًا.”
في قاعة المأدبة الكبرى بعد انتهاء مراسم التعيين، وبينما كان الجميع يستعدون للرقص، جاء أخي ثيودور مع زوجته، دوقة غلينتشيا الصغيرة، لتحية العائلة الإمبراطورية.
في العام الماضي، تزوج ثيودور وريثة دوقية غلينتشيا، إحدى أقوى العائلات المحايدة.
ورغم أن ريبيكا التحقت بالكنيسة، إلا أنها ما زالت تتردد على القصر، لذا كان هو أول من غادر العائلة فعليًا.
“سيسيل، هل قضيتِ الصيف بخير؟”
“بالطبع!”
نظر إليّ ثيودور بنظرة حنين، وكأنه لم يرني منذ زمنٍ طويل.
ورغم أنه أسس عائلته الخاصة، وكان من الطبيعي أن ينشغل بها….
“حقًا، عندما أراكِ بعد هذا الغياب.…”
“هاها، لم أكبر كثيرًا، أليس كذلك؟”
كنتُ أعلم أن نمو جسد سيسيليا بطيءٌ جدًا.
ظل ينظر إليّ بعينيه الزرقاوين الذهبيتين بحزنٍ واضح. و كان يعبر دائمًا عن أسفه لابتعاده عني.
“حقًا، أنتَ….سيسيل ليست ابنتكَ، بل أختك.”
“لكن، يا عزيزتي، من الصعب ألا أشتاق لمن كنتُ أراها يوميًا.”
تنهد ثيودور.
‘لو كان زوجي هكذا، لانزعجتُ.…’
نظرتُ إلى دوقة غلينتشيا الصغيرة.
بدا أنها واسعة الأفق حقًا، كما يليق بوريثة عائلةٍ ثرية قامت على التجارة والتعدين.
“يمكنكَ زيارتها كلما أتيتَ إلى العاصمة، قبل أن تتزوج هي.”
“….كلام قاسٍ. كيف يمكن أن يأخذها أحدهم مني.…”
قال ثيودور ذلك بحزن. ولحسن الحظ أن زوجته متفهمة.
“لا تقلق، أخي.”
تذكرتُ خطتي الكبرى بالبقاء في القصر الإمبراطوري طويلًا عبر فصيلي الخاص.
“إذا أصبحتُ مفيدةً لوالدي وغريس، فلن أحتاج إلى الزواج.”
لقد تعلمتُ في حياتي السابقة ألا أعتمد على مشاعر هشة كالحب.
سأدير فصيلي جيدًا، وأتولى منصبًا مهمًا، وأبقى في القصر إلى الأبد.
وبينما كنتُ أتأمل القاعة بفخر، وقع بصري على صبيً يقف هناك.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
______________________
روس؟؟؟؟ تكفى
المهم وعنها مفاجأه ثانيه ثيودور تزوج وانا ماندري😭 ليه مافيه عرس نحضره طيب
بعدين روزيليا اكبر ولا؟ اشوا ابيها تتزوج واحد طبيعي ولا تقلعه
بس وناسه زوج غريس حلو و زوجة ثيودور حلوه بعد واضح كوبلاتهم كيوت طييعيه رايعه
اما لانسيل بعد هو يجنن ابي له كوبل مع خدامه كيوت☹️
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.