الفصل 2: أصغر أميرةٍ في أسوراماسورا (1)
في البدء، كانت هناك حكايةٌ ما. وعند مطلع تلك الحكاية، استعدتُ أنا دوري.
لا أعلم إن كنتُ قد فتحتُ عيني أم أغمضتهما، لكن وسط ذلك الفيض من الضوء الأبيض الذي انهمر على شبكيتي.
‘لابد أن ذلك كان خلاصًا.’
كانت تلك الكلمة الوحيدة التي استطعتُ انتشالها.
***
كنتُ، على نحوٍ لافت، كثيرة التذمر كلما حلّ الليل. ومع ذلك، لم أكن أستيقظ فعلًا، ولا أبكي حقًا.
كان السبب أن الحكاية ذاتها، كل ليلةٍ دون استثناء، وبشكلٍ فوضوي، كانت تُعاد مرارًا وتكرارًا في أحلامي.
“هل أنتِ بخيرٍ يا سموك؟”
“هل تظنين أنها تشعر بالوحدة؟”
“لا تقولي ذلك وأنتِ لا تعرفين عني شيئًا.”
“اسم والدة الصغيره….ما هو؟”
“لا….! تماسكي يا ميلي!”
وكأن عليّ ألا أنسى حتى أصغر شظيةٍ منها.
وهكذا، حين بدأت حواسي تنمو تدريجيًا لتستوعب عقلانية الكبار، أدركتُ في أي وضعٍ أنا.
“لابد أن بركةً عظيمة قد نزلت على أسوراماسورا.”
….اسم تلك البلاد الغريب.
“ذلك لأن جلالة الإمبراطور أوبتيموس الثالث مليءٌ بالفضائل.…”
اسمٌ يجعلكَ تفكر بروبوتٍ عملاق، أو حتى بأحد مستلزمات العصر الحديث.
وتلك الحكايات التي كانت تُعاد بلا توقفٍ في لياليّ الضبابية، عن الأحداث التي ستقع في أسوراماسورا تحت حكم أوبتيموس الثالث.
نعم، كان هذا الوضع مألوفًا للغاية لقارئة رواياتٍ رومانسية خيالية منذ سنوات.
اسم بلد سمعته من قبل، أسماء مألوفة، وحقيقة أنني—حديثة الولادة—أعرف كل هذه المعلومات….
بمعنى آخر، لقد تجسدتُ داخل كتابٍ قرأته. أم ربما الأدق أن أقول أنني تناسختُ؟
أما آخر ذكرى من حياتي السابقة….فكنتُ أسير على جسر مابو.
عباراتٌ مثل “حاولي تذكّر الذكريات الجميلة” و”لابد أنكِ مررتِ بوقتٍ عصيب” كانت تلوح أمام ناظري، لكنني كنتُ هناك لسببٍ لا علاقة له إطلاقًا بما اشتهر به ذلك الجسر.
كان يومًا أشعر فيه بالفراغ، فاحتسيتُ زجاجة سوجو مع بعض البيرة في حديقة نهر الهان، ثم كنتُ في طريقي إلى المنزل.
كان وجهي قد احمرّ من أثر الشراب، لذا أردتُ أن أستنشق بعض نسيم النهر، لأفيق قليلًا، ثم أستقل المترو.
رفعتُ هاتفي وضغطتُ على الرقم الأعلى في سجل المكالمات. أمرٌ كررته مرةً أو مرتين كل مساء خلال الأيام الماضية، واليوم أيضًا عدة مراتٍ عند ضفة النهر.
[♡حبيبي♡] ↗ (13)
• رررررر….
بينما أستمع إلى نغمة الاتصال التي سمعتها عشرات المرات في الأيام الأخيرة، غمرتني في تلك اللحظة أفكارٌ لا حصر لها.
نصفُ رغبةٍ في أن يجيب، ونصفُ رغبةٍ في ألا يُفتح الخط هذه المرة أيضًا.
وإن ردّ….ماذا سأقول؟ أو ماذا سأسمع؟ لم أكن مستعدةً لأيٍ من ذلك.
• لا يمكن إتمام الاتصال، سيتم تحويلك إلى البريد الصوتي….
الرسالة الآلية التي لا أعلم كم مرةً سمعتها اليوم، انغرست بوضوحٍ في أذني رغم ضجيج السيارات المارة بجانبي.
“كنتُ أعلم ذلك.…”
أمسكتُ هاتفي بقوةٍ و توقفت في مكاني.
انفصالٌ آخر.
علاقاتٌ بذلتُ فيها قصارى جهدي، لكنها كانت تنتهي دائمًا في أماكن لم أُردها.
ضجيج السيارات المارة جعل أذنيّ تصدحان بالفراغ.
لا أريد أن أبقى وحدي اليوم….هل أعود إلى منزل العائلة؟
“امتحان أختكِ على الأبواب، لماذا جئتِ لتثيري الفوضى؟”
“أكل الدجاج سيجعلكِ تشعرين بالثقل فقط!”
“تنفقين المال في أشياء بلا فائدة، كان الأجدر بكِ أن تجهزي دواءً مقويًا لأختكِ الصغرى….كيف أنجبنا فتاةً بهذا الغباء….”
….لا. إذاً هل هناك صديقٌ يمكنني الاتصال به في هذا الوقت….
“هل رأيتِ حساب حبيبكِ السابق؟ يبدو أنه انتقل لواحدةٍ أخرى؟ بصراحة، لديه ما يبرر ذلك….فهي أفضل منكِ بكثير.…”
“ألم تكوني لطيفةً أكثر من اللازم؟ الرجال يهربون عندما تطاردينهم، أليس هذا ما يُقال؟”
حاولت استحضار وجوه العائلة والأصدقاء، لكن الكلمات القاسية التي سمعتها يومًا اندفعت نحوي بلا رحمة.
‘في الروايات، حتى لو سارت الأمور بهذا السوء، يكون هناك حبيبٌ مقدر….يا للحسد….’
كنتُ أستعيد أحداث الرواية التي كنتُ أقرأها على ضفة النهر، وعندما رفعت رأسي مع تنهيدة—
فجأة، دار العالم من حولي.
أضواء الشارع القرمزية، أضواء السيارات الحمراء العابرة، والسماء المصبوغة بالأحمر تحت غيوم المطر….
ثم ظلامٌ دامس.
تلك كانت آخر ذكرى من حياتي السابقة.
هل متُّ؟ بصراحة، لا أعلم.
و هل تقول أن ذلك لا يُسمى حياةً سابقة إذًا؟
حسنًا، لستُ متأكدة….لكن المؤكد أن الحياة التي ستبدأ الآن هي حياتي الحقيقية.
‘لابد أن ذلك كان خلاصًا.’
تلك العبارة الباهتة في ذاكرتي….ربما كانت نقطة التحول في حياتي.
آه….أشعر بالنعاس….
‘يبدو أنني أنهيتُ نصيبي من التفكير اليوم.’
رغم أنني عشتُ أكثر من عشرين عامًا في حياتي السابقة، إلا أن جسدي لم يكتمل نموه بعد، لذا كان من الصعب عليّ الحفاظ على وعيي أو إدراك ما حولي لفترةٍ طويلة.
“انظروا إلى الصغيرة وهي تتثاءب.”
“آه، أليست كفرخ طائرٍ حقًا؟”
“إنها لطيفةٌ للغاية.”
“هااام….”
أحيانًا كانت تُقال كلماتٌ تجعلني أشعر بالحرج وكأنها ليست موجهةً إليّ.
“الطفلة نائمةٌ اليوم أيضًا.”
“هذا طبيعي في مثل هذا العمر، ينامون كثيرًا.”
“حتى أنتِ كنتِ كذلك عندما كنتِ صغيرة.”
أحيانًا كنتُ أشعر بأن أشخاصًا يُرجّح أنهم عائلتي يتجولون قرب مهدي.
لكن….هل يعقل أن تعتني بي العائلة بهذا القدر؟
‘ربما يحدث ذلك عندما يكون الطفل رضيعًا….’
ثم غفوتُ مجددًا.
كم مرةً يا ترى نمتُ واستيقظتُ وكررتُ ذلك؟
في أحد الأيام، بينما كنتُ أعيش في حالةٍ ضبابية، أتناول إن أطعموني وأُغسل إن غسلوني، دون أن أميز إن كان هذا جسدي أم جسد غيري—
ساد جوٌّ صاخب على غير العادة، ففتحتُ عيني ببطءٍ لأبدد نعاسي.
“لماذا يوجد هذا العدد من الناس؟”
الغرفة التي لم يكن يدخلها سوى أمي والمربية وبعض الخادمات، بدا وكأن أكثر من عشرة أشخاصٍ قد اجتمعوا فيها.
“وأخيرًا مرّ شهرٌ على ولادة الطفل.”
فجأة، انتقل جسدي المتمدد بين ذراعي من أظنها أمي.
هذا الحضن العريض….نعم، لا بد أنه أبي.
رمشتُ بعينيّ محاوِلةً تركيز بصري غير المستقر، ونظرتُ إلى من يحملني. كان رجلاً في منتصف العمر، بملامح وسيمة وشعرٍ فضي ممشط بعناية، يبتسم بلطفٍ لي.
‘هذا هو أوبتيموس الثالث….’
كنت أرى وجه الإمبراطور الذي لم أعرفه إلا بالاسم لأول مرة.
والآن بعد أن فكرتُ بالأمر، يبدو أنني سمعتُ هذا الصوت من قبل في غفوتي.
“هيا يا صغيرتي، انظري إلى أبيكِ.”
هزّ ذراعيه برفقٍ وهو يحملني ليلاعبني.
أوه….رؤيتي تتشوش….هل ما زال يبتسم لي؟
‘يبدو وكأنه مغرمٌ بي حدّ الموت….حسنًا، كل الأطفال لطيفون.’
هل كنتُ أنا أيضًا أتلقى نظراتٍ كهذه عندما كنتُ رضيعةً في حياتي السابقة؟
رغم أن الطفل طفل، إلا أن هناك فرقًا بين فردٍ من العائلة الإمبراطورية ومواطنةٍ عادية في العصر الحديث.
بعد لحظة، تغيّر الضوء من حولي وكأنه استدار.
“الآن سنُدرج الطفلة رسميًا ضمن نسب أسوراماسورا.”
هاه، حتى بعد سماعه مجددًا، يظل ذلك الاسم محرجًا.
كان هناك من يقول أنهم اختاروه عشوائيًا فحسب.
“واسمها سيكون.…”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ولو في داخلي فقط. بينما مرت في ذهني أسماء أبناء أوبتيموس الثالث من العائلة الإمبراطورية.
‘يبدو أنني لستُ الكبرى، إذاً لن أكون وليّة العهد. هل سأكون روزيليا، قائدة فرسان القديسين؟ كانت رائعة فعلًا، لكن تدريب الفرسان يبدو شاقًا….أم ربما ريبيكا؟ بما أنه قيل أنني خلاص، فريبيكا التي تمتلك قوةً مقدسة هائلة تناسب ذلك. وبما أنني أميرة، فلن أكون ثيودور.’
وبينما كنتُ أغوص في أفكارٍ حول شخصيات العائلة الإمبراطورية—
“اسم الطفلة سيكون سيسيليا.”
“الأميرة الرابعة سيسيليا!”
آه، كيف نسيتُ هذه؟
استفقتُ تمامًا وركزتُ كل حواسي البصرية على محيطي.
المشهد الذي كان يبدو مجرد كتلٍ من الضوء والظل، بدأ يتضح أخيرًا.
سيدةٌ نبيلة تبتسم بلطفٍ على السرير، وبجوارها فتيانٌ وفتياتٌ ينظرون إليّ بعيونٍ لامعة.
‘صحيح….كانت الأصوات التي أسمعها كل يوم متنوعة جدًا. لأنني الأصغر.’
كما أن شعر أبي وإخوتي في هذه الحياة كان جميعه فضيًا لامعًا كرمزٍ للعائلة الإمبراطورية.
‘لا بد أن لديّ شعرًا كهذا أيضًا، أليس كذلك؟’
إذاً، لقد وُلدت كأصغر أميرة في أسورا….أو ما شابه، باسم سيسيليا!
“آووا.”
“يا إلهي، هل تبتسم بالفعل؟”
“سمو الأميرة ذكيةٌ حقًا.”
“إنها بركةٌ عظيمة لأسوراماسورا.”
يبدو أن السعادة التي لم أستطع كبتها جعلت عضلات وجهي، رغم أنني لم أبلغ سوى شهرين، ترسم شيئًا يشبه الابتسامة.
وكيف لا أبتسم؟ لقد وُلدت وفي فمي ملعقةٌ من الألماس!
المكان الذي وُلدت فيه هو عالم رواية “بنفسج دوقيةٌ تنمو بالدموع”، أو باختصار “بنفسج الدوقية”.
كان عالمي الروائي المفضل، أشبه بمتعةٍ مذنبة.
“بنفسج الدوقية” هي قصة سندريلا تقليدية عن وريث دوقٍ يحظى بإعجاب الجميع، وبطلةٍ كادحة قدمت إلى العاصمة لبناء عائلتها، وقد حظيت بشعبيةٍ جارفة أثناء نشرها.
لماذا كانت “متعةً مذنبة”؟ لأنها، بقدر شعبيتها، كانت مليئة بكل عناصر المبالغة الدرامية!
سرّ الولادة، معارضة العائلة المستقبلية، بل وحتى سكب الشاي الساخن وأكياس العملات الذهبية—لم يكن أيٌ منها غائبًا.
وفوق ذلك، ربما لأن الكاتب أراد التأكيد على أن البطلين مرتبطان بالقدر، كانت علاقتهما مليئةً بالعقبات القاسية.
‘كانت تلك المعاناة خانقةً بحق. رغم ذلك، كان يُقال أنه قد يوجد من لم يقرأها، لكن لا يوجد من قرأ فصلًا واحدًا فقط.’
قد تتساءل: كيف يمكن أن يكون التجسد في عالمٍ مليء بكل هذه الدراما أمرًا سعيدًا لدرجة تحريك عضلات وجه طفلٍ عمره شهران تقريباً؟
كما قلتُ، لقد وُلدتُ بملعقة ألماس!
الإمبراطورية في عصر ازدهار، ووالداي—الإمبراطور والإمبراطورة—يعيشان في انسجامٍ تام لدرجة أنهما أنجباني في سنٍ متقدمة.
وإخوتي، الذين يكبرونني باثني عشر عامًا على الأقل، تربطهم علاقاتٌ قوية، لذا من المتوقع أن أكبر دون أن أعرف شيئًا عن تهديدات الحياة.
إضافةً إلى ذلك، وعلى عكس أخواتي، لا يبدو أنني سأتولى منصبًا مهمًا.
‘أميرةٌ صغرى لا تتحمل مسؤولياتٍ كبيرة، فقط تتلقى الحب….يا لها من حياةٍ حلوة.’
والأهم من ذلك كله، أن دوري في القصة الأصلية يكاد يكون معدومًا.
“يقال أن سمو الأميرة الصغرى تحضر بالفعل اجتماعات الشؤون السياسية.”
“يبدو أنها ذكيةٌ للغاية، ويقال إنها ستتولى منصبًا مهمًا قريبًا.”
كانت تُذكر فقط في همسات الشخصيات الثانوية كهذه.
“يبدو أنكَ مقربٌ جدًا من سمو الأميرة الرابعة، إذ تناديها باسم دلع….”
أو تظهر كوسيلةٍ لإثارة غيرة البطلة وتعميق مشاعرها.
حقيقة أن دوري في تلك القصة المليئة بالمعاناة كان ضئيلًا للغاية تعني شيئًا واحدًا فقط.
‘حياتي لا علاقة لها بمجريات القصة إطلاقًا!’
بمعنى آخر، لن تكون هناك إشارات موتٍ في حياتي، ولا عواصف درامية تعرقل حب البطلين—كل ذلك ليس شأني.
في القصة، من يعاني هم البطلان فقط، أما العائلة الإمبراطورية—وأنا—فلا علاقة لنا بذلك.
كل ما عليّ هو أن أعيش بسعادةٍ كأصغر فردٍ في العائلة الإمبراطورية المزدهرة.
‘هاها، لا يسعني إلا أن أضحك.’
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
______________________
طيب من حقها تضحك بس كأنها انجنت وش الي عمرها شهر اظن تضحك كذا😭
الفصول طويله فبخليها يوم ايه يوم لا 3 فصول
المهم اهلها واضح يجننون وعندها خوات واجد واخوان مدري كم بس الي يجنن اختها الكبيره هي ولية العهد؟ وااااو
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.