الفصل 99
ما إن انقطع السرد حتى وبخت تاشا هاينيل توبيخًا خفيفًا.
“أنتِ! هل ستخسرين شيئًا إن استمعتِ بهدوءٍ من دون مقاطعتي في المنتصف؟”
“آه، حسنًا.”
“سيأتي الشرح بعد قليل. همم، سلة مهملات المشاعر. إنها تعني أن بريشا أصبحت وكأنها دلوٌ يجمع المشاعر السيئة ويرميها مثل القمامة….”
متى كان ذلك؟ لقد كان هذا يحمل المعنى نفسه الذي قلته لشين ذات مرة.
شردتُ للحظة، ثم كدتُ أموت وأنا أحاول كبح ضحكتي التي كانت على وشك الانفجار.
‘إذاً هكذا استخدم هذا التعبير هنا؟’
منذ أن عرفتُ أن شيل إيفير هو شين، لم أعد قادرةً على قراءة كتاباته كما كنتُ أفعل من قبل.
وبدأتُ أعتقد أنني أحسنتُ صنعًا عندما وضعتُ ذلك الشرط المبالغ فيه بألا أرى وجهه حتى ينتهي من الجزء الثاني.
يجب ألا يحدث أبدًا أن أتدخل في العمل وأفسد مساره!
وشين سيتبع نصائحي حتمًا، لذا لا بد من اللجوء إلى طريقةَ متطرفة حتى لو….
“ريتا. لقد شردتِ في أفكاركِ مجددًا ولم تسمعي ما قلته، أليس كذلك!”
كان وقت تناول الطعام. و كان فمي ممتلئًا بالحساء، فلم أستطع الرد على كلام عمتي.
“ستقيم الكونتيسة غراي، التي أصبحت من كبار أصحاب النفوذ الجدد في المجتمع الراقي، آخر حفلةٍ راقصة لهذا العام. احرصي على حضورها هذه المرة.”
كنتُ على وشك الاعتراض، لكن فكرة غير متوقعة خطرت ببالي.
“إذا أصبحتِ فعلًا الوريثة، فعليكِ أن تجعلي النبلاء الآخرين يدركون وجودكِ ومكانتك جيدًا.”
“….حسنًا. لا بأس، سأذهب هذه المرة.”
و لم تستطع عمتي إخفاء نظرة الشك في عينيها.
“لماذا وافقتِ بهذه السرعة؟”
“أنتِ تعترضين حتى عندما أقول أنني سأذهب.”
كدتُ أتلقى ضربةً خفيفة على ظهري. فتفاديتُ يد عمتي القاسية وتذمرتُ.
“آآه، يا له من إزعاج. على أي حال، إذا كنتُ سأصبح الوريثة، فأريد فقط أن أنهي كل شيءٍ بسرعة.”
“قولي كلامًا منطقيًا.”
تنهدت سوزان وهي ترفع كأسها بأناقة.
“….حتى أنا كنتُ أفكر بهذه الطريقة في وقتٍ ما.”
***
بعد أن خطرت لي فكرة، نشرتُ الشائعات في كل مكان عن طريق الخادمات.
أن الآنسة لوار ستحضر حفلة نهاية العام التي تقيمها عائلة الكونت غراي.
وكان السبب في إلقائي هذا القدر الهائل من الطُعم هو فيفيان تحديدًا.
‘كيف تجرؤ على العبث برجلـي، وبكاتبي الذي أحبه؟ لن أدع الأمر يمر ببساطة.’
كنتُ طوال ذلك الوقت أكتفي بتجنب فيفيان، تلك الكارثة الطبيعية في حياتي بعد التجسد. لكن فيفيان تمادت في النهاية ولمست شخصًا عزيزًا عليّ.
‘سأنهي علاقتي بكِ بيدي.’
“يا إلهي، ما بال تعبير وجهكِ مجددًا!”
“ما به؟ إنه تعبير وجهٍ سعيد.”
“أي شخص يراكِ سيعرف….هل تذكرين يوم قلتِ أنكِ ستقومين بـ”صب الزيت على النار”؟ إنه نفس ذلك التعبير تمامًا.”
بعد أن اخترتُ الفستان الذي سأرتديه في حفلة عائلة غراي من أحد متاجر الأزياء الراقية، رفعتُ صوتي قليلًا على نحوٍ متعمد، بحيث يسمعني الجميع.
“آه، صحيح. هل ستأتي فيفيان أيضًا إلى حفلة عائلة غراي؟ لدي شيءٌ أريد الاعتذار لها عنه.”
في تلك اللحظة، حبس كل من في المتجر أنفاسه وكأن الجميع قد ركز على كلامي في آنٍ واحد.
أما تعبير وجه عمتي، التي استدارت نحوي بسرعة، فكان مخيفًا للغاية.
كان واضحًا أنها تسأل بعينيها: ما الذي تقولينه بحق؟
وبعد أن ألقيتُ بطُعمٍ ضخم يكفي لإثارة فضول الجميع ببضع كلماتٍ فقط، خرجتُ بهدوءٍ وانتظرت العربة.
لا شك أن الشائعة ستنتقل عبر شائعاتٍ أخرى حتى تصل إلى أذني فيفيان.
وبالتأكيد ستتحور كلماتي أثناء تناقلها، وستصبح القصة مشوهةً وغير واضحة. وستعتقد فيفيان: “لا أعرف لماذا، لكن تلك الحمقاء ليفيريتا تريد رؤيتي.”
ورغم أنها قطعت علاقتها بي بتلك القسوة، ستصاب بالغرور عندما تعرف أنني في النهاية ما زلتُ أشتاق إليها. وستشعر بنشوة الانتصار.
كنتُ أنوي أن أزرع في قلب فيفيان أملًا صغيرًا، ثم أتركه ينمو ويكبر متغذيًا على الغضب والفضول.
حتى تتذكرني لاحقًا عندما تهرب بسبب قضية محاولة قتل القديسة، وحتى يخطر ببالها أنها بحاجةٍ إلى التعلق بي والتوسل إليّ.
‘في السابق، فعلتُ كل ما بوسعي لإبعادها.’
لكن ذلك التصرف لم يكن بلا فائدةٍ تمامًا. فقد كنتُ أجمع بعناية كومةً هائلة من الأدلة التي تثبت أنني لا علاقة لي بفيفيان على الإطلاق.
وقررتُ أن أدفن فيفيان تحت تلك الأدلة.
***
قبل إقامة حفلة عائلة الكونت غراي.
وبينما كنتُ أحفر فخًا للإيقاع بفيفيان، انتهزتُ الفرصة ونشرت أيضًا إعلاناتٍ في النزل والقرى القريبة من سلسلة جبال بنليرجيا، أطلب فيها مرتزقةً مستعدين لخوض أعمالٍ خطرة.
كان ذلك من أجل البحث عن مجموعة موريا.
ولم يكن دافعي سوى رغبتي في رد الجميل لإيلين وجايد، اللذين سبق أن ساعداني.
ولسببٍ ما، خشيتُ أن أخبر إيلين، التي كانت لا تزال مختبئةً وتعمل في الملحق التابع لعائلة لوار، مسبقًا، فيبدو الأمر وكأنني أمنحها أملًا لا داعي له، لذلك تعمدتُ ألا أخبرها.
ففي المقام الأول، لم يكن لدي حتى يقينٌ بأن مجموعة موريا لا تزال على قيد الحياة.
فالآمال الكبيرة تعني خيباتٍ أكبر.
في تلك الأثناء، ذهب شين سرًا إلى المعبد وتلقى التطهير، ثم أخبرني أن الكاهن قال له أن شخصًا ما لا بد أنه قد ألقى عليه تعويذة إيحاء.
وباحتمالٍ كبير، كانت الرسالة التي أرسلتها فيفيان تحتوي على سحرٍ أسود يُستخدم لإلقاء الإيحاء.
[لا أعرف كيف عرفتِ ذلك يا ريتا، لكنني أنوي في الوقت الحالي أن أُبقي فمي مغلقًا وألتزم الصمت.
من رد فعلكِ، يبدو لي أن إخبار الآخرين بالأمر لن يجلب أي فائدة.]
‘قرارٌ حكيم جدًا.’
تمتمت في داخلي وأنا أقرأ الرسالة التي أرسلها شين.
وهكذا، ومع حلول الشتاء الثالث الذي أعيشه منذ تجسدي، اقترب أخيرًا يوم الحفلة الراقصة التي كانت محور المشكلة.
في مساءٍ غائم ومعتم، ركبت العربة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى ظهر أمامنا قصر عائلة الكونت غراي، ذلك النبيل الثري الصاعد حديثًا.
ولأن عائلة الدوق لوار لم تكن تهتم بتزيين منزلها في العاصمة بشكلٍ مبالغٍ فيه، فقد كان من الممتع إلى حدٍ ما أن أتجول بنظري في منزل الآخرين المتلألئ.
التزمتُ الهدوء، وأخفيتُ فمي بمروحة، واكتفيتُ بالابتسام بعينيّ دون أن أنطق بكلمةٍ واحدة على نحوٍ صحيح.
و اقتربت مني سيدةٌ نبيلة بدت وكأنها تعرف سوزان، وسألتني بصراحةٍ عما إذا كنتُ أنوي الزواج من أحد أفراد العائلة الملكية.
فقد كانت تلك المسألة موضع فضولٍ خفي لدى جميع نبلاء المملكة، بعدما نُشرت مقالةٌ ضخمة عن حصولي على مكافأةٍ خلال مهرجان الحصاد، وعن تركي انطباعًا جيدًا لدى جلالة الملك.
وكان منظر آذان الجميع وهي تنتصب في جميع الاتجاهات في الوقت نفسه مضحكًا للغاية.
حتى عندما كنا نتعمد إظهار انزعاجنا ونبتعد عن المكان، كانوا يلاحقوننا، ولذلك دفعتني سوزان بالقوة إلى مجموعةٍ من الأشخاص الذين كانوا يرقصون.
وبعد أن رقصتُ مرتين متتاليتين مع أشخاصٍ لا أعرفهم، خطرت لي فكرةٍ غريبة.
‘إذا حصلتُ فعلًا على لقب الدوق….فماذا سيحدث حينها؟’
والآن، وأنا على وشك دخول عامي الرابع منذ تجسدي، كان تعلم قواعد الإتيكيت من أجل تقمص دور ابنة الدوق أمرًا سهلًا نسبيًا.
لكن ماذا عن المنصب الذي يعلو ذلك؟
‘إذا أصبحتُ دوقة، فما مقدار الضغط الذي سينتظرني بصفتي شخصًا متجسدًا في هذا العالم؟’
كنتُ قد توسلتُ بثقة قائلةً أنني لا أمانع أن أصبح دوقة ما دام حبي لشين سيتحقق، لكنني اليوم شعرتُ بالاختناق على نحوٍ غير معتاد.
وللمرة الأولى منذ وقتٍ طويل، شعرتُ بوطأة الحقيقة التي لطالما تجاهلتها: أنني بين كل هؤلاء النبلاء أرتدي قشرةً وأتظاهر بأنني واحدةٌ من أبناء هذا العالم.
ما إن انتهت رقصتي مع رجلٍ من إحدى العائلات الملكية حتى خرجتُ من القاعة هاربة وكأنني أفر من شيءٍ ما.
ومن بعيد، رأيتُ شارل هوارد يتجه نحو شرفة منعزلةٍ ليقدم للأميرة الثانية الهدية التي اشتراها بعد أن طلب نصيحتي، بعدما وقع بصره عليها من النظرة الأولى.
لفتت كؤوس الشمبانيا الموضوعة على صينيةٍ يحملها أحد الخدم انتباهي. و كنتُ عطشى أصلًا، لذا كان ذلك مناسبًا تمامًا.
وبينما مددتُ يدي وأنا أراقب شارل بطرف عيني، كدتُ أمسك الكأس نفسها التي كانت يد شخصٍ آخر تمتد إليها.
“يا إلهي. أنا آسفة.”
ابتسمت الأخرى وتنازلت لي عن الكأس. فأخذتُ الكأس التي تنازلت عنها لي بلطف، ثم نظرتُ إلى وجهها….
‘إنها الآنسة إيميرالد.’
ما إن نظرت الآنسة إيميرالد، التي كانت تستخدم اسمًا مستعارًا، إلى وجهي جيدًا حتى اتسعت عيناها بدهشة.
“أ، آه….الآنسة تاشا؟”
كم تبلغ احتمالية أن تصادف شخصًا التقيت به في اجتماع نادي القراءة بالصدفة في حفلةٍ راقصة حضرتها على نحوٍ عابر؟
في ذلك الوقت، لم أتعرف إليها لأنها جاءت مرتديةً ملابس بسيطة مثل ملابسي، لكن الآن كانت الآنسة إيميرالد ترتدي فستانًا أخضر داكنًا جميلًا يليق باسمها المستعار، وتزينت بعقدٍ وأقراط من اللؤلؤ.
حتى لو بدت وكأنها شخصٌ آخر تمامًا، فهي بالتأكيد الآنسة إيميرالد.
تجمدنا في مكاننا كالحجر، ولم نستطع قول كلمةٍ واحدة.
‘أخبرني يا مستودع ذكرياتي، ماذا يفعل المرء عندما يلتقي شخصًا من رفاق الهوس أنفسهم؟’
‘هـ، هل يمكنني أن أتظاهر بأننا صديقتان مقربتان؟’
يبدو أن الآنسة إيميرالد كانت غارقة مثلي في حيرةٍ عميقة.
لا أعرف كيف كان شكلي في تلك اللحظة، لكن وجه الآنسة إيميرالد شحب تمامًا، وبدأ العرق البارد يتصبب منها.
حسنًا. سأبادر أنا بالكلام أولًا.
“لـ، لم أتوقع أن نلتقي هنا.”
‘يا إلهي.’
لم ترد الآنسة إيميرالد، صاحبة الاسم المستعار، على تحيتي التي ألقيتها بشجاعة، بل بدأت بالفرار فورًا.
و ترددتُ للحظات، ثم أعدتُ الكأس إلى الخادم الذي ظل واقفًا في مكانه، وأسرعتُ خلفها.
_________________________
سندريلا و الأمير؟ هي ليه انحاشت مافهمت😭
وبعدين عرفت ريتا؟ توقعتها ماتعرفها اصلاً
المهم خير حسبت شين بيحضر الحفلة ماتوقعته يسمع كلامها لذي الدرجة وبس يراسلها تـء
مسكينة سوزان بس
الا على طاريها وش صار لها مع حبيبها ذاك؟ ابي عرسهم
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.