الفصل 98
تجمد وجه الرجل الذي كان يبتسم وكأنه لا يمانع الموت غرقًا في سعادةٍ غامرة.
“سأحتضن كل شيءٍ فيكَ، كونكَ الكاتب إيفير، وماضيكَ أيضًا. بصفتي قارئةً متيمةً بكَ، وبصفتي شخصًا يحبكَ.”
“…….”
“لكن أن تنفرد بنفسكَ وتعزف على الطبل وتقرع الدف، ثم تعلن توقفكَ عن الكتابة بسبب الحب؟ هذا أمرٌ لا يمكن حدوثه حتى لو انهار العالم.”
ثم همستُ لشين،
“فأنا كقارئة، كدتُ أُصاب بالجنون من القلق عليكَ عندما أصدرتَ إعلان توقفكَ عن الكتابة.”
“لحظة، ريتا. ما هو الدف؟”
“بل إنكَ خلال كل ذلك وضعتَ أشخاصًا يراقبونني؟ لو كنتُ أعلم أنكَ ستفعل ذلك، لوضعتُ أنا أيضًا شخصًا يراقبكَ. وفوق ذلك، هل وقعتَ تحت تأثير السحر الأسود الشرير لفيفيان، من بين كل الناس؟”
كم عانينا نفسيًا طوال تلك الفترة.
ضيقتُ عينيّ بشكل مثلث، كأنني مشرفةٌ تحمل سوطًا، وفرضتُ على شين عقوبةً من طرفٍ واحد.
“سأمنحكَ دافعًا قويًا وعقوبةً مناسبة، فأنتَ شخصٌ يتأثر عمله في الكتابة بشدةٍ حتى بسبب سوء فهمٍ بسيط. لا أريد أن أرى وجهكَ حتى تضمن لي إكمال الجزء الثاني.”
لم يكن شين في وضعٍ يسمح له برفض كلامي، فارتعش قليلًا، ثم ظل ينظر إليّ بشرود بتعبيرٍ لا يصدق.
وبعد ذلك سألني بحذر، وقد ملأ التردد كلماته،
“ريتا.”
“ماذا؟”
“هل يمكنني أن أرسل لكِ رسائل؟”
“حسنًا.”
بمجرد أن حصل على إذني بإرسال الرسائل، أشرق وجهه الصافي وازدهر بالفرح.
عندما رأيتُ ابتسامته التي أخذت تتفتح رغم قسوة الشتاء، غمرتني مشاعر كثيرة حتى كادت دموعي تفيض، لكنني تماسكتُ بصعوبة.
و لكنني أيضاً….لم أتوقع أبدًا أن تصلني رسائل سميكة كل يوم، بدءًا من اليوم التالي مباشرة.
***
“وصلت رسائل للآنسة.”
لا تقل لي أنها وصلت اليوم أيضًا؟
خطفتُ الرسائل التي مدّها إليّ سكرتيري داميان بسرعةٍ وشرعتُ في تفقدها، وكما توقعت.
‘ألا يبدو و كأنه يفكر في طرقٍ لكتابة الرسائل بدلًا من كتابة الرواية؟’
قطبتُ حاجبي وأنا أحدق في أظرف الرسائل التي تحمل ختم عائلة أوريلرنو.
سرعان ما انتشر خبر أن شين دي أوريلرنو، الماركيز نفسه، يرسل لي رسالةً كل يوم داخل الملحق.
وتناقل جميع الخدم الخبر من فمٍ إلى فم، حتى وصل بعد أسبوعٍ كامل إلى أذني عمتي، التي عادت بعدما أمضت وقتًا طويلًا في حل شؤون الإقطاعية.
تعبتُ من توبيخها المستمر بصفتها وصيةً عليّ وعرابتي، ومن مطالبتها بمعرفة طبيعة علاقتي بالماركيز، فتهربت من الموضوع بحجة أننا نعمل معًا على إعداد مؤسسةٍ للمنح الدراسية تحمل اسم شيل إيفير.
كان هذا بعد صدور إعلان التوقف الرابع عن الكتابة.
وبعد أقل من خمسة أيام، أصبح حديث الناس ما حدث حين جاء أحد كبار التجار المعدودين على أصابع اليد في آيزار بنفسه إلى دار نشر إيموس، والتقى رئيس التحرير إدغار فيليد، ثم سلّمه شيكًا على بياض طالبًا منه إيصاله إلى شيل إيفير.
قرأتُ في الصحيفة خبرًا يقول أنه غادر غاضبًا وهو يقول: “إذا كانت المشكلة هي المال، فسأدفع أي مبلغ، لذا واصل النشر بانتظام!”، ولم أستطع التوقف عن الضحك.
وبغض النظر عما حدث بيننا، كان الجزء الثاني من 《تعاسة البارون تشيرن》 يجذب القراء البالغين في آيزار بمواضيع مثيرة، أشبه بدراما مبتذلة ذات نسب مشاهدة مرتفعة.
حتى النبلاء الذين كانوا يسبونه ويصفونه بأنه عملٌ يفتقر إلى الرقي، وصل بهم الأمر إلى متابعته سرًا لأنهم وجدوه ممتعًا.
أما الدوق الأكبر الشمالي والتر هوريسون، الذي كان يرتجف قلقًا من احتمال هروب البطلة الشبيهة بالسنجاب، لكنه ما إن يفتح فمه حتى تخرج منه خناجر جليدية، حتى لُقب بـ”فم الكوارث”، فقد كان يتمتع بشعبيةٍ أكبر رغم أن شخصيته كانت النقيض تمامًا لشخصية دافيدريان، بطل الجزء الأول.
ربما تكمن المتعة في أن القراء يشاهدون الأحداث وهم يلعنونه معًا كلما أساء معاملة البطلة برينا.
وبهذا القدر، أصبح شيل إيفير الكاتب المسؤول عن جرعة الدوبامين لشعب آيزار منذ صباح الأربعاء.
[رفضتُ الشيك. فمهما كان الأمر، لا يمكنني، بصفتي كاتبًا سيئًا إلى هذا الحد، أن أقبل شيئًا كهذا.
ثم إنني لم أعجز عن الكتابة بسبب نقص المال، بل لأنني كنتُ مريضًا من شدة مشاعري تجاهكِ يا ريتا، ولهذا لم أستطع الكتابة.]
عندما كانت الصحف المهتمة بالقيل والقال تعج بالحديث عن قصة الشيك على بياض، أرسل لي شين رسالةً بهذا المضمون.
و عندما أخبرت إيلين، التي تعرف حقيقة هوية شيل إيفير، بالأمر على سبيل التلميح، شعرت بالأسف الشديد رغم أن الشيك لم يكن لها أصلًا.
وعندما رأيتُ تعبير وجهها في تلك اللحظة بجواري مباشرة، ضحكتُ إلى درجة أن دموعي انهمرت وكدتُ أموت اختناقًا من الضحك.
‘بعد أن تجسدتُ هنا، يبدو أنني ضحكتُ في تلك اللحظة كل الضحكات التي كان مقدرًا لي أن أضحكها طوال حياتي.’
ابتسمتُ ابتسامةً مشرقة عند زاوية فمي، ثم قربتُ ورقة الرسالة ذات الرائحة العطرة من أنفي واستنشقت عبيرها.
[…بفضل نصيحتكِ يا ريتا، ازدادت شعبية الرواية أكثر.
يبدو أن حماقتي في محاولة إبعاد شيل إيفير عنكِ بطريقةٍ تؤذيكِ قد عادت إليّ الآن كعقوبةٍ أستحقها.]
وقعت عيناي على جملةٍ بدت وكأنها نُسخت حرفيًا من أفكاري.
“هاها.”
فلم أستطع كبح ضحكتي الخافتة عند تلك الفقرة، لكنني توقفتُ عن الضحك فجأة عندما رأيتُ شارل هوارد يقف أمامي، وقد اقترب دون أن يصدر صوتًا.
“آنستي. هل انتهيتِ من الضحك؟”
“لم أسمع حتى طرقًا على الباب.”
“لأن الآنسة لم تجبني بأي شيء.”
حدقتُ بصمتٍ في ذلك الشرير الذي كان يقتحم حريتي وكأنه لا يرى في الأمر أي مشكلة.
كان والدي الدوق قد بدأ يأخذ أمر جعلي وريثةً له على محمل الجد. ولهذا أرسل شارل هوارد إلى هنا، قائلًا أنه سيرسل شخصًا إلى العاصمة فور عودته إلى المقاطعة الأصلية ليتولى تعليمي.
كانت عائلة الكونت هوارد تتعامل معي وكأنني شخصٌ غير موجود. ولم يكن شارل هوارد، الواقف أمامي الآن، مختلفًا عنهم في ذلك.
لكن بعد حادثة ميوسين، ارتفعت درجة تقبله لي قليلًا، على نحوٍ غامض.
ولا أعرف ما الذي قاله والدي له بعد ذلك، ولا ما الذي سمعه منه بالضبط. لكنه بادر إلى الأمر بحماس، وأرسل شارل هوارد، ابنه الثاني وأحد سكرتيري والدي، إلى المنزل التابع للعائلة في العاصمة، بحجة أن ذلك سيساعدني في تعليمي كخليفة.
أما بالنسبة لي، التي كنتُ أخطط إما للزواج من الابن الأكبر لعائلةٍ مناسبة بعد أن أحتفظ بمدخراتي السرية، أو الهرب بها إن لم أجد أيًا من ذلك مناسبًا، فقد كان هذا واجبًا ثقيلًا لم يخطر ببالي قط.
أنا لا أهتم بالسلطة. أما الثروة، فتكفيني منها كميةٌ تسمح لي بأن أعيش دون أن أضطر إلى غمس يدي في الماء.
لم أخطط ولو مرةً واحدة لحياةٍ تشبه حياة والدي الدوق، ذلك المدمن على العمل.
لكن والدي الدوق تجاهل رأيي تمامًا.
ومن كلام شارل هوارد، يبدو أن والدي الدوق كان يرتب الأمور خطوةً بخطوة منذ الآن، استعدادًا لترشيحي وريثةً له في اجتماع مجلس الشيوخ.
استمالة الحلفاء إلى صفه، وتشويه سمعة أنصار عمي غير الشرعي، وتحريف أفعالهم أو إيقاعهم في حوادث مؤسفة، وتقديمي على أنني طموحةٌ إلى درجة أن جلالة الملك نفسه اعترف بطموحي، وما إلى ذلك….
أما شارل هوارد، الذي كان يقف أمامي حاملًا عدة كتبٍ سميكة، فقد كان واحدًا من أولئك الشباب الذين تأثروا بي بشدةٍ بعدما ساهمتُ في القضاء على مجرمين وحشيين كانوا ينهبون العامة والنبلاء على حدٍ سواء.
وللعلم، لم يكن هذا الشاب الطموح يعلم حتى في أحلامه أنه قد أثار سوء فهمٍ لدى شين.
‘ليتني أفسدتُ الأمر وقتها وانتهيتُ!’
بهذه الطريقة، سيؤول بي الأمر إلى العمل حتى الموت بعدما كنتُ أنوي العمل لفترةٍ قصيرة فحسب!
وضعتُ يدي على رأسي الذي كان يؤلمني و تحدّثتُ له،
“لقد أرسلتُ رسالةً أخرى إلى الدوق لوار. أخبرته فيها أنني لا أنوي أن أصبح وريثة. لذلك سأؤجل تعليمي إلى أن أحصل على جواب حاسمٍ منه.”
“آنستي. لا تقللي من شأن نفسكِ. أنتِ قادرةٌ بما يكفي على قيادة عائلة الدوق.”
بدأ شارل هوارد يواسيني بلطف، وعيناه البنيتان الذكيتان تلمعان.
“ما بكَ؟ أعلم جيدًا أنكَ و والدكَ لم تكونا تنظران إليّ بعين الرضا. منذ متى وأنتَ تظن أن عليّ أن أرث منصب الدوق لوار حتى تضغط عليّ بهذا الشكل؟”
حتى بعدما أظهرتُ نفوري ورفضتُ الأمر باشمئزاز، ظل شارل هوارد يهدئني بعينين تتقدان كخصلات شعره الأحمر المشتعل.
“هذا صحيح! كنتُ مستاءً من كونكِ مختلفةً تمامًا، لدرجة جعلتني أتساءل إن كنتِ حقًا ابنة الدوق لوار الحالي!”
ما كل هذا الصدق؟
تحولت دهشتي إلى فزعٍ عندما بدأ شارل هوارد ينحني ويطلق اعتذارًا مطولًا بلا توقف.
“لكن آنستي، لا يمكن لأي شخصٍ أن ينكر أنكِ ابنة الدوق غايوس لوار! أرجو أن تتقبلي اعتذاري الصادق عن غبائي الذي جعلني أدرك متأخرًا أنكِ الشخص الذي ينبغي له أن يرث هذه العائلة العريقة ذات المجد، التي وُجدت منذ تأسيس المملكة!”
“لا تعتذر!”
“سأكرس نفسي بالكامل لخدمتكِ، وسأساعد الآنسة لوار على الصعود إلى أعلى المراتب! سنبدأ اليوم بعلم الاقتصاد!”
‘لا تكرس نفسكَ!’
***
بعد فترة توقفٍ أقصر مما توقعتُ، لم تتجاوز أسبوعًا واحدًا، استؤنف نشر 《تعاسة البارون تشيرن》.
وفي صباح الأربعاء، كنتُ أستمع كعادتي إلى تاشا وهي تقرأ الرواية لي.
“بريشا لم تستطع تحمل حقيقة أنها أصبحت سلة مهملاتٍ لمشاعر البارون….”
لحظة واحدة. سلة مهملات للمشاعر؟
وفي تلك اللحظة تحديدًا، أوقفت الخادمة هاينيل قراءة تاشا، معبرةً عن استغرابها.
“ماذا يعني ذلك؟ أسمع هذه العبارة للمرة الأولى.”
_______________________
اما ماعندهم سبة يالزبالة؟ توء توء
اما شين قاعد يوري ريتا انه للحين يسمع كلامها فوق انه سامع كلامها وبلا يراسلها مجنون ماصدق اصلاً انها عطته فرصه😭
و ريتا صايره ردود فعلها تضحك اكثر اهخ مقدر اخلصهم كيف يعني باقي 21 فصل تكفى لاء
المهم ابوها جوي فب العناد👌🏻
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.