الفصل 93
بما أن أبي الدوق قد سمع مني، على خلاف الماضي، كلامًا إيجابيًا، فقد بدا عليه الاستغراب، لكنه سألني عن موضوعٍ آخر وكأنه قرر أن يتجاوز الأمر في الوقت الحالي.
“كيف وجدتِ عائلة بريين؟”
“….الآنسة فلورا شابةٌ نبيلة حسنة الخُلق.”
لم يكن أمامي خيارٌ آخر. فبما أنني قررت أن أبقى على علاقةٍ وثيقة بفلورا، لم يكن بوسعي أن أقول سوى ذلك.
حتى مما سمعته باختصارٍ من شين، كانت عائلة بريين تحمل بعض الجوانب المقلقة التي تجعل الاقتراب منها أمرًا غير مريح.
لكنني لم أستطع أن أذمّها بلا تحفظ، لأنني كنتُ أفكر في فلورا.
إذا نظرنا إلى الأمر بدقة، فإن فلورا بريين كانت تمت بصلة قرابة بعيدة، تقارب أبناء العمومة من الدرجة السادسة، إلى البارون دريك بريين، زوج فيرونا بريين، شقيقة شين.
بل إن الأمر لم يكن يقتصر على قريبٍ أو اثنين.
وفوق ذلك، كانت لا ترى البارون دريك بريين إلا مرةً أو مرتين كل بضع سنوات، أي أن العلاقة بينهما كانت بعيدةً للغاية.
لقد سألني عن العائلة، لكنني تحدثتُ باختصارٍ عن ابنة تلك العائلة النبيلة فقط. ترى كيف فهم أبي قصدي من ذلك؟
ولم يكن من الممكن أن يفوت على أبي الدوق، الذي يتمتع بحدة الملاحظة، أنني كنتُ أتحاشى الكلام.
فتنهد بصوتٍ منخفض، ثم خلع نظارته ووضعها في علبتها الجلدية، ولم يسألني المزيد.
***
تناولتُ أنا وأبي الدوق العشاء من دون سوزان. فقد غادرت العمة سوزان على عجلٍ لمعالجة أمرٍ طرأ في الإقطاعية.
“لقد جمعتُ دلائل تشير إلى أن فيفيان فورتي تلتقي بشخصٍ مشبوه.”
يا لها من أسعد أخبارٍ سمعتها منذ وقتٍ طويل.
اكتفيتُ بالاستماع بصمتٍ وأنا أقطع اللحم، لكن كل حواسي كانت منصبةٌ على أبي.
“بل وصلني سرًا أيضًا أن هناك دائرة استدعاءٍ قديمة تحت الأرض في مقر الكونت فورتي، يعود عمرها إلى أكثر من مئة عام. وقد استقطبتُ شاهدًا بالفعل إلى صفنا. الآن فقط بدأتُ أفهم سبب إصرار جدكِ الأكبر على عدم ضم تلك العائلة إلى أتباعه.”
كان هناك سببٌ لكل شيء.
نظرتُ بطرف عيني إلى وجه أبي المتأمل، وهو يتمتم بالكلمات وكأنه يحدث نفسه، ثم أومأتُ برأسي بحماسٍ وأخرجتُ موضوعًا من الماضي.
“هل تتذكر الأراضي الملوثة التابعة لعائلة رادسنت؟ في يومٍ من الأيام، يمكننا أن نجعل من تلك الأرض “دليلًا”.”
أما الحادثة التي جاءت فيها سيدة عائلة رادسنت إلى المنزل المنفصل، بعدما كانت تدير زراعةً واسعة النطاق للشعير في أراضي دوقية لوار في أواخر الربيع، حين تلوث جزءً من الأراضي الزراعية بالسواد لسببٍ مجهول، فقد أمكن احتواؤها سريعًا ولحسن الحظ، إذ سارعت العمة سوزان إلى إرسال أشخاصٍ إلى المعبد، وتم تطهير الأرض ومعالجة الأمر.
“تقصدين الحادثة التي قلتِ أنه ينبغي النظر إليها مع قضية عائلة كولين.”
“نعم. عندما تأتي الأزمة التي قد تورطنا مع عائلة فورتي، يمكننا الدفاع عن أنفسنا باعتبارنا ضحايا. هل حدثت لعائلة رادسنت أي مشكلة مشابهة بعد ذلك؟”
“تسألين وكأنكِ تتوقعين حدوث أمرٍ كهذا.”
لم أقدم إجابةً أخرى، واكتفيتُ بإنهاء وجبتي.
و راح أبي، الذي كان شديد الفطنة، يطرح الأسئلة وكأنه يحاول أن ينفذ إلى أعماق أفكاري.
“حين مثلتُ اليوم أمام جلالة الملك، سمعتُ أن قوانيناً تتعلق بالسحر ستُسن على نطاقٍ واسع في هذه البلاد قريبًا. ويبدو أنهم سيضعون حدًا فاصلًا واضحًا بين السحر المدني الذي سيُعد غير قانوني وبين غيره.”
أما ما قاله بعد ذلك، فكان ذا مغزى كبير.
“لا يعقل….أنكِ كنتِ تعرفين هذا مسبقًا.”
“إييه. مستحيل.”
مسحتُ طرف فمي بالمنديل، وابتسمتُ ابتسامةً عريضة، ثم أجبتُ بدلالٍ مصطنع مليءٍ باللطافة الكاذبة.
“كل ما في الأمر أنني كنتُ أعرف ما الذي يشيع بين شباب هذه الأيام. وكل ما أريده هو قطع علاقتي بفيفيان لأنها لا تليق بمقام عائلتنا.”
“أهكذا الأمر.”
جاءني الرد مقتضبًا وجافًا.
وهذه المرة أنا من سألتُ أبي.
“هل ستحضر مأدبة مهرجان الحصاد الملكي هذا العام؟”
“سآتي إلى العاصمة قريبًا.”
“ولماذا لا تبقى في العاصمة يا أبي؟”
“هل تريدين مني أن أبقى؟”
“بالطبع!”
‘بالطبع لا. إنها مجرد كلماتٍ معسولة. اذهب إلى هناك بسرعةٍ واعمل.’
وبعيدًا عن رغبتي في الابتعاد عن أبي الدوق، بدأتُ أتساءل لماذا كان هذا الرجل يعامل اللهو والنساء كما لو أنهما حجرٌ لا قيمة له.
“انتهت الحرب، ألا يمكنكَ أن تستمتع قليلًا بحياتكَ؟”
سألته بتلميحٍ خفي بعد أن أنهى وجبته.
خلال الفترة التي قضيتها في العاصمة، كنتُ قد أدركتُ الأمر تقريبًا. فدوقية لوار تمتلك سلفًا بعيدًا ينحدر من سلالة العائلة المالكة، ولذلك كانت شرعيتها ومكانتها تفوقان حتى مكانة دوقياتٍ أخرى بما لا يقارن.
ولهذا السبب كانت تعيش بعيدًا عن العاصمة سالتمور.
فالحفاظ على الحدود وعدم تجاوزها كان السبيل إلى الإفلات من مراقبة العائلة المالكة.
ومن منظورٍ ما، كان ذلك أمرًا طبيعيًا.
كانوا ينفقون الأموال على التبرعات للعائلة المالكة ومعبد إراياس، وبذلك يضمنون وجود داعمين لهم في الخلفية.
كما أنهم يمتلكون معظم الأراضي المهمة التي تحتاج إليها الدولة، ولذلك كانوا يقدمون الكثير من العطاءات للشعب.
وكما توقعت، كانت مويسن، التي تحولت إلى أرضٍ مقدسة، قد بدأت بالفعل تستقبل أفواج التابعين.
وأرسل معبد إراياس أربعين حصانًا سليمًا تعبيرًا عن امتنانه لإدارة المكان، في مشهدٍ دافئ ومؤثر.
وهكذا كانت دوقية لوار تبني لنفسها الآن صورةً قوية حتى من الناحية الدينية.
ولهذا السبب سألتُ أبي إن كان لا يستطيع أن يخفف من وتيرة عمله قليلًا ويمنح نفسه بعض الراحة.
لكن سؤالي حفر لي، على نحوٍ غير متوقع، قبرًا بيدي.
“حسنًا. بعد أن تتلقي تعليم إعدادكِ لتولي منصب الوريثة، سيتمكن والدكِ هذا أيضًا من التقاط أنفاسه قليلًا.”
“أنا….لا أصلح لأكون وريثة.”
“حتى الآن، كان الأمر كذلك.”
‘ما بكَ يا أبي؟’
“سأعيش بهدوء، وأكتفي بالتطريز والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.”
“لا. أنتِ أفضل من أبناء العائلات الأخرى البكر، إلى حدٍ بعيد.”
“ليس الأمر كذلك. سيشعر أبناء العائلات الأخرى البكر بالإهانة.”
“ومن حقهم أن يشعروا بالإهانة.”
وفجأة ابتسم أبي. وكانت تلك إشارة البداية إلى المصائب.
فأبي الدوق ليس من النوع الذي يبتسم كثيرًا، مهما كان الأمر.
“إنها فرصةٌ لسحق أنوف أولئك الشيوخ الذين اقترحوا أن نجعل ذلك الابن غير الشرعي وريثًا. لن أسمح لذلك الأحمق عديم الأصل، الذي يجرؤ على الاعتقاد بأن حمله لاسم لوار سيغير حتى دمه ونسبه، بأن يستولي على العائلة التي بنيتها بيدي.”
‘أبي! أنا أريد فقط أن آخذ بعضًا من أموال هذه العائلة!’
“سأرسل إليكِ قريبًا سكرتيري شارل هاورد، لذا واصلي ما تبقى من تعليمكِ لتصبحي وريثة.”
لقد وقعتُ في ورطةٍ كبيرة. كنتُ أظن أن أبي ربما أصابه الخرف، لكنه كان بالتأكيد يحاول استخدامي كدمية خيوطٍ للحفاظ على العائلة واستمرارها.
‘هل عليّ أن أهرب؟’
أنا لم أفعل سوى أنني عملتُ حتى تساقط شعري محاوِلةً نسيان شين.
نسيانه؟ يا للسخرية. انتهى بي الأمر بالحصول على ترقية، وإن لم تكن ترقيةً فعلية.
***
جاء أبي كهبوب الريح، ثم اختفى من ريدل كما تهب الريح وتختفي.
وبينما بدأت فترة مهرجان الحصاد، الأكثر رخاءً من أي وقتٍ مضى بالنسبة لسكان العاصمة، استمرت بالنسبة لي أيامٌ مثقلة بالهموم.
كنتُ أظن أنني، مع مرور الوقت، سأتمكن من وضع حد واضح لعلاقتي بشين….لكن الأمر لم يكن كذلك.
بل على العكس، راحت الأسئلة التي أرغب في طرحها تزداد يومًا بعد يوم.
لماذا تكتب روايةً عن الحب تحديدًا؟ والأغرب من ذلك، لماذا تجعل موضوعها حبًا لم تختبره أنتَ بنفسكَ كما ينبغي، بل حبًا يبدو في الوقت الراهن آيلًا إلى الانهيار؟
وهل تتمكن فعلًا من الكتابة عن ذلك الحب جيدًا لأنكَ تكتبه من منظور مراقب؟
صحيحٌ أن نسبة الرومانسية في 《مذكرات المدرسة الخاصة》 أقل من أعمالكَ الأخرى، لكن هل كانت لدى كولينز بافيل، الشخصية التي تشبه البطل، فتاةٌ كان يتبادل معها مشاعر الإعجاب فعلًا؟ المدرسة الحقيقية للأولاد فقط!
ولو أن أختكَ طلبت منكَ ألا تكتب بعد الآن….فهل ستضع قلمكَ جانبًا؟
“آنسة تاشا، هل أنتِ بخير؟”
“نعم، نـنعم؟”
“تبدين شاردة الذهن قليلًا. هل تشعرين بالبرد؟”
سألتني الآنسة إيميرالد بحذر، بينما كانت تتفقد الأكشاك معي.
كان المكان الذي أتواجد فيه حاليًا متنكرةً بهيئة تاشا هو إحدى ساحات سالتمور.
بدأ الأمر عندما طرح السيد إنسينت، رئيس المجموعة، سؤالًا حول ما إذا كان من الأفضل أن نقوم بنشاطٍ ذي معنى قبل انتهاء هذا العام، فقرر أعضاء نادي القراءة إحضار الأغراض التي لا يستخدمونها وإقامة سوقٍ للسلع المستعملة.
‘لهذا السبب العادات مخيفة.’
مباشرة بعد أن اكتشفت هوية شيل إيفير. كنتُ قد فقدتُ كل ثقتي في الذهاب إلى نادي القراءة، ولذلك لم أعد أشارك فيه.
لكن بسبب حديث أبي الدوق عن إعدادي وريثةً وما إلى ذلك، شعرتُ بإرهاقٍ شديد جسديًا ونفسيًا، ولأجل التعافي قليلًا عدتُ إلى فعل ما كنتُ أفعله في الماضي.
لقد ارتكبتُ خيارًا خاطئًا، إذ لم أستطع التخلي عن ذكريات الماضي الممتعة، فقررتُ أن ألتقي مجددًا بالأشخاص الذين كنتُ أشاركهم هوسي بذلك العمل.
و كان مؤلمًا للغاية أن أرى الآخرين وهم يشيدون بشيل إيفير.
لقد أُصبتُ بلعنة. أصبحتُ شخصًا عرف الكثير من الأمور، ولذلك لم يعد بإمكاني الاستمتاع بها.
‘إنها لعنة، لعنة!’
وكنت أفكر: كم سيكون من الظلم لو انتهى بي الأمر في النهاية بمواجهة الموت إلى جانب فيفيان؟
وبينما كنتُ أمسح دموعي في داخلي، فاجأتني السيدة ميلي إنسينت، رئيسة المجموعة، بسؤالها مباشرة.
“هل تفكر الآنسة تاشا أيضًا في المشاركة في سوق السلع المستعملة؟”
واتضح أن الحديث عن سوق السلع المستعملة كان قد أصبح نشطًا للغاية خلال الفترة التي كنتُ غائبةً فيها عن المجموعة. حتى أنهم كانوا يناقشون فكرة التبرع بالأرباح التي سيحققها السوق إلى دار للأيتام.
‘إذا فعلتُ أشياء طيبة، ألا يمكن أن يشفق عليّ الحظ؟’
إذا كانت هناك لعنةٌ مفروضة عليّ تجعل نهايتي موتًا مأساويًا، كالموت من فرط العمل أو الإعدام، فربما يمكنني التكفير عنها بفعل الخير؟
_____________________
قلبوا فيه حل ثاني
تزوجي شين😘 شين اصلاً ماركيز يعني تصير ماركيزة وابوها يدور له ولد ثاني هعهعهعهعهع
بس حتنى مع ابوها ابي اقهر العجز ذول شوفوا بنت صارت دوقة وانتم خيخة للحين راسكم يابس
المهم ريتا و شين مساكين🫱🏻🫲🏼
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.