الفصل 94
وبقلبي المليء بالنوايا الخبيثة، أحضرتُ بعض الأغراض التي لم أعد أستخدمها وشاركتُ في سوق السلع المستعملة.
بدأت أشعة شمس الخريف الدافئة والمريحة بالغروب. والريح الخاوية التي تزداد برودةً أخذت تتساقط معها أوراق الشجر المتناثرة بعنف.
تطوعتُ لحراسة الكشك بالتناوب. وكنتُ أريد أن أُشغل أفكاري بالعمل وأمنعها من الانشغال بشين، كما أنني كنتُ أنوي ألا أحضر نادي القراءة مجددًا بعد انتهاء هذا السوق.
عليّ أن أختتم الأمر بخاتمةٍ جميلة.
“يبدو أن وجهي تجمد قليلًا بسبب البرد.”
أجبتُ الآنسة إيميرالد، التي كانت تستخدم اسمًا مستعارًا مثلي وتقلق عليّ، بابتسامةٍ مشرقة.
كانت الآنسة إيميرالد تراقبني باهتمام، ثم أخرجت شيئًا بحجم راحة اليد من جيب معطفها ودسته بهدوءٍ في يدي.
“إنه شيءٌ بسيط، لكن احتفظي به معكِ.”
يا له من شعورٍ حين تتلقى من إحدى عضوات نادي القراءة، التي تستخدم اسمًا مستعارًا، حجرًا سحريًا فاخرًا مستوردًا موضوعًا داخل كيسٍ مخملي سميك، وليس مجرد حصاةٍ سُخنت على نار المدفأة.
“أطرافي باردةٌ بطبيعتها، لذلك أحمله معي دائمًا.”
‘أنتِ نبيلةٌ إذاً.’
فتحت عينيّ حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وظل فمي مفتوحًا وأنا أطلق صرخةً صامتة، عندها همست الآنسة إيميرالد،
“تجنبي الإدلاء بأي كلامٍ قد يجعل الآخرين يخمنون هويتي. مفهوم؟”
كنتُ أعرف أن هناك نبيلًا بين أعضاء هذه المجموعة، لكن الآنسة إيميرالد كانت أول شخصٍ أعرف هويته.
وبدأتُ أفكر أيضًا أن ربما السيد إنسينت، رئيس المجموعة، نبيل. فقد كان يدير شؤون الأعضاء بحرفيةٍ شديدة طوال هذا الوقت.
سرعان ما سيطرتُ على تعابير وجهي، وابتسمتُ للآنسة إيميرالد ابتسامة مشرقة تعبر عن امتناني.
“شكرًا لكِ. سأستخدمه قليلًا فقط ثم أعيده إليكِ.”
و اقترب موعد اختتام الفعالية. فقد دخلنا الآن موسمًا يحلّ فيه الظلام بسرعة.
علينا أن نبيع الأغراض بأسرع ما يمكن قبل غروب الشمس، ثم نذهب إلى مقهى قريب لنتحقق من مقدار الأرباح التي حققناها.
شعرتُ بالرضا وأنا أرى الأغراض المستعملة تُباع بنجاحٍ أكبر مما توقعت.
‘ربما كان من الصواب أن أشارك بعد كل شيء….’
وبينما كنتُ وسط الحشد، لمحتُ ظهرًا مألوفًا على نحوٍ غريب.
‘إنه ذلك الرجل.’
رغم أن ملامحه كانت غامضة، تجمدتُ في مكاني دون أن أشعر، ولم أستطع سوى توسيع عينيّ.
كان يحمل، كما في المرة السابقة حين تجول معي في شارع متاجر الكتب القديمة، حقيبة طالبٍ من طلاب الجامعة الملكية في آيزا.
ورغم أن قبعته و وشاحه كانا يحجبان ملامحه فلم أستطع رؤيته بوضوح، إلا أن شعره كان أشقر بالتأكيد.
في اللحظة القصيرة التي رأيتُ فيها ذلك الظهر الشبيه بظهره، شعرتُ به.
تذكرتُ ذلك التل الذي يجعل الدموع تترقرق في عينيّ مع كل خطوةٍ أخطوها.
و رائحة الرجل الذي كان يعيش وحسب، لا يموت ولا يهرب، من أجل فرد عائلته الوحيد الذي لا يعرف متى سيعود.
شعرتُ برائحة العشب التي تغسلها أمطار الصيف الغزيرة وهي تلامس طرف أنفي. فتحركت ساقاي من تلقاء نفسي بسرعة.
تجاهلتُ نداء الآنسة إيميرالد من خلفي وبدأتُ أركض مباشرة.
كان شق طريقي عبر الحشد مرهقًا بقدر مقاومة الأمواج والاقتراب من قلب البحر. ومع ذلك، ركضتُ وكأن شيئًا قد سحرني، حتى مددتُ يدي في النهاية وأمسكت بذراعه بقوة.
“….ماكسيميليان. مضى وقتٌ طويل.”
كان التفكير في ضرورة الإمساك به أولًا هو المسيطر عليّ، ولم تخطر ببالي أي كلمات، لذلك ألقيتُ هذه الكلمات بلا تفكير.
“هـ-هل الكاتب بخير؟”
“الكاتب؟”
يا للهول.
حين خرج صوتٌ مختلف تمامًا في طبقته ونبرته، هوى قلبي إلى قاع صدري.
و تبدد في لحظةٍ الوهم الذي جعلني أشم رائحة مطر الصيف وسط أواخر الخريف.
‘لم يكن شين.’
“آسفة….أنا آسفة. لقد أخطأتُ في الشخص.”
اعتذرتُ بتلعثم. فقطب الشاب الغريب حاجبيه، ثم استدار بغضبٍ وتابع طريقه.
وسط الحشد المبتهج، شعرتُ وكأنني وحدي أغرق في بُعدٍ آخر.
و ظللتُ أحدق بشرودٍ في الاتجاه الذي اختفى فيه الرجل الذي أخطأتُ في ظنه.
‘لماذا أخطأتُ في ظنه؟’
بعدما هدأتُ قليلًا وأمعنتُ النظر فيه، أدركتُ أنه لا يشبه شين إطلاقًا.
‘يا لي من حمقاء. حمقاء إلى أبعد الحدود.’
ظهر شين أكثر استقامة من ظهر ذلك الرجل، وطرف ذقنه أكثر حدةً قليلًا. حتى لون شعره الأشقر مختلفٌ عن لون شعر ذلك الرجل.
“.……”
ما الذي يحدث لي؟
لا أعرف. أردتُ فقط….أن أمسك به أولًا.
ظننتُ أن ذلك الرجل الآثم قد جاء لرؤيتي. كنتُ أريد ذلك بشدة.
كنتُ أتمنى وأرغب في أن يأتي بحثًا عني، وفي نيته أن يمسك بي.
كنتُ أرغب في ذلك دون أن أدرك، ومع ذلك تظاهرتُ بأنني لا أعرف.
مع أنني أعرف جيدًا أن ذلك الرجل، بعينيه المثقلتين بحزنٍ عميق، لا يخرج إطلاقًا من القصر الكبير لأنه يعاملني كما لو كنتُ ذكرى هشة ستتحطم بمجرد أن يلمسها.
‘لنفترض أنه كان شين حقًا.’
ماذا كنتُ سأفعل بعد أن أمسك به؟ هل كنتُ أريد، يا ترى، أن أترك ولو بصيصًا من الأمل؟
أليس من المفترض أن يكون ذلك خطأ؟ لكن من الطبيعي أن أتساءل إن كان بخير، أليس كذلك؟
داخل قلبي، تصارعت وجهتا النظر المتناقضتان بشدة، رافعتين أسلحتهما كالنار والجليد.
لكن كان هناك أمرٌ واحد مؤكد.
كنتُ أشتاق إلى رؤيته إلى درجة جعلتني أشعر أن ظروف ذلك الرجل، الذي يقول أنه يصبح بائسًا ومثيرًا للشفقة كلما واجهني، لم تعد تهمني على الإطلاق.
‘يبدو أنني أنانيةٌ جدًا أيضًا. متى كان ذلك؟ حين رفضته بقسوةٍ قائلًة أنني بحاجة إلى وقتٍ للتفكير.’
الحب في الأساس مجرد خيال، أليس كذلك؟ تمامًا مثل هذا العالم الذي تجسدتُ فيه.
لا بد أن شين كان يتبع قيمًا مشابهةً لقيمي. ومع ذلك، كان أحمقًا إلى درجة أنه قال أنه يريد معجزة.
قال أنه يريد حدوث معجزةٍ عبثية، معجزةٌ تجعلني أحب حتى الحقيقة المختبئة خلف قناع شين نفسه.
حقًا، كان ذلك غبيًا إلى حدٍ لا يُصدّق، وغبيًا مرةً أخرى.
إذا فكرتُ في الأمر بمنطقٍ واقعي، فمن الصحيح أن تنتهي علاقتي بشين هنا.
وربما سنخوض العديد من الشجارات مستقبلًا لأنني لن أتمكن من الوثوق بشين.
‘أنا متجسدةٌ في هذا العالم، لكن هذا المكان أصبح واقعي الآن.’
….لكن بما أنني تجسدتُ في عالمٍ لا يمكن حتى التأكد فيه من دقة التفاصيل التاريخية وما شابه، ألا يمكنني أن أعتبر الأمر غير واقعي؟
ألا يمكن ذلك؟
“يا إلهي، آنسة تاشا.”
لحقت بي الآنسة إيميرالد بعدما اندفعتُ خارجةً وكأن شيئًا قد سلب عقلي، وبينما كانت مرتبكة راحت تربت على كتفي.
“هل حدث شيء؟ لماذا تبكين؟”
“….لا شيء. أنا لا أبكي.”
“بل أنتِ تبكين!”
كانت الآنسة إيميرالد، ذات القلب الرحب، امرأةً حنونة، فعدّلت قبضتها على حقيبتها ثم احتضنتني بقوة.
لم أكن أعرف حتى هويتها الحقيقية على وجه اليقين، لكن بمجرد أن احتضنني أحدهم، شعرتُ برغبةٍ في الانهيار والبكاء بحرقة.
‘هل لدى شين أيضًا ذراعان يمكنه الاحتماء بهما، مثلي؟’
على عكس رؤيتي المشوشة، أصبح عزمي في داخلي أكثر وضوحًا شيئًا فشيئًا.
في الواقع، لم يستمر لقاء موريا وألبرشت، لكن كما انتهت 《كيتلين》 بلقاءٍ سعيد بينهما….ألا يمكننا نحن أيضًا أن نتمكن من الاستمرار معًا بطريقةٍ ما؟
هل سيكون من المقبول أن أركض إليه الآن، وأقترح علينا أن نصبح من أولئك الذين يحتضنون بعضهما بعضًا من جديد؟
***
“….آآآه!”
في الآونة الأخيرة، يبدأ صباحي بالانتفاض من السرير بفزع، ثم أتحسس جسدي وأتفقده بيدي لأتأكد من أن جسدي ما زال سليمًا.
فالحديث المتداول عن فيفيان أصبح مقلقًا على نحوٍ متسارع.
حتى أواخر الربيع، كان يمكن اعتبار غيرتها مجرد غيرةٍ لطيفة من شابةٍ نبيلة عمياء بالحب.
لكنها تجاوزت الحدود شيئًا فشيئًا، فلم تكتفِ بالذهاب بنفسها إلى شابةٍ نبيلة قيل أنها تكن مشاعر حب لولي العهد كيبرن، بل سكبت عليها الشاي الساخن، ونشرت عنها شائعاتٍ كاذبة حتى دمرتها اجتماعيًا.
وفي الخريف الماضي، جعلت إحدى فتيات العائلات النبيلة التي كان متوقعًا أن تتلقى عرض زواج من كيبرن عاجزةً عن الحركة، متذرعةً بأن الأمر مجرد حادث.
وأنا أعرف هذا لأنني متجسدةٌ داخل الرواية، فقد هددت فيفيان بعض الخادمات اللاتي يعملن إلى جانب كيبرن، بل وأخضعتهن بالسحر الأسود، حتى تجبرهن على إبلاغها بكل تحركات ولي العهد وأفعاله.
وفي الرواية الأصلية، تكون الأمور قد وصلت إلى هذه المرحلة، فتقدم فيفيان جزءًا من روحها إلى ملك الشياطين، وتلقي لعنةً على ماريسيلا.
‘من يدري؟ ربما تطلق عليّ لعنةً كتجربةٍ أو للتدرب فحسب.’
شعرتُ بالارتياح عندما رأيتُ أن التميمة المقدسة المعلقة بجانب رأس سريري ما زالت سليمة.
كانت تميمةً مقدسة قديمة ذات زخرفةٍ كريستالية خاصة تتدلى إلى أسفل بشكلٍ يشبه صائد الأحلام.
وكانت تاشا قد حصلت عليها من ساحرٍ عرّفها عليه مخبر وير في عالم المعلومات.
“آنستي، يبدو أنكِ أصبحتِ تقرئين كل مجلات الفضائح التي لم تكوني تهتمين بها من قبل.”
“أبحث فقط لأرى إن كان هناك شيءٌ مسلٍّ.”
احتسيتُ الشاي الدافئ، وبدأتُ أتصفح كل ما أحضرته الخادمة من صحف ومجلاتٍ أسبوعية ومجلات الفضائح الرخيصة.
‘لقد اقترب الوقت الذي سيتشاجر فيه كيبرن وماريسيلا.’
تبدأ ماريسيلا بالابتعاد عن كيبرن بعدما تفكر في وضعها. بل تنتشر حتى شائعة بأنها ستتزوج من نبيل آخر، مما يزيد الأمر سوءًا.
لكن كيبرن، الذي لا يعرف شيئًا عن مشاعر ماريسيلا، لا يفهم سبب ابتعادها عنه فجأة.
وفي خضم ذلك، كانت روح الأميرة لاريشا في حيرة؛ فقد وقعت في حب كيبرن، المنحدر من سلالة العائلة التي قضت على كارتشا القديمة، ولذلك لم تستطع قتله….
كنتُ أقرأ الصحيفة بعينين مثقلتين بالنعاس، لكن عبارةٌ معينة جعلت النوم يطير من عينيّ في الحال.
[عائلة ديسبينيل بأكملها، وفاةٌ غامضة.…]
‘ليس بعد! فيفيان لم تطلق اللعنة على ماريسيلا بعد!’
_____________________
ريتا اخيرا اشتاقت لشين و قدها تركض له
فيفيان: يالله صباح الخيير
المهم خير ريتا ليه بكت الحين كان بكت قدام شين عشان يبكي معها وينهارون سوا😔 كله فيفيان
بس خلاص مدري كم فصل من يوم تهاوشوا مب وقت الرجعة؟
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.