الفصل 91
“إنه حفل ميلادكِ، فهل يعقل أن تتركي الضيوف وتتوارَي لتتحدثي عن العمل؟”
كانت عمتي قد تعرّفت إلى كولينز بافيل منذ وقتٍ مبكر، وكانت تعلم جيدًا طبيعة علاقتنا.
واعدتُ كولينز بأن نكمل حديثنا في فرصةٍ أخرى، ثم تركتُ نفسي تُساق مع سوزان إلى قاعة الرقص المملة إلى أبعد حد.
أما كولينز، الذي فوجئ بظهور سوزان المفاجئ، فلم يفعل سوى أن ابتسم ابتسامته الودودة المعتادة.
وحين رأيتُ تلك الابتسامة، خطر لي سؤال. لماذا ساعد شين كولينز، رغم أنهما لم تكن بينهما أي صلةٍ من قبل؟
‘لا يمكن أنه فعل ذلك لمجرد أنه يبدو شخصًا طيبًا.’
و الآن فهمتُ لماذا أصرّت عمتي على اصطحابي بهذه العجلة.
كانت فلورا، التي حضرت الحفل وحدها، تنتظر لتراني. وحين وقع بصرها على العقد الذي أرتديه، ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ هادئة.
وتبادلنا السؤال عن أحوال بعضنا، متجنبتين الحديث عن شين بصورةٍ ضمنية.
وبدا أن فلورا، بكل ما عُرف عنها من مراعاة، قررت أن تنتظر حتى أكون أنا من يفتح الموضوع أولًا.
وكان ذلك أفضل. فأنا هذه الأيام….لم أكن في كامل وعيي.
كل محاولاتي للانشغال بواجباتي كأميرةٍ كي أنسى شين ذهبت سدى.
لم تعد مشاهد هذا الحفل الفخم والمبهر، ولا الموائد المزينة بأشهى الأطعمة، تدخل إلى عيني.
فكل ما كان يشغل تفكيري هو شين دي أوريلنو، الرجل الذي يختبئ خلف قناع الكاتب شيل إيفير.
فكلما حاولتُ الانشغال بشيء، باغتني ما يذكرني به، كصفعةٍ مفاجئة على وجهي.
كنتُ أحاول، ولو قليلًا، أن أنساه، بعد أن تعقدت علاقتنا إلى هذا الحد. بل كنتُ أفكر بجدية في أن أبني بيني وبينه جدارًا، بعدما طلب مني علاقةً لا يمكن قبولها.
‘لو خطوتُ بدافع الفضول خطوةً واحدة فقط، فمن الواضح أننا سننتهي جميعًا في علاقةٍ مريضة ومدمرة.’
لم يعد الأمر مجرد سقوطٍ في بركةٍ والموت غرقًا.
ومع ذلك….كلما وجدتُ نفسي أتساءل: كيف كان سيكون الأمر لو كنتُ مع شين؟ شعرتُ بأنني على وشك الجنون.
***
وبعد أن انقضى حفل ميلادي، عادت الأوساط الاجتماعية إلى هدوئها المعتاد.
آنسة من تلك العائلة خُطبت أخيرًا. و آنسة لم يبقَ على زفافها سوى أسبوع. وهل سيحضر الجميع حفلة التنكر المقبلة أم لا….
أما أنا، فقد شاركتُ في حفل الشاي الذي أقامته الأميرة الثانية، ومضت أيامي بهدوء.
على الأقل….في الظاهر.
وضعتُ تاشا، التي تنكرت لتبدو شبيهةً بإيلين، داخل عربةٍ عادية تحمل شعار دوقية لوار.
وبما أنها جلست داخل العربة بينما كنتُ أنا في مقعد السائق، فقد ابتلع أولئك البلطجية الذين كانوا يترصدون إيلين قرب الملحق الطُعم بسهولة.
وكل ما فعلته أنا….هو أن اصطدتهم.
“ما هذا يا زعيم؟ إنها تبتسم!”
“أيها الأحمق! هذه ليست الفتاة التي نبحث عنها!”
أما أولئك الذين تجرؤوا على اعتراض عربةٍ متجهة إلى مقر دوقية لوار، فلم يكن بانتظارهم سوى قبضة تاشا وعقاب أحد النبلاء أصحاب الألقاب.
وبهذه الحجة، وهي أنهم ألحقوا الضرر بأحد تماثيل النحات أنكاياس الذي اكتشفته في ذلك المعرض الذي زرته مع شين وأصبحتُ راعيته، سلمتهم إلى قوات الأمن.
ولم أعر أي اهتمامٍ لتوسلاتهم، وهم يصرخون أنهم لم يعلموا أن العربة تخص دوقية لوار، وأنهم ظنوا أن المرأة بداخلها شخصٌ آخر.
بعد ذلك استدعيتُ سكرتيري الخاص، داميان، على انفراد.
وكان من الواضح أنه صُدم عندما علم بوجود أولئك الأوغاد حول ملحق عائلة لوار. فقد كنتُ قد طلبتُ من تاشا وإيلين أن تلتزما الصمت، ولذلك لم يكن يعلم شيئًا.
“هناك منحرفون يتربصون بإحدى موظفاتي بالقرب من هذا الملحق.”
قلتُ ذلك بصوتٍ منخفض وأنا أنظر إلى إيلين.
وما إن تعلّق الأمر بأحد موظفي لوار، حتى أصبحت نظرات داميان باردةً على الفور.
“إيلين ليس لديها عائلة. لقد نشأت يتيمةً بسبب الحرب، وعاشت وحدها. اجتهدت في حياتها، لكنها تعرضت للاحتيال.”
‘أنا؟’
ارتسمت على وجه إيلين ملامح غريبة، لكنني واصلتُ اختلاق الأكاذيب دون أن أتردد.
“اقترضت مبلغًا بسيطًا من المال، لكنهم فرضوا عليها فوائد فاحشة، وتعمدوا أن يجعلوا سداد الدين مستحيلًا. ثم خططوا لبيعها في تجارة البشر لأنها عملت سابقًا لدى عائلة الدوق.”
ورغم أن داميان يبدو رجلًا لا يحيد عن القوانين والمبادئ، فإنه كان ضعيفًا أمام الفتيات اللواتي يقاربن أخته في العمر.
وخاصةً إذا كن يعانين من ظروفٍ أسرية قاسية، كما كان حاله هو نفسه.
وإذا أضفتُ إلى ذلك إخلاصه المطلق لعائلة لوار بصفته سكرتيرًا….فقد انتهى الأمر.
“كانوا يخططون لاختطاف إيلين بمجرد أن تتسلم راتبها.”
ثم ضربتُ الطاولة بقوةٍ لإضفاء شيءٍ من الدراما على حديثي.
“أنا….لا أستطيع أن أقف مكتوفة اليدين بينما يحتقر أولئك الحثالة وصيفةً مجتهدة تعمل بإخلاصٍ لدى عائلة لوار!”
ورغم أن تمسكي باسم العائلة بهذه الحدة لم يكن يشبهني، فإن داميان لم يشكك في الأمر، بل امتلأت عيناه بنية القتل وهو يؤيدني.
“الاستخفاف بمن يعمل لدى الآنسة هو استخفافٌ بالآنسة نفسها وبعائلة لوار.”
“بالضبط! وبصفتي الابنة الوحيدة لعائلة لوار، يجب أن أتدخل بدلًا من جلالة الملك و والدي المنشغلين بشؤون الدولة.”
“وما الذي تخططين له يا آنستي؟”
ابتسمتُ ابتسامةً باردة،
“سأستغل هذه الفرصة لأقلب أوكار تلك القمامة التي لا تستحق حتى أن تُحرق رأسًا على عقب.”
ضربتُ مكتبي بخفةٍ ثم أعلنتُ بحماس،
“سنفعل ذلك!”
و كان واضحًا من نظرة تاشا الجانبية إلى داميان أنها تفكر،
‘هل يستحق الأمر كل هذا فعلًا؟’
بالطبع، كانت كلها مجرد أعذار. كل هذا….فقط لأستطيع نسيان شين دي أوريلنو.
حتى هذا الصباح استيقظتُ بعدما رأيته في حلمي.
أهذه حياةٌ يُمكن لإنسانٍ أن يعيشها؟ أنا من فازت بالرهان، فلماذا أنا التي أعاني إلى هذا الحد؟
و هو من خدعني أولًا….فلماذا أنا من يتعذب هكذا؟!
وهذه المرة اشتعل غضبي حقًا، فضربتُ المكتب بقوةٍ أكبر من ذي قبل.
أما تاشا وإيلين، فهما تعرفان جيدًا سبب حالتي، لكن بقية من حولي لم يفهموا لماذا أصرخ فجأة، أو أرتمي فوق السرير، أو أفرغ كأسًا بعد آخر من النبيذ، فوقفوا ينظرون إليّ بحيرة.
والمفارقة أنه كلما ازداد ترددي واضطرابي، ازدهرت شؤون العائلة أكثر، وارتفعت مكانتها.
وكان رصيدي المصرفي يزداد، كما أن جمعي لمدخراتي السرية كان يسير على خير ما يرام.
فضحكتُ بمرارة.
لقد متُّ قبل أن أنتقل إلى هذا العالم بسبب العمل….وها أنا أهرب من واقعي الجديد بالطريقة نفسها: العمل.
“يكفي….سأكتفي بالقدر الذي يُتعب جسدي قليلًا.”
“….…”
لكن ما بدأ بذلك انتهى بي إلى مطاردة رؤوس أكبر التنظيمات الإجرامية في عاصمة آيزار.
***
في وقتٍ واحد، أُلقي القبض على المرابين الذين كانوا يخنقون الناس بفوائدهم المجنونة، وعلى مقامري القمار غير الشرعي، وعلى أولئك الذين دفعتهم الحرب إلى طريق الجريمة، وعلى عصابات الاتجار بالبشر سيئة السمعة.
وخلال تلك الحملة، مُحيت آثار ماضي إيلين والكاهن المزيف جايد بالكامل.
استأجرنا شخصًا ليشعل النار سرًا في مقر أفراد الوسيط الذين اضطهدوهما، بحيث يبدو الأمر وكأنه حادثٌ وقع أثناء الحرب على الجريمة.
واستغللنا الفوضى لانتزاع سندات الدين غير القانونية الخاصة بهما، ثم أحرقناها بعيدًا عن الأنظار.
في الحقيقة….لم أفعل شيئًا يُذكر.
فرغم أنني ابنة دوقية لوار، العائلة التي تمتلك من الأراضي ما يكفي لمنع الطيور نفسها من إيجاد مكانٍ تهبط فيه….فما يمكن لابنة دوقٍ أن تفعله بنفسها كان محدودًا.
أما القضاء على تنظيماتٍ إجرامية كانت حتى العائلة المالكة تجد صعوبةً في التعامل معها، فكان أصعب بكثير.
فقد ينتهي الأمر بأن أتعرض للتهديد أو الاختطاف على يد أولئك الذين باعوا ضمائرهم للشيطان.
لكن ما ميّزني….هو أنني لم أكن مجرد أميرةٍ نبيلة. كنتُ شخصًا انتقل إلى هذا العالم.
كل ما فعلته هو استخدام بعض الحيل، وإنفاق بعض المال، وتوجيه الأشخاص المناسبين.
أما من تولوا العمل الميداني فعلًا، فكان سكرتيرنا العزيز، وموظفينا، إضافةً إلى قوات أمن العاصمة وثلاث وحداتٍ من الحرس الملكي….
‘لكن….لماذا أنا هنا؟’
وعندما استعدتُ وعيي، وجدتُ نفسي منحنيةً أمام الملك، على وشك تلقي الثناء على إنجازاتي.
‘أبي….لم أكن أنوي أن أصبح مصدر فخرٍ للعائلة إلى هذا الحد.’
وشعرتُ بعرقٍ بارد يتجمع في كفي وأنا أتساءل عما قد يدور في ذهن والدي الواقف بجانبي.
فأثناء استجواب الرجال الذين حاولوا اختطاف تاشا، متنكرةً في هيئة إيلين، انكشف أن منظمةً إجرامية كان الحرس الملكي يراقبها منذ مدةٍ متورطة في القضية.
إلى هنا كان كل شيءٍ على ما يرام.
‘لكن حتى أنا لم أتوقع أن ينتهي الأمر بالإيقاع بهذا العدد الكبير من المجرمين!’
“أميرة لوار ليست جميلةً فحسب، بل تتمتع أيضًا بذكاءٍ لافت. ومع ذلك، كلما اقترحتُ تزويجها إلى العائلة المالكة، يقطب الدوق حاجبيه بتلك الجدية، فلا أجد ما أقوله.”
ورأيت الملك يبتسم ابتسامته الودودة، ثم يرمق الدوق لوار بنظرةٍ ذات مغزى.
‘لا….مستحيل! إذا بدأوا يتحدثون فعلًا عن زواجي من كيبيرن، فسأهرب هذه المرة بلا تردد!’
حافظتُ بصعوبةٍ على هدوء ملامحي، بينما أخذ بصري يتيه في أرجاء قاعة العرش الفخمة.
“لا تزال صغيرةً على الزواج.”
قال الدوق لوار ذلك بحزم.
يا له من أبٍ بارد الطباع….لكنه، على غير المتوقع، رسم الحدود بوضوحٍ هذه المرة.
“أنوي إعداد هذه الطفلة لتصبح وريثتي، ولذلك لم يتغير قراري بتأجيل جميع عروض الزواج في الوقت الحالي.”
….ماذا؟!
ولماذا تذكر ذلك أصلًا؟!
_____________________
ها عسى ماتبين شين؟ عنس دوقة المستقبل الي لاحقت عصابات ✨
الرواية بغت تتحول من رومانسي الى اكشن بس ضحكتني المؤلفة وهي مختصرة كل شي في فصل😭
المهم ابوها على بروده ذاه مستحيل ينجلط منها حتى لو قتلت الامير شخصياً🥰
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.