الفصل 89
ضاقت عينا تاشا عند سماع كلامي.
“برٌّ بالوالدين؟”
“بالضبط. سنسحق النقابات غير الشرعية والوسطاء الفاسدين والمرابين الذين صاروا كالسرطان ينخرون إعادة إعمار المملكة، ونعزز الأمن والنظام، وذلك تحت شعار رد الجميل للعائلة ورفع شأنها.”
“وبأي طريقةٍ ستقدمين لهم مثل هذه الهدية؟”
“سأكتفي بإضافة لمستي إلى الخطة التي اقترحتها إيلين قبل قليل.”
تبادلتا إيلين وتاشا النظرات، وكلتاهما عاجزةٌ عن فهم ما أقصده.
بينما انشغلتا بالحيرة، كنت وحدي أغرق في التفكير الجاد فيما ينتظرني، وأرسم خطوطًا مبعثرةً على الورقة، حتى دوى طرقٌ على الباب.
كانت العمّة سوزان.
“ريتا، لم تنسي أن فستانكِ سيصل اليوم بعد الانتهاء من تصميمه، أليس كذلك؟”
كان يوم ميلادي يقترب.
وقد أوصتني عمتي مرارًا بأنني ما دمتُ عدتُ إلى العاصمة بعد غيابٍ طويل، فلا بد من إقامة حفلٍ راقص يليق بالمناسبة ويكون في أبهى صورة.
وقالت أن بإمكانها التغاضي عن كوني لا أستضيف آنسات العائلات النبيلة في الملحق لأن الأمر يزعجني، لكنها لن تسمح أبدًا بأن يمر يومٌ كهذا مرور الكرام.
وقد جاء ذلك في وقته المناسب.
“بالطبع لم أنسَ. في أي ساعةٍ سيصل؟”
ولكي أنسى شين دي أوريلنو ولو قليلًا، فلا شيء أنسب من حفلات الشاي والتجمعات الاجتماعية وحفلٌ راقص ينشغل فيه الجميع بالرقص والمرح.
منذ اليوم الذي كان والدي سيزور فيه ملحق لوار، لم يشهد الملحق هذا القدر من الانشغال.
فالحفل هذه المرة يحتفل بميلاد أميرة الدوقية الوحيدة في المملكة.
وكانت العمّة سوزان قد اختارت الضيوف بعنايةٍ وأرسلت إليهم الدعوات منذ وقتٍ طويل، بينما جرى تزيين القاعة الرئيسية بزينةٍ صيفية فاخرة تجمع بين البذخ والرقي، وكأنها تثبت أن المال والذوق الرفيع قادران حقًا على الاجتماع في مكانٍ واحد.
ورغم أن يوم ميلادي لم يحل بعد، بدأت الهدايا تتوافد من كل صوب.
أما أنا، فكنتُ أبدّل الفساتين واحدًا تلو الآخر، محاوِلةً الهروب إلى واقعٍ مزدحم ينسيني كل شيء.
لكن يبدو أن هذا العالم….أو ذلك الكائن المتعالي الذي ألقى بي فيه، كان يسخر مني. إذ جاءت إحدى الوصيفات تحمل هديةً لم أتوقعها.
وبينما كنتُ أجرب الفستان الرابع، همست الوصيفة في أذن سوزان. ورأيتُ من خلال المرآة عيني عمتي تتسعان فجأة.
“يا إلهي! وصلت هديةٌ من عائلة الماركيز أوريلنو!”
وفي لحظة، تحولت كل محاولاتي لنسيان شين إلى هباء. فاستدرتُ دون وعيٍ أحدق في علبة المجوهرات التي تحملها سوزان.
كانت تشبه إلى حدٍ بعيد العلبة التي حاول شين أن يهديني فيها ذلك العقد المشؤوم، حتى شعرتُ وكأن السماء انهارت فوق رأسي.
أما سوزان، التي لم تكن تعلم شيئًا عما يدور في داخلي، فتقدمت بحماسٍ وقدمت إلي العلبة وهي تهتف،
“الآنسة بريين أرسلت رسالةً تشكرنا فيها على دعوتها إلى الحفل.”
اعتذرتُ في سري لفلورا، لكنني سارعتُ أولًا إلى فتح علبة العقد.
‘أرجوكِ….ألا يكون هو ذلك العقد الذي سيكون بمثابة تذكرةٍ مباشرة إلى قطار الموت!’
“….…”
يا للراحة. لم يكن العقد الذي كنتُ أخشاه.
فانطلقت من صدري زفرة ارتياحٍ عميقة.
“دعيني أرى….يا إلهي! ما أجمله!”
وبينما أخذت سوزان العلبة تتأمل لمعان اللؤلؤ بإعجاب، فتحتُ بأطراف أصابع مرتجفة الرسالة التي أرسلتها فلورا.
كانت قصيرة. لم تكتب سوى أنها متحمسةٌ للغاية وسعيدةٌ بتلقي الدعوة.
[ملاحظة: لقد أرسل الماركيز هديةً نيابةً عن حضوره لتهنئتكِ.]
كنتُ قد تعمدتُ دعوة فلورا وحدها إلى الحفل دون شين. فلم أكن أملك الشجاعة لمواجهته وسط ذلك الحشد.
ثم أغلقتُ علبة المجوهرات وسلمتها إلى الوصيفة، و عدتُ لتجربة فستانٍ جديد.
وحين شد الخصر بالأربطة مرةً أخرى، تنفست بصعوبةٍ من شدة الضيق.
‘المغفرة.…’
ليس من السهل أن يحمل المرء ماضي شخصٍ آخر بكل ما فيه.
وحتى الكاتب شيل إيفير، عندما كنتُ لا أعرف حقيقته، لم يكن استثناءً.
لم يكن شين يطلب مني مجرد الصفح عن خداعه، بل كان يريد مني أن أتقبل جانبه المظلم أيضًا.
‘لقد ظنّ أنه إذا وقعتُ في حبه فسأتقبل كل شيء….’
هاه. يا له من هراء.
هل نسي اعترافي له في متجر الكتب المستعملة؟
وهل نسي أيضًا كل ما قلته له عن الرجل المثالي بالنسبة إليّ؟
‘مستحيل. أنتَ الذي أحببتني….لا يمكن أن تكون قد نسيتَ أدقّ تفاصيل ما قلته.’
صحيح….لقد كان يعرفني جيدًا، ومع ذلك طلبَ مني شيئًا لا يُعقل.
فسألتُ شين في أعماقي،
‘لو كنتَ مكاني….هل كنتَ ستسامحني؟’
هل كنتَ ستستطيع أن تسامح شخصًا متغطرسًا مثلكَ بهذه السهولة؟
***
كان السبب وراء رحيلكِ عني بسيطًا.
أنتِ لم تستطيعي أن تسامحيني بعد، ولم تكوني تحبينني بالقدر الذي أحببتكِ به.
هذا كل ما في الأمر.
‘لا بد أنكِ تحتاجين إلى بعض الوقت للتفكير.’
لكن شين كان قلقًا؛ فقد كانت ملامح ريتا عاجزةً عن إخفاء اضطرابها.
“لا بد أن مشاعرها تجاه شيل إيفور لا تزال قوية.”
‘لكن لا أحد يعرف كيف يهز قلبكِ أكثر مني.’
وفجأة توقفت يد شين التي كانت تكتب المخطوطة.
حتى عندما بدأ الحبر يتسرب من رأس القلم ويلطخ الورقة بالسواد، لم يتحرك.
لو أعلن شين أنه لن يكتب بعد اليوم….
“هل ستأتين للبحث عني؟”
حدّق بصمتٍ في بقعة الحبر السوداء المنتشرة على الورقة، وكأنها تعكس ظلمة أفكاره.
‘ستأتين. أنا واثق….بل متأكدٌ أنكِ ستأتين إليّ.’
لكن صورة ريتا داخل البرج، المثقلة بالشعور بالذنب، ارتسمت في ذهنه.
وجهها الذي احتبست الدموع في عينيها بدا حيًا كأنه مشهدٌ حدث بالأمس. فما كان منه إلا أن قبض على الورقة وجعّدها دون شعور.
‘كيف يمكنني أن أفعل شيئًا أعرف أنكِ تكرهينه؟’
حتى لو كرهتني….حتى لو اشمأززتِ مني….أرجوكِ، لا تكرهي كتاباتي.
‘أرجوكِ….على الأقل أحبّي هذا العمل.’
وبهذا الرجاء وحده، بسط ورقةً جديدة نظيفة، وراح يخط الكلمات بصعوبة، حرفًا بعد حرف، كأنه ينتزعها من قلبه.
كلماتٌ امتلأت بكل ما تحبه ريتا.
لكن بالنسبة للقارئة التي كانت تنتظر يوميات شين المعتادة….فقد كان ذلك أمرًا مؤسفًا.
‘فيرونا….أنا آسف.’
كانت مخطوطةً كتبها وهو يغرس في كل سطرٍ اعتذارًا صادقًا.
آسف.
آسف.
آسف.
‘أنا….ما زلتُ تعيسًا، خلافًا لما تمنته أختي.’
***
“نبارك للأميرة ليفيريتا لوار يوم ميلادها!”
يا له من يومٍ ممل، مليءٍ بالمجاملات الرسمية.
ارتديتُ فستانًا أزرق فاتحًا يضاهي لون عينيّ، كزهور السوسن المتفتحة في أيام الصيف، واستقبلتُ تهاني الحضور بابتسامةٍ هادئة.
وانعكس العقد الذي أرتديه بخفوتٍ على الكأس الكريستالية التي في يدي، فلفتَ انتباهي.
كان العقد الذي أهداني إياه شين طوقًا أنيقًا، بدا وكأن خيوطًا من الدانتيل قد حيكت من لآلئ كبيرة وصغيرة، تتوسطه ياقوتةٌ زرقاء مصقولة على هيئة قطرة ماء.
كان تصميمه راقيًا لا يخضع لتقلبات الموضة، حتى أن الجميع أخذوا يبدون إعجابهم به، ويسألونني من أي متجر مجوهراتٍ اشتريته، وأي صائغٍ بارع صنعه.
أما أنا، فلم أكتفِ إلا بابتسامةٍ خفيفة، وأجيب بأنه هدية.
لو لم يكن ذلك العقد المخصص لماريسيلا، لكنتُ قبلتُ أي جوهرةٍ منه دون تردد.
لكن، وبصراحة….لقد أعجبني هذا العقد كثيرًا.
في البداية كنتُ أنوي ألا أرتديه، بعد كل ما جرى بيني وبين من أهداني إياه.
ومع ذلك….لسببٍ لا أعرفه، ترددتُ طويلًا، ثم امتدت يدي إليه في النهاية.
ولأنني لم يكن لدي إخوةٌ ذكور مقربون، فقد أدّيتُ الرقصة الأولى، وفقًا للتقاليد، مع الابن الأكبر لإحدى العائلات التابعة لنا، وهو الوحيد الذي تجمعني به معرفةٌ لا بأس بها.
وبما أنني صاحبة الحفل، فلم يكن بوسعي مخالفة هذا التقليد.
وبعد أن انتهيتُ من تلك الرقصة، رفضتُ جميع دعوات الرقص الأخرى بأدب. فجميع نبلاء المملكة يعلمون أنني لا أنوي قبول أي خاطبٍ في الوقت الحالي.
ورغم ذلك، لم يمنع هذا بعضهم من محاولة التقرب مني. ولذلك بقيتُ ملازمةً لسوزان، متجاهلةً إياهم قدر استطاعتي، وأكتفي باحتساء الشمبانيا بهدوء….
وعندها ظهر شخصٌ لم أتوقعه، لينقذني من ذلك الموقف.
“يسعدني لقاء الأميرة ليفيريتا لوار.”
ها قد ظهرت سمكتي الكبيرة!
ولدهشتي، كان كولينز قد حضر مرتديًا ملابس أنيقة على نحوٍ لافت.
كنتُ قد أرسلتُ إليه دعوةً وأنا غير واثقة من أنه سيأتي، فهو الرجل الذي لا يعرف سوى السحر….لم أتوقع حقًا أن يحضر إلى الحفل.
و كولينز هذا، الذي كان يخشى النساء، ظل يرمق محيطه بنظراتٍ حذرة لا تهدأ.
“لا تقلق، لن أطلب منكَ أن ترقص.”
“آه، شكرًا لتفهمكِ! فأنا، إن كنتُ أجيد شيئًا أو أجهله، فالرقص بالتأكيد من الأشياء التي لا أجيدها إطلاقًا!”
قال كولينز ذلك بصراحة وهو يبتسم ابتسامةً مشرقة ملأت وجهه.
وما إن رأيته حتى شعرتُ بأن الضيق الذي كان يخنق صدري قد خفّ قليلًا. فقد نشأت بيننا خلال أحاديثنا السابقة ألفةٌ لا بأس بها.
بل إن كولينز، رغم سذاجته بعض الشيء، لم يكن من أولئك الذين يقتربون مني بدافع المصلحة.
‘إذا فكرتُ بالأمر….فأنا الشريرة بيننا.’
لسببٍ ما، شعرتُ بوخزةٍ من تأنيب الضمير.
لكنني لم أكن أنوي استغلال كولينز فحسب. فكما يقول المثل، من يأخذ ينبغي له أن يعطي.
“في الحقيقة، كنتُ أفكر منذ فترةٍ في أن أراكَ من جديد.”
___________________
كنت انتظر شين يطلع وتضطر ترقص معه او تنحاش للحديقه ويلحقها اي شي
المهم كولينز ذاه يجنن جو خوي يضحك بس ليه ماسحبت شين معك لييييييييييييييه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.