الفصل 87
ظلّت إيلين صامتةً لفترةٍ طويلة، حتى بعد أن وصلنا إلى القصر، إثر سماعها تلك القصة.
وبالتزامن مع ذلك، غادرت عمتي سوزان الملحق لتلبي دعوة أحدهم.
ولأول مرةٍ منذ مدةٍ طويلة، أصبحتُ حرةً تمامًا، فاستلقيتُ بلا حراكٍ على كرسي في الشرفة المغطاة المطلة على الحديقة، أحدق بشرودٍ تحت شمس الصيف الساطعة.
….كم أن هذا العالم قاسٍ. قاسٍ إلى حد لا يُحتمل.
هل أحطم كل شيء؟
وبينما كنتُ أحدق في السحب البيضاء المنتفخة كقطع الخبز الطرية، راودتني أفكارٌ مدمرة.
في الوقت الحالي، لم يكن يعلم هوية شيل إيفير الحقيقية سواي أنا، وتاشا، وإيلين.
وقد أقسمتُ لهما داخل العربة، ونحن في طريق العودة إلى الملحق، أننا إن أفشى أحدنا هذا السر، فسيكون الأمر بمنزلة: إماأن نهلك جميعًا أو ننجو جميعًا.
وشددتُ عليهما مرارًا ألا يخبرا أحدًا، حتى الدوق لوار نفسه.
ولأن إيلين أصبحت، بخلاف تاشا، تملك نوعًا من الصلة بشين، فقد أكدتُ عليها الأمر أكثر.
هذا ليس مجرد سرٍ أو نقطة ضعفٍ عادية لأحدهم.
ولحسن الحظ، تفهمت إيلين موقفي، حتى بعد أن عدنا إلى الملحق وعدّلنا عقدها بإضافة بند حادثة إصبع القدم المبتور*، وبند الزيادة في الأجر.
*( الإشارة إلى أثر خسارة صغيرة تبقى محسوسة؛ فبتر إصبع القدم قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنه يؤثر في التوازن والمشي، فيُضرب به المثل في أن بعض الأشياء الصغيرة قد يكون فقدها ذا أثر كبير.) يعني القصة وخسارة ايلين
وهكذا، اختلطت الثقة بين صاحبة العمل وخادمتها كما ينبغي.
لا أعلم ماذا شعر به شين عندما رأى ذلك الجانب المهووس بالمعجبين فيَّ….لكن ذلك، على الأقل، منحني بعض الطمأنينة.
هاه….وماذا يفعل المعجب الحزين الآن؟
في هذه اللحظة، لا بد أن كيبيرن وماريسيلا يتفقدان الأرض التي ستُمد عليها خطوط السكك الحديدية.
أما والدي، دوق لوار، فلا بد أنه يراقب تحركات أسرة فورتي.
أما شين دي أوريلنو….
“آه.…”
ما إن خطر وجهه ببالي حتى خرجت مني تنهيدةٌ عميقة دون إرادة. فكلما تذكرتُ الدموع التي سالت على ذلك الوجه الوسيم، شعرتُ وكأن قلبي يتمزق.
‘كيف استطعتَ أن تخدعني؟!’
لكن في الوقت نفسه، كانت مشاعر الخيانة تغلي داخلي، حتى أنني لم أستطع منع نفسي من ضرب الطاولة بقبضتي.
الشخص الذي كان يسيء إلى كاتبي المفضل أمامي….كان هو الكاتب نفسه؟
لو نُشر هذا على الإنترنت، لقامت الدنيا عليه بسبب سوء شخصيته!
لكن….الأسباب التي دفعته إلى إخفاء هويته كانت قاسيةً إلى حدٍ لا يوصف. ولهذا، كلما تذكرتُ صوته المرتجف وهو يتوسل إليَّ ألا أرحل، لم أجد سوى أن أطرق صدري….ثم أطرق الطاولة مرةً أخرى.
ومن بعيد، كنتُ أشعر بالخادمات اللواتي لا يعلمن شيئًا، يحدقن بي بعيونٍ متسعة في حيرة.
واهتزت الرسالة الموضوعة فوق الطاولة قليلًا من أثر الضربة التي وجهتها إليها.
كانت الرسالة من فلورا. كانت تقلق بسبب مغادرتي المفاجئة.
لكنها لم تذكر شين ولو مرةً واحدة.
أما ذلك الرجل….فمنذ أن غادرتُ القصر هاربة، لم يرسل إليَّ أي خبر.
هل يمنحني الوقت الذي طلبته لأفكر؟
لكن العلاقة التي تشابكت عُقدها إلى هذا الحد….حتى لو ابتعدت خطوةً إلى الوراء وتأملتها بهدوء، لم أعد أعرف كيف يمكن إصلاحها.
المسامحة؟ كيف يمكنني أن أسامحكَ بهذه السهولة؟
ليتني أُصبتُ بفقدان ذاكرةٍ مؤقت….فقط لأنساكَ ولو قليلًا.
رغم أنني هربتُ فورًا من تلك الصدمة المروعة….لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في شين ولو لثانيةٍ واحدة.
وهذا طبيعي. فحياتي كلها منذ انتقلت إلى هذا العالم….كانت تدور حول شيل إيفير….أي حول شين.
كدتُ أجن.
كل تلك الرسائل التي كنتُ أرسلها إلى كاتبي المفضل وأنا أخفق حماسًا….باتت تبدو عبثية.
حين كنتُ أغرق في مدح شيل إيفير….بأي شعورٍ كنتَ تستمع إليَّ وأنتَ تقف أمامي؟
في البداية….لا بد أنكَ كنت تسخر مني. ولابد أن الأمر كان مضحكًا لكَ إلى أبعد حد.
دويّ-!
إن بقيتُ على هذه الحال….فسأفقد عقلي حقًا.
وبينما كنتُ أتأرجح بين الصدمة والغضب، نهضتُ فجأةً ودفعت الطاولة بقوة، محاولةً الحفاظ على ما تبقى من اتزاني، ثم سألتُ تاشا،
“تاشا، هل توجد حفلة شايٍ قريبة يمكنني حضورها اليوم؟”
نعم….فلأهرب من الواقع قليلًا. سأشغل نفسي بالعمل.
أيتها الحياة الاجتماعية….ها أنا قادمة!
***
‘هل كان هذا هو المشهد الذي قضى فيه والدي أيامه الأخيرة؟’
المكان نفسه….والفكرة نفسها….حتى أنني لم أعد أذكر كم مرةً رأيت هذا الحلم.
في فترةٍ هدأت فيها الحرب مؤقتًا، وبعد أن نجحوا بصعوبةٍ في استعادة مدينةٍ تقع على الحدود مع ديهاتي، كان شين يقف مستريحًا فوق سور الحصن عند نقطة التفتيش، يحدق في المشهد الممتد أمامه، بينما تدور تلك الفكرة في رأسه.
كانت جثث جنود العدو المشوهة بصورةٍ غريبة تبرز بوضوح وسط المشهد الملطخ بالدماء.
وكان ذلك من آثار تدخل السحرة، الذين رفعوا قدراتهم الجسدية إلى مستوياتٍ غير طبيعية.
وقف شين، وقد خلع خوذته، يتأمل الخارج بصمت. ومن خلفه، بدأت تصل إلى أذنيه همسات الجنود.
“يبدو أن دم أوريلنو لا يخون أصحابه….انظروا إليه، ما زال حيًا حتى الآن.”
“ششش!”
“ماذا؟ أنا أقول الحقيقة! ابن عائلةٍ نبيلة يقضي سنواتٍ في هذا الجحيم، وما زالت أطرافه كلها سليمة!”
“لا، لا….أراهن أنه فقد إصبعًا واحدًا على الأقل.”
“هيه، ما رأيكَ أن نراهن؟”
هل يقصدون تلك الإشاعة التي تقول إن دماء أوريلنو تجعل صاحبها ينجو حتى لو اندفعت نحوه ثلاثة سيوفٍ في وقتٍ واحد، فلا يصيب أحدها عنقه؟
ذلك المسكين الذي أُرسل إلى ساحة الحرب بدلًا من سيد الأسرة المضرج بالدماء….
كان شين قد سمع مثل هذه الشائعات علنًا منذ أيام المدرسة الداخلية، حتى لم يعد يبالي بها.
لكن….كان يشعر بفراغٍ قاتل.
قد أموت هنا في ساحة المعركة بسبب سوء الحظ.
وفيرونا ليست في القصر الآن….
‘كان ينبغي لي أن أغرس السيف في عنق ذلك الوغد وأثأر لوالديّ.’
وما إن خطر بباله كيرون، الذي كان يجلس في مكتب والده ويستخدمه وكأنه صاحبه، حتى غلى الدم في عروقه.
كان شين يدعو كل يومٍ أن يموت ذلك الرجل ميتةً مؤلمة.
لا يمكنني أن أموت هنا في ساحة الحرب. أنا من يجب أن يقتله.
مهما كلف الأمر، سأعود….وسأغرس سيفي في قلبه….
بووم-!
هبط شيءٌ ثقيل بجوار شين مباشرة، فحطم أرضية الحصن واستقر فيها.
وفي اللحظة نفسها أدرك أن الكرة السوداء التي ارتطمت بالأرض لم تكن سوى قذيفة.
ولوهلة، انخفضت حرارة المكان حتى بدا كل شيءٍ متجمدًا.
“إ….إنه هجومٌ مباغت!”
كان أول من استعاد رباطة جأشه هو من أطلق هذه الصرخة.
“إنها قذيفةٌ أطلقها ذلك الساحر اللعين! حددوا مكانه!”
“واحدةٌ أخرى قادمة!”
وفي لحظة، تحولت الاستراحة القصيرة التي ظنوا أنهم نالوها إلى ترفٍ لا يملكونه، وتعالت الصرخات والاستغاثات من كل جانب.
ودون وعي، التقط شين القذيفة بيدٍ واحدة، غير مدركٍ حتى أنها كانت ملتهبة، ثم قذفها بكل قوته نحو صفوف العدو.
اشتعلت القذيفة غير المنفجرة وسط النيران، ثم انفجرت. وكانت الصرخات التي دوّت وسط ساحة القتال مرعبة.
أطلق شين زفرةً عنيفة، ثم نظر إلى يده التي كانت تحترق ألمًا.
احترق القفاز العسكري الذي كان يرتديه، وأخذ الألم ينتشر في ذراعه وكتفه اللذين قذفا القذيفة، ثم سرعان ما تحول إلى وجعٍ كاد يقتلع ذراعه من مكانها.
لابد أن الارتداد أصابه لأنه ألقى بها بكل ما يملك من قوةٍ لينجو بحياته.
عندها فقط….هوى قلبه من جديد، وهو يحمل ذلك الإحساس البارد المزعج.
وكعادته….سقط في الهاوية مرة أخرى.
كدتُ أموت….كدتُ أموت. قبل أن أنتقم حتى.
والانتقام….هو السبب الوحيد البائس الذي أبقاني حيًا.
….لكن، ماذا بعد أن أنتقم؟
حين ينتهي هذا الشقاء….ويختفي السبب الوحيد الذي يجعلني أعيش….هل يجب أن أموت أنا أيضًا؟
وماذا عن فيرونا؟ ماذا سيحدث لعائلتي الوحيدة التي ستبقى وحدها في هذا العالم؟
وإن كانت فيرونا قد وجدت عائلةً جديدة وأسعدتها….فأنا….ألن أصبح وحيدًا تمامًا في هذا العالم؟
في تلك اللحظة….ظهرت بجوار شين امرأةٌ يعرفها جيدًا.
وبصوتٍ حنون لا يليق أبدًا بذلك المشهد الملطخ بالدماء، همست بالحقيقة القاسية.
“أنا أيضًا….أستطيع أن أكون سعيدةً من دونكَ.”
ارتجف قلبه من وقع الصدمة، فاستدار بسرعة. و كانت ريتا تنظر إليه بعينين مكسورتين.
“إن كنتَ تتمنى سعادتي….فكان عليكَ ألا تكشف الحقيقة أصلًا.”
ثم بدأت دموعٌ سوداء تنهمر من عينيها، حتى اختنق نفسه.
“أن تظن أن أحدًا سيحتضن كل جراحكَ….يبدو أنكَ فقدتَ صوابكَ تمامًا. أنا لستُ خلاصكَ! ولستُ صديقكَ أيضًا….يا لكَ من مغرور….لابد أن تنال عقابكَ!”
وفجأة….تشوه وجه ريتا، وتحول إلى شخصٍ ذي صوتٍ مقزز ومخيف. كان كيرون.
بعينين سوداوتين فارغتين، مد يديه وخنق عنق شين.
“هاه.…!”
فتح شين عينيه فجأة، يلهث بعنفٍ فوق سريره، بينما كان قلبه يهبط كالحجر من شدة الفزع.
ثم تحسس عنقه، حيث كان الألم اللاذع لا يزال باقيًا.
وأثناء محاولته اليائسة الفرار من ذلك الوهم المرعب، كان قد خدش عنقه بأظافره دون أن يشعر.
تحسس بيده أي شيءٍ قريب، حتى عثر على شمعة وأشعلها. فانعكس الضوء الأزرق الباهت على الدم العالق بأطراف أصابعه المرتجفة، و بدت قطراته سوداء.
كانت تلك هي المرة الثالثة التي يرى فيها ريتا في كابوسه. ولا تزال كلماتها في الحلم تتردد بوضوح.
أنتَ تطلب الكثير.
لقد جرحتكِ جرحًا عميقًا. لم يكن ذلك أمرًا لم أتوقعه.
أعرف….أنا فعلًا أطمع في المستحيل.
…لكن….أيعقل أن تكون تلك المعجزة….ذلك الحلم….شيئًا لا يحق لي أن أناله أبدًا؟
____________________
ضموه يمه مسكين😭😭😭😭😭😭
ريتا ادري مصدومه بس خلاص يختي سمعتي ماضيه اعذريه وضميه ببكي اخر شي توقعته الروايه ذي يدخلىم ضيم
و دبابتنا تقول احطم كل شي؟ اي بالله حطمي كل شي وخذي شين معس برا ذا العالم
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.