الفصل 86
لم يصلني أي جواب.
….حقًا، أنا متسامحةٌ إلى حدٍ يثير الإعجاب.
امتدحت نفسي في داخلي، ثم شرحت له بلطف،
“في رواية 〈كيتلين〉، لم يكن ما يجمع كيتلين وأركوس هو الحب وحده، بل كانت بينهما أيضًا ثقةٌ مطلقة تتجاوز كل شيء.”
“وماذا تقصدين بذلك؟”
“اسمعني. لهذا السبب بقيت كيتلين تنتظر أركوس في المكان نفسه، وفي الوقت نفسه، طوال ثلاث سنوات، رافضةً عروض الزواج التي قدمها لها عددٌ لا يحصى من الرجال، لأنها كانت تؤمن بأنه سيعود إليها.”
لم يستطع شين إخفاء ملامح الحيرة التي ارتسمت على وجهه.
“أما أركوس، فقد كان يثق ثقةً راسخة بأن كيتلين ستظل تنتظره حتى النهاية، ولذلك هرب بأي وسيلة من غرفة التعذيب التي كانت أشبه بالجحيم، وعبر الحدود ليعود إليها.”
نظرتُ إليه مباشرةً و تحدّثتُ من جديد،
“وفي رواية 〈مأساة البارون تشرن〉، ترى السيدة إيرين خيانة زوجها واحتياله، فتنهار الثقة التي بنتها معه طوال تلك السنوات، ولم تعد قادرةً على تصديقه، فتغادر المنزل وتبدأ بالتجول خارجه.”
“….…”
“شين….علاقتنا القائمة على الثقة كانت محطمةً منذ البداية.”
و وجهتُ إليه نصل الحقيقة الحاد.
“قبل أن نتحدث عن الحب، كانت أبسط مقومات العلاقة الإنسانية بيننا قد انهارت تمامًا.”
“يمكننا أن نبدأ من جديد، حتى الآن.”
هل الأمر بهذه السهولة حقًا؟
ابتسمتُ بسخريةٍ وأنا أتذكر الرجال الذين عرفتهم قبل انتقالي إلى هذا العالم، ثم أجبته ببرود،
“إذا شعرتُ يومًا أنكَ تخدعني مرةً أخرى….فسأفقد صوابي.”
“ريتا، لن يحدث ذلك أبدًا.”
“حقًا؟ أما أنا فلا أستطيع أن أجزم بذلك، لأنني ما زلتُ أتذكر الشخص الذي كنتَ عليه.”
حين ابتسمتُ ابتسامةً واهنة، خيم الحزن على وجه شين المشوه بالألم.
“قد يأتي يومٌ أحتاجكَ فيه، ولا تكون إلى جانبي.”
“لن يحدث ذلك أبدًا.”
“وقد تكون ما زلتَ تُخفي عني أمورًا أخرى….أو قد تظهر أمورٌ جديدة لاحقًا.”
“….…”
كان ينظر إليّ بعينين يغمرهما حزنٌ لم أره فيه من قبل، وكأنه لا يصدق ما يسمعه.
ومد يده نحوي بتردد، ثم توقف. وبعد لحظة، عض شفتيه المطبقتين بقوة.
تأملتُ وجهه الشاحب المتجمد، ثم وضعت النقطة الأخيرة.
“لا يهم أمر المسامحة الآن….أنا مرهقةٌ جدًا. سأعود….وأفكر في كل شيء.”
“ريتا….أرجوكِ.”
حتى صوته المليء بالرجاء لم يحرك قلبي.
….حقًا، لقد انتهت هذه العلاقة.
تحملتُ دور الشريرة، و تحدّثتُ بحزم،
“إلى أن أرتب أفكاري، حتى لو رأيتني….تعامل معي وكأنني شخصٌ غريب، وكأنكَ لم ترني.”
ارتج صوته بعنفٍ وهو يردد داخل البرج،
“كيف تريدين مني أن أتظاهر بأنكِ غريبة….وأن أمر بجانبكِ وكأنني لم أرك؟”
“كم أنتَ جبان.”
عند همسي بتلك الكلمات، ارتجف ظله.
“ألن ترتاح إلا إذا أجبرتني على قولها بلساني؟”
كنتُ أكتم مشاعري بصعوبة، لكن صوتي المرتجف خانني.
“تريدني أن أحب كل ما فيكَ؟ حتى الأم نفسها يصعب عليها أن تحب كل شيءٍ في طفلها.”
وأنا أحدق في القناع الذي كان يتحطم على وجه شين قطعةً قطعة، شعرتُ بحرارة عيني، تمامًا كما حدث بالأمس حين أُصبتُ بالحمى.
“بعد أن تلاعبتَ بمشاعر الآخرين….ألا ترى أنه من الوقاحة أن تلاحقني هكذا دون أن تمنحني حتى وقتًا لأفكر؟ هل تعلم؟ حتى أولئك الأراذل الذين جاءوا يطلبون يدي كانوا يمنحونني مهلةً بعد الاعتراف.”
وبالكاد كتمتُ الغليان في صدري وأنا أعاتبه.
“ما الذي يجعلكَ مختلفًا عنهم؟….بل أنتَ أسوأ منهم!”
….آمل فقط ألا يكون شبح هيوغو الذي ما زال يطوف بهذا البرج قد قرر الوقوف إلى جانب شين، فيلتصق بي مجددًا، أو يلاحقني حتى ملحق لوار.
لكنني….أشعر بالظلم.
لا أعلم إن كانت هذه الخرافة تنجح حتى في هذا العالم، لكنني عقدتُ العزم، ما إن أعود، عليّ نثر الملح في كل زاويةٍ من زوايا الملحق، وأنا أواصل الكلام بقلبٍ محطم.
“هاه….أرجوكَ.…! على الرغم من كل شيء، فأنتَ كاتبي المفضل! ولهذا أحاول، على الأقل، أن أتعامل معكَ بأدب….ألا تستطيع حتى أن تدرك ذلك؟”
وفي النهاية، بدأت عيناي تغشيهما الدموع.
ابتلعتُ بكائي بصعوبة، ثم وجّهت إليه كلمتي الأخيرة،
“أرجوكَ….إن كنتَ تفكر حقًا في مشاعري، فلا تحاول أن تمنعني من الرحيل.”
***
هل سيهرع شين للحاق بي….ولو على سبيل الاحتمال؟ لكن ذلك القلق اليائس تبدد سريعًا.
كنتُ أركض بجنونٍ على امتداد التل، قابضةً على طرف ردائي وعلى بضع صفحاتٍ من المخطوطة التي كانت الدليل الوحيد، ومع ذلك….لم أسمع خلفي أي أثرٍ لخطواتٍ تلاحقني.
حتى عندما تناثر الندى المتجمع على الأعشاب القصيرة وابتل طرف ثوب نومي، لم أستطع الالتفات إليه.
كان كل تركيزي منصبًا على ما خلف ظهري. وشين….لم يأتِ خلفي.
غمرتني راحةٌ ممزوجة بالفراغ، فأخذتُ ألتقط أنفاسي بقوة، ثم انفجرتُ أخيرًا بالبكاء الذي كنتُ أكتمه.
“كيف تريدين مني أن أتظاهر بأنكِ غريبة….وأن أمرّ بجانبكِ وكأنني لم أركِ؟”
ظل صوت شين المرتجف، بلا رحمة، قيدًا يطوق حياتي.
ومع انقضاء ذلك الفجر الذي عجزتُ فيه عن النوم، غادرتُ قصر الماركيز أوريلنو قبل بزوغ الصباح.
ولاحظت فلورا أن الأجواء بيننا لم تكن طبيعية، فارتبكت بشدة. لم يسعني إلا أن أطلب منها أن تعذرني، ووعدتها بأن أرسل لها رسالةً لاحقًا أشرح فيها كل شيء.
لكن بينما كنتُ أحمل أمتعتي وأصعد إلى العربة هاربةً….أوقفني شين.
ركض عبر الممر الذي اصطف فيه الخدم المذهولون، ثم وقف أمامي مباشرة، وسألني بعينين يملؤهما الانكسار،
“هل حقًا ستغادرين هكذا؟….لأنني لن أكون بخيرٍ إن فعلتِ.”
وأمام أنظار الجميع، لم يحاول حتى إخفاء يأسه وهو يتمسك بي.
أما أنا….
“أنتَ تعرف جيدًا أن كل ما أردته هو أن أراقب كاتبي المفضل من بعيد.”
قطعتُ آماله ببرود.
“فالكاتب والقارئ يجب أن تبقى بينهما مسافة.”
“لكن.…!”
“قبل أي شيء، أنتَ كاتب. وعليكَ أن تواصل نشر أعمالكَ بإخلاص.”
“ريتا!”
“أما أنا، فلستُ سوى قارئة. قارئةٌ ترغب في تشجيع كاتبها ودعمه. لكنكَ لست بحاجةٍ إلى دعمي المادي أصلًا، فأنتَ رجل أعزب، ولا أطفال لديكَ تعيلهم.”
وبما أنني، بصفتي المنتصرة في الرهان، اطمأننتُ إلى حال كاتبي المفضل….فلم يعد لدي سببٌ للبقاء.
وغادرتُ قصر الماركيز أوريلنو دون أن ألتفت خلفي.
الحب؟ وما الفائدة من أن يحبني كاتبي؟ إنه لا يفعل سوى أن يخنق أنفاسي.
كلما تذكرتُ تلك المشاعر التي حملتها إليه يومًا، وكيف سُحقت بلا رحمةٍ تحت حوافر الخيل….كنتُ….
ذلك القلب الذي حلم ذات يوم بأن يعيش قصة حبٍ معه….تشوه كل شيءٍ فيه إلى درجة لم أعد أستطيع معها أن أعيش بعقلٍ سليم.
بعد نحو ثلاث سنواتٍ ونصف منذ انتقلتُ إلى هذا العالم….شعرت لأول مرة بخطرٍ حقيقي يهدد ولعي المهووس.
والسبب؟ إجبار الكاتب على التقرب من معجبته….ثم مهاجمتها باعترافه المفاجئ بالحب.
***
اجتاحني فراغٌ لم أشعر بمثله طوال حياتي.
وفي النهاية….كان شين دي أوريلنو قد خدعني فعلًا.
لكن….من كان ليتخيل أنه سيخدعني بهذه الطريقة؟
‘يا من نقلني، أو أيها المتعالي، أو أيًّا كنتَ….اخرج أمامي! قل لي شيئًا! أهذا هو الامتحان الذي تعطونه لمن انتقل إلى عالمٍ آخر؟ أليس هذا قاسيًا أكثر من اللازم؟!’
كانت عمتي سوزان، بحساسيتها المعهودة، قد لاحظت منذ وقتٍ طويل أن ابنة أخيها الوحيدة تقضي أيامها في الملحق بعينين ميتتين وروحٍ خامدة منذ عودتها إلى ملحق لوار.
ويبدو أنها حاولت استدراج تاشا وإيلين لمعرفة السبب، لكنها لم تحصل على شيء، فزاد قلقها.
“ريتا العزيزة….ما بكِ يا صغيرتي؟ أخبريني، هل حدث شيءٌ هناك؟ يمكنكِ أن تقولي لي كل شيء، فأنا دائمًا إلى جانبكِ.”
“قلت لكِ أكثر من مرة أنني بخيرٍ حقًا….ما الذي يدور في رأسكِ؟ لقد قضيتُ وقتًا رائعًا مع الآنسة فلورا، واستنشقتُ هواءً نقيًا.”
لكن عمتي، التي كانت تتمتم وهي تتساءل كيف لمن عاد من الهواء النقي أن يبدو بهذا الذبول، قررت أخيرًا أن تفتح الموضوع الذي أصابني في مقتل.
“هل تشاجرتِ مع الماركيز أوريلنو؟”
“تشاجر؟ عن أي شجارٍ تتحدثين؟”
“هل تريدين حقًا أن أخبركِ أن مظهركِ الآن لا يختلف عن شخصٍ تشاجر مع حبيبه؟”
“هاه….حبيب؟ هذا فيه إساءةٌ للماركيز أوريلنو.”
“ولماذا لم تعودي تنادينه باسمه، شين؟”
….تبًا. لم أتوقع أن تمسك بي من هذه الزاوية.
ولم يكن يجدي نفعًا أن أقول: “إنه ماركيز أوريلنو، فما الذي يفترض بي أن أناديه به؟”
فاكتفيتُ بتحمل نظرات عمتي، وأدع كلماتها تمر من أذن وتخرج من الأخرى، بينما أقضي وقتًا مؤلمًا.
ترى….لو أخبرتُ عمتي أن الكاتب شيل إيفير هو نفسه شين دي أوريلنو….هل كانت ستصدق؟
….على الأغلب لا. حتى أنا، رغم أن الأدلة كانت بين يدي، رفضتُ تصديق الحقيقة. فكيف بغيري؟
كنتُ أشعر بتاشا الواقفة خلفي، وهي تعض على شفتيها في صمت، قلقةً لا تعرف ماذا تفعل.
أما إيلين المسكينة، كانت في تلك اللحظة تقشر البطاطس في المطبخ….
و في طريق عودتنا إلى الملحق بالعربة، كنتُ قد أخبرتها، باختصار، بكل ما سمعته.
___________________
اوتش سمعت خبر وفاة خوي قبل تشوفه😔
اما ريتا ياقوي قلبها وهي مخليتها بعد ماعطاها وجه المسكين😭
بعدين هو يستاهل ليه ماقال لها ترا حاولت اعلمس وقلتي يع
املي في سوزان ترجعهم
المهم المؤلفة ماودها تورينا وجهة نظر شين للي صار؟ ابي اشوف انهايره كح
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.