الفصل 85
أغمضتُ عينيّ بهدوء، ثم طرحتُ السؤال الذي اختصر كل شيء.
“هل تعرف موريا وألبريخت؟”
لعله صُدم لسماع اسمين لم يكن يتوقعهما إطلاقًا. فسأل شين بصوتٍ اختنق في حلقه،
“كيف….عرفتِ هذين الاسمين؟”
“الخادمة التي كانت ترافقني في البحث عن آثار الكاتبة شيل إيفير داخل هذا القصر تربطها صداقةٌ بموريا.”
ساد الصمت مجددًا في الظلام. بدا أن شين أربكته المفاجأة إلى حدٍّ لم يجد معه ما يقوله.
“حتى أنا لم أتوقع أن ينتهي الأمر هكذا. قيل لي أنه لا يوجد قفلٌ تعجز عن فتحه، لذلك عرّفوني عليها، لكنني لم أتخيل أبدًا أنني سأسمع منها مثل هذا الكلام.”
“….…”
“تلك الخادمة، إيلين، تريد أن تعرف كيف استطاعت شيل إيفير أن تكتب كتابًا يستند إلى قصصٍ لا يعرفها سوى أصحابها، وهل تعرف إلى أين ذهبت موريا وبقية رفاقها.”
وبدلًا من شين الصامت، واصلتُ الحديث ببطء، محاولةً تبديد هذا الصمت الخانق.
“أنا لا أطلب منكَ أن تكشف كل ما يتعلق بـ〈كيتلين〉.”
ارتسم وجه إيلين في ذهني، وتذكرتُ الدموع التي انهمرت على خديها، فسألتُ بهدوءٍ قدر استطاعتي،
“لكنني ربحتُ الرهان الذي عقدته معكَ، والذي كان يقضي بالعثور على شيل إيفير في هذه المنطقة، لذا حقق لي أمنيةً واحدة فقط. إذا كنتَ تعرف إلى أين ذهبت موريا، الشخصية الحقيقية التي استُلهمت منها كيتلين بينيديك، فأخبرني.”
انتظرتُ شين بصمت، وهو غارقٌ في الظلام.
وبعد لحظاتٍ من الصمت….
“….اضطررتُ إلى العودة إلى القصر في منتصف الحرب لأتولى منصب سيد العائلة.”
وجاءت الإجابة، على غير المتوقع، مفصلةً للغاية.
كان ما تنتظره العائلة المالكة هو القضاء على فرسان أوريلنو، الذين تضخم نفوذهم حتى أصبح خارج السيطرة.
وبالطبع، كان شين هو الآخر يتمنى موت الفرسان الذين خانوا والده. وكما أراد، تشتت فرسان أوريلنو خلال سنوات الحرب الطويلة حتى كادوا يفنون.
لكن المشكلة أن عدد الفرسان الباقين لم يعد يكفي حتى لمرافقة شين في طريق عودته إلى أسرة أوريلنو ليتولى منصب سيد العائلة، فلم يتبقَّ سوى جماعةٍ مشتتة لا يُعتمد عليها.
وفي تلك الأثناء، كانت حرب استنزافٍ قائمة، تتخللها هجماتٌ مباغتة على المناطق الحدودية للاستيلاء على أي غنيمةٍ ممكنة.
وأثناء إحدى تلك الهجمات وقعوا في كمين، فأُبيد جميع الفرسان الذين كانوا مع شين، ولم ينجُ سواه.
ولولا أن مجموعةً من المرتزقة ظهرت فجأةً وساعدته، لما نجا شين نفسه.
وكانت قائدة أولئك المرتزقة الغامضين هي موريا، التي أصبحت لاحقًا النموذج الذي استُلهمت منه بطلة رواية 〈كيتلين〉، كيتلين بينيديك.
بعد أن بقي وحيدًا، طلب منهم شين أن يرافقوه حتى يصل إلى المدينة الكبرى في المنطقة الوسطى.
لكن موريا حدقت فيه بحدة،
“وبأي شيءٍ يفترض بنا أن نثق في رجلٍ يبدو معدمًا بهذا المظهر البائس حتى نرافقه؟”
تردد شين. هل يكشف لهؤلاء الغرباء أنه الوريث القادم لمنصب سيد ماركيزية؟ ماذا لو احتجزوه رهينة؟
“لكنني في النهاية كشفتُ لهم هويتي.”
“لماذا؟”
“لأن هدفي الوحيد في الحياة، وهو قتل كيرون بيدي والانتقام منه، كان قد تبخر، ولم تعد لديّ أي رغبةٍ في الاستمرار بالحياة.”
في ذلك الوقت، كان شين غارقًا في اليأس حتى أنه لم يعد يبالي حتى بأخته الوحيدة، فكشف لهم هويته الحقيقية.
ووعدهم بأنه سيرسل لهم المكافأة المتفق عليها بعد أن يصبح سيد العائلة، لكن موريا ورفاقها ضجوا بالدهشة.
و عندما لاحظ شين أن حماسهم بدا غريبًا، عرضت عليه موريا اقتراحًا لم يتوقعه.
قالت أنهم خونةٌ فارون من ديهاتي، ومتجهون إلى مدينةٍ في المنطقة الوسطى للقاء وسيطٍ يساعدهم على الهرب إلى دولةٍ أخرى.
وإذا تكفل شين، بهويته الموثوقة، بإخفاء حقيقتهم حتى النهاية، فلن يطلبوا منه أي مقابلٍ مالي.
كان عرضًا مناسبًا للطرفين.
وهكذا بدأت رحلةٌ غريبة استمرت نحو أسبوعين.
وخلال الطريق، وبينما كانوا يحتسون الشراب ويتبادلون شكاوى الحياة، سمع شين قصة موريا وألبريخت.
وكان كل شيءٍ قد بدأ حين سألها عن سبب تنكرها في هيئة رجلٍ وعملها كمرتزقة.
“كانت موريا، مثل كيتلين بينيديك، نبيلة من مملكة آيزار فعلًا، لكنها تنتمي إلى أسرة فرسانٍ نبيلة سقطت وانهارت. وبعد أن هربت ليلًا إلى ديهاتي لتعيش هناك، وجدت أن العمل كمرتزقةٍ هو أكثر وسيلةٍ تدرّ المال.”
….أنا الآن أستمع إلى الكاتبة إيفير وهي تروي بنفسها القصة الحقيقية التي ألهمت روايتها. هذا لا يُصدق.
واستمر شين في حديثه.
قال أن أفراد مجموعة موريا، هو وموريا ورفاقها، أدركوا منذ اللحظة الأولى أنهم جميعًا أناسٌ مرهقون، لا يملكون شيئًا يُذكر.
وبعد أن تحدث شين أولًا عن ظروف عائلته، كشفت موريا أنها كانت على علاقةٍ عاطفية بالقائد العام لجيش ديهاتي.
وقد أثارت قصتها اهتمام شين بشدة، فاستأذنها في أن يعيد صياغة تلك الأحداث ويحولها إلى رواية، إذ كان يرغب يومًا ما في أن يحكيها لفيرونا.
لكن موريا اشترطت شرطًا واحدًا فقط. أن يجعل نهاية القصة سعيدة، وأن يبقي ألبريخت على قيد الحياة في خاتمتها.
“إذًا….في الحقيقة، كان من المفترض أن ألبريخت….قد مات؟”
سمعتُ خبر وفاة شخصٍ لم أرَ وجهه قط، لكن قلبي هوى بقوةٍ وكأنه تلقى الصدمة بنفسه.
“قالت لي: بما أن الواقع مستنقعٌ بائس، فعلى الأقل اجعل تلك الرواية السخيفة عن الحب تنتهي نهايةً سعيدة.”
من شدة الصدمة، لم أجد حتى الوقت لطرح المزيد من الأسئلة نيابةً عن إيلين.
كان الهواء البارد داخل البرج يصفع وجهي برفق، وكأنه يهمس لي: استفيقي….فالواقع هو الواقع.
“إذًا….ذلك المكان الذي وعدوا باللقاء فيه.…”
تل كابافيه في شرق آيزار. في نهاية رواية 〈كيتلين〉، تنتظر كيتلين أركوس على ذلك التل ثلاثة أعوامٍ كاملة، دون أن تفقد الأمل.
وفي النهاية، يعود إليها أركوس، وقد نجا بأعجوبةٍ بعد أن تعرض لأقسى صنوف التعذيب.
ثم يتقدم لخطبتها، لا بخاتم الزهور الذي وضعه مؤقتًا في إصبعها عند الوداع، بل بخاتمٍ ذهبيٍ حقيقي. فتقبل طلبه.
….لا يمكن وصف شعور القارئ حين يكتشف أن هذه النهاية السعيدة كانت، في الحقيقة، النقيض التام لما حدث في الواقع.
“ذلك المكان لم يكن سوى نقطة لقاءٍ مع بقية الرفاق الذين تفرقوا.”
“وهـ….وهل تعرف ما الذي حدث لهم بعد ذلك؟”
“للأسف، لم يكن بوسعهم انتظار بقية المجموعة على ذلك التل. فقد كانت فرقة المطاردة تلاحقهم، كما أنهم بالكاد تمكنوا من العثور على الوسيط.”
ثم تابع شين حديثه، قائلًا أنه افترق عنهم في مدينة مونت الكبرى، الواقعة في وسط آيزار، ومنذ ذلك اليوم لم يسمع عنهم أي خبر.
كيف سأشرح هذا لإيلين؟
وبينما كنتُ أبتلع تنهيدتي بصعوبة، بدا أن شين قد قال كل ما لديه، فأطبق شفتيه.
وفي ذلك الصمت المظلم، لم يبقَ سوى همسات الزمن والطبيعة المتسللة إلى داخل البرج.
وانجذب بصري تلقائيًا إلى الموضع الوحيد الذي كان يتسلل منه الضوء.
كان الليل قد اكتسى بزرقةٍ داكنة عميقة، حتى بدت النافذة الصغيرة في البرج كأنها لوحةٌ مرسومة.
وبينما كنتُ أحدق شاردةً في تجمع النجوم الصافية، تحرك شين فجأة، فانتفضتُ من مكاني.
يبدو أن عينيه اعتادتا الظلام، إذ عثر بسهولةٍ على علبة الثقاب وأشعل عودًا.
تششش—
أضاء وهجٌ برتقالي دافئ ملامحه النبيلة، التي لم تستطع حتى سنوات المعاناة الطويلة أن تنتقص من وسامتها.
‘….كما توقعت.’
كنتُ محقةً حين فضّلت أن نتحدث في الظلام. فما إن رأيتُ وجهه بوضوحٍ تحت الضوء، حتى بدأ قلبي، الذي كان قد هدأ بصعوبة، يهوي مجددًا، وكأنه أُلقي من حافة جرفٍ سحيق.
شعرتُ بأنني على وشك البكاء، فأطرقتُ ببصري نحو الأرض المغبرة وهمستُ،
“……الآن فهمت. لهذا السبب كنتَ تحاول أن تبعد اهتمامي عن الكاتبة إيفير.”
لكن….الخطأ يبقى خطأ.
“أظن أنني سأحتاج إلى بعض الوقت حتى أستطيع أن أسامحكَ يا شين.”
حتى النجوم التي كانت تزين السماء قبيل الفجر، وحتى صرير الحشرات، وحتى الأشباح التي لا أدري إن كانت موجودةً أصلًا أم لا….كلها خيم عليها الصمت.
ورغم أننا في الصيف، شعرتُ وكأن الهواء المحيط بشين قد تجمد من هول الصدمة.
ومع ذلك، قلتُ له بصراحةٍ ما أشعر به.
“أنتَ ما زلتَ لا تعرفني حقًا.”
لقد أدركتُ ذلك طوال حديثنا عن موريا.
فالصراع القائم بيني وبين شين لم يكن من النوع الذي يمكن حله في لحظة.
حتى عندما حاولتُ تغيير الأجواء بفتح موضوعٍ آخر لألتقط أنفاسي، بقي صدري مثقلًا، وكأن شيئًا يسده.
وإن كان لا يمكن حل الأمر الآن….فلنمنح أنفسنا وقتًا للتفكير.
“أن تتوقع مني أن أسامحكَ على كل شيءٍ لأنني أحببتكَ حد الجنون….يا لكَ من واسع الأحلام.”
عدّلت ياقة ردائي، ثم نهضتُ من مكاني.
“لقد بدأنا رهاننا ونحن نفتقد أهم شيءٍ بين أي شخصين….الثقة.”
“يمكننا تجاوز كل شيءٍ. ريتا، سأبذل قصارى جهدي.”
أن يتفوه هذا الرجل بكلماتٍ عاطفية وساذجة كهذه….لو أخبر أحدٌ نفسي في الماضي بذلك، لما صدقته أبدًا.
“شين.”
حدقتُ فيه مباشرةً وسألته،
“هل سبق لكَ أن أحببتَ أحدًا قبل أن تلتقيني؟”
حقًا….الحياة لا تكفّ عن مفاجأتنا.
ذلك السؤال الذي طرحته أنا عليه في الماضي….عاد اليوم كأنه بوميرانغ*، ليُلقى في وجهه هو هذه المرة.
*(البوميرانغ ذيك العصا الي كأنها زاوية نرميها وتدور لين ترجع)
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
______________________
وجا الي توقعته ريتا بتخليه فترة☹️
عادي بس ابيهم يرجعون لبعض ابدر تكفون
المهم شين احسن يخليها حالياً بعدين يرجع لها قبل ترجع الدوقية ويستعمل السلاح السري ✨الدموع✨
و ريتا ضحكتني وهي تسمعه حتى وهي معصبه تقول انها تسمع شيل ايفير يقص قصته😭😭😭😭
اما قصة موريا و البريخت توجع 😔
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.