الفصل 83
كان شين يرتجف متكورًا تحت بطانيةٍ قذرة، حين نهض فجأةً على وقع همسة هيوغو المستعجلة.
وكما توقع، ظهرت في اللحظة التالية فيرونا خلف القضبان، بعدما صعدت الدرج الحجري حافية القدمين كي لا تُسمع خطواتها.
كانت فيرونا، شقيقته الكبرى، الفرد الوحيد من عائلته الذي استطاع رؤية وجهه خلال تلك الفترة.
وكانت تتسلل إليه سرًا بعيدًا عن أعين كيرون والحراس، وتجلب له الكتب والألعاب عبر القضبان، وتكرر له الوعد نفسه دائمًا،
“اصمد قليلًا فقط. سيعود والدنا قريبًا.”
وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد غيابٍ طويل، كانت ترتجف من البرد حتى كادت تتجمد، لكنها تحدّثت بحزم،
“بسبب ذلك اللعين….لم أستطع المجيء لرؤيتكَ. قلتُ كلمةً واحدة في غير محلها، فحبسوني في زنزانةٍ انفرادية، ولم أخرج إلا الآن.”
“هل أنتِ بخير؟”
“لا. لستُ بخير. لكنكَ أنتَ أيضًا لستَ بخير. وأمي كذلك….إنها لا تفعل سوى البكاء.”
وما إن ذُكرت والدته حتى امتلأت عينا شين الجافتان بالدموع التي كان قد نسيها للحظات.
وحين رأت فيرونا ذلك، مدت يدها عبر القضبان الباردة التي كادت تلتصق بالجلد من شدة الصقيع، ومسحت دموعه بصعوبة.
“شين، لا تبكِ! أنتَ الوريث لعائلة أوريلنو.”
“أنا أكره ذلك!”
وعندما أدرك شين مدى برودة يدها، لم يعد قادرًا على إيقاف دموعه.
“لماذا….هيك….لماذا يجب أن تتعبي نفسكِ هكذا لتأتي لرؤيتي؟”
تنهدت فيرونا بعمق، فتبدد زفيرها الأبيض في الهواء البارد.
“كيف سيشعر أبي لو علم أنكَ تبكي هكذا؟ علينا أن نصمد. حينها فقط سيتمكن أبي وأمي من الصمود أيضًا.”
“أريد أن أرى أبي.”
“وأنا أيضًا. اكتب هذه المشاعر على الورق.”
ومدت إليه شيئًا بيديها المتجمدتين.
كان دفترًا صغيرًا بحجم كف رجلٍ بالغ، مع حبرٍ وقلم.
فاقترب هيوغو، الذي كان يقف بالقرب منهما، وأخذ يتفحص ما أحضرته.
“اكتب هنا كل ما عانيته. وعندما يعود أبي، سنخبره معًا بكل ما فعله كيرون، دون أن نخفي شيئًا.”
“هيك….هل تطلبين مني أن أكتب يوميات؟”
“حسنًا….نعم! أنا أيضًا أكتب، لذا اكتب بجد. وبعدها سنتبادل ما كتبناه.”
“لا يجوز أن يقرأ الآخرون اليوميات.”
“إذًا ليست يوميات، بل رسائل. اتفقنا؟”
“نعم.”
ربتت فيرونا على شعر شين اللامع حتى في الظلام بيدٍ فقدت الإحساس من شدة البرد.
كانت تحبه منذ قبل أن يولد إلى هذا العالم بخمس سنواتٍ كاملة. وكان شين يعرف ذلك جيدًا، ولهذا لم يستطع أن ينسى لمسة ذلك اليوم أبدًا.
لقد كان ذلك حبًا حقيقيًا.
كيف كانت تدخل إلى هذا البرج الخطر وتخرج منه وحدها، دون أي مصدرٍ للضوء؟
وكيف شقت طريقها عائدةً إلى القصر وسط عاصفةٍ ثلجية في قلب الشتاء، بينما تراكم الثلج حتى بلغ ركبتي رجلٍ بالغ؟
وهل عوقبت بعد عودتها إذا اكتشفوا أنها زارته؟
لم يعرف الإجابات أبدًا، حتى بعدما كبر، ولم يجد ردًا على أول رسالةٍ كتبها في ذلك الدفتر.
***
أما شين، فقد واصل كتابة تلك الأشياء التي لم يعرف إن كانت رسائل أم يوميات. ففي النهاية، لم يكن لديه ما يفعله داخل سجنه.
في ذلك الوقت، كان عاجزًا حتى عن التواصل الطبيعي مع البشر، فلم يكن يختلف كثيرًا عن حيوانٍ يُربى في قفص.
كان يدوّن الأحاديث التي يجريها مع هيوغو. وأحاديث فرسان كيرون وضحكاتهم التي يسمعها من الخارج. ووجباته اليومية. والأسئلة التي لم يجد لها إجابة.
كان يسجل عالمه المظلم والمرعب كله مستعينًا بخيط الضوء الوحيد الذي كان يتسلل من النافذة الصغيرة بحجم الكف.
وأحيانًا، عندما يدخل أحد رجال كيرون ليتحقق مما إذا كان قد مرض، كان يخفي أدوات الكتابة بين شقوق الحجارة الجافة ويغطيها بقطعةٍ من الطوب المكسور خوفًا من أن تُصادر.
ولحسن الحظ….أو ربما لسوء الحظ. لم يكن الفرسان يهتمون بشين أصلًا. فبالنسبة لهم، لم يكن سوى طفل.
كانوا يلقون نظرةً سريعة ليتأكدوا أنه ما زال حيًا، ثم يتثاءبون أو يتنهدون ويغادرون.
لكن المؤسف أن الدفتر الذي كتب فيه أول قصةٍ في حياته لم يُتح له يومًا أن يريه لفيرونا.
فبعد عامين، اقتيد شين فجأةً خارج البرج.
ومنذ ذلك اليوم، اندفعت المصائب اللاحقة كخيولٍ مشتعلة تركض لإحراق العالم كله، ولم تترك في حياته سوى آثار الاحتراق.
فكيرون، الذي واصل تعزيز قوته العسكرية رغم تحذيرات العائلة المالكة، نجح أخيرًا في فصل رأس أخيه عن جسده، ثم علّقه عند مدخل إحدى القرى المجاورة.
أما الماركيزة أوريلنو، فما إن رأت الرأس حتى أغمي عليها، وحُملت بعيدًا كأنها متاع.
وأُجبر شين، مع فيرونا، على مشاهدة لحظة إعدام اللوردات وأتباع العائلات التابعة الذين وقفوا إلى جانب والده، وهم يُقادون إلى منصة قطع الرؤوس.
انتهى أخيرًا دوره كرهينة، ذلك الدور الذي طال أمده حتى بدا بلا نهاية. وبدأ شين يعيش داخل القصر.
بكى الخدم الأوفياء لأدريان دي أوريلنو وهم يغسلون جسد شين المتسخ، الابن الوحيد لسيدهم الراحل، ثم قصّوا شعره الذي طال بإهمال، وألبسوه ثيابًا نظيفة حتى عاد يبدو كإنسانٍ من جديد.
لكن خروجه من البرج لم يضع حدًا للمآسي. ففي النهاية، لم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا عن الانتقال من سجنٍ إلى آخر.
أما والدته، التي أُجبرت على زواجٍ جديد لأسبابٍ عائلية، فقد فقدت صوابها مرارًا تحت وطأة الصدمة.
ولم يلمها شين على ذلك. فقد أدرك أن والدته الحنونة والدافئة التي عرفها في الماضي لم تعد قادرةً على الصمود وسط كل ذلك الشقاء.
بل إنه فكر يومًا، لعلها، على عكسه، لم تكن تملك صديقًا شبحًا يواسيها.
وفي خضم ذلك كله، اختفت الأشباح من عالمه في لحظةٍ ما. ولم يعد يرى هيوغو بعد ذلك.
فهل كان البرج المظلم حقًا مكانًا خارج حدود الواقع؟ فالمصائب التي واجهها في العالم المضيء خارج البرج كانت مختلفةً تمامًا.
ولهذا….إذا سُئل أيهما كان أهون احتمالًا….
***
“يكفي.”
استمرت حكايات شين القاسية عن ماضيه تتدفق بلا توقف.
وحين وصلت القصة إلى الجزء الذي أعاد إلى ذهني ما سمعته يوم اقتحمتُ سجن عائلة أوريلنو تحت الأرض، ذلك اليوم الذي منحني فيه شين ركبتيه طوعًا….لم أعد أحتمل وقاطعته.
لقد كان هناك فردٌ من عائلة شيل إيفير قيل أنها سُجنت في الأقبية….إنها فيرونا، شقيقة شين.
أغمضتُ عينيّ بقوةٍ حتى وسط الظلام، عاجزةً عن تحمل قسوة الصور التي رسمها خيالي. وامتلأ فكي بالغضب حتى كاد يؤلمني.
كان كيرون دي أوريلنو من أولئك الذين لا يستحقون موتًا هادئًا حتى بعد وفاتهم.
إلى درجةٍ يصعب معها تصديق أنه مات ببساطةٍ في حادث عربةٍ سخيف.
‘طفل صغير تعرّض للجلد الوحشي فقط لأنه رفض أن ينادي عمه بـ’أبي’؟’
كانت الشتائم تعصف بداخلي بلا توقف.
إذًا فالندبة الكبيرة التي رأيتها على كتف شين كانت من آثار ضربات كيرون.
كم من الألم اضطررتَ لتحمّله حتى أصبحتَ قادرًا على رواية ذلك كله بهذه البرودة؟
وكم تبدو الشائعات التي تتناقلها الألسن خفيفةً وغير مسؤولةٍ أمام الحقيقة؟
تذكرتُ نفسي في الماضي، حين كنتُ أعتبر الشائعات المتعلقة بشين مبالغاتٍ سخيفة، لكنني في الوقت نفسه كنتُ أشعر بفضولٍ خفيٍ تجاهها.
ورغبةً مني في الهروب من الشعور بالذنب، قاطعته ببرود،
“اختصر الحديث.”
حافظ شين على نبرةٍ هادئة طوال روايته.
“….حتى بعد خروجي من البرج، لم أتمكن من لقاء عائلتي كما ينبغي.”
كان يريد أن يتبادل الرسائل التي كتبها مع فيرونا ويقرأ ما كتبته هي.
أراد أن يتشاركا آلامهما. لكن مراقبة كيرون كانت صارمةً إلى درجة أنه لم يستطع حتى العودة إلى البرج لاستعادة الرسائل التي كتبها هناك.
لقد تعمد كيرون تفريق أفراد عائلة أخيه. وكان يحتجزهم عمليًا كلًّا على حدة حتى يمنعهم من الحديث مع بعضهم البعض.
وكان يكره شين على وجه الخصوص. ربما لأن ملامحه كانت تشبه أخاه الراحل بصورةٍ مزعجة.
فلم يكتفِ بتعذيبه بلا رحمة، بل أرسله في النهاية إلى مدرسةٍ داخلية لأنه لم يعد يحتمل مجرد رؤيته.
“ربما ينبغي أن أشكره لأنه لم يدسّ لي السم.”
تسللت إلى شفتيه ابتسامةٌ يستحيل تفسيرها.
بعد طرده إلى المدرسة الداخلية، لم يتمكن شين من زيارة القصر لسنواتٍ طويلة.
وعندما بلغ الرابعة عشرة، تلقى رسالةً من كيرون يخبره فيها أن والدته ألقت بنفسها من النافذة وماتت.
ولم يُسمح له حتى بحضور جنازتها.
وهل كانت قد انتحرت حقًا؟ حتى الآن لم يعد بإمكانه التأكد من ذلك.
وفي الخامسة عشرة من عمره، علم برسالةٍ أخرى أن فيرونا تزوجت أحد اللوردات من عائلةٍ أجنبية فور بلوغها سن الرشد.
ومع ذلك، وبطريقةٍ ما، نجحت فيرونا في اختراق رقابة كيرون. وأرسلت إليه رسالةً سرًا بعيدًا عن أعين الجميع.
“كتبت أنها تتساءل عن العالم الذي أراه وأعيشه وأسمعه. وقالت أن أمنيتها هي أن نجلس يومًا ونتحدث بصراحةٍ عن كل القصص التي تراكمت بيننا.”
من المفترض أن فيرونا تعيش في الخارج. ألن يكون لقاؤها أسهل الآن؟
لكن فكرةٌ ساخرة انبثقت في ذهني فورًا.
مستحيل….هل تقصد أن الزوج المهووس بالشك والخيانة….هو زوج فيرونا؟!
_____________________
واو شكل تقبلها للقصة زين يعني مافيه انفصال؟ اتمنى
المهم ذا العم الي فطس يارب شين هو الي مخلي عربته تزلق او فيرونا او اي احد مابيه حادث مب على كيفه
امت فيرونا ابيها تجي قريب وتحضر زواج اخوها النمنم وتشوفه يبتسم😔
كل ماترجمت رواية وفيها صراع مكانة كرهت المجتمع يعني وش فيها لو الكبير هو الي يمسك العايلة والورث يقسم بينهم واحد يديره والثاني ياخذ له لقب جديد ويكمل حياته! يع يعععععععع
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.