الفصل 82
حدقتُ في شين بصمت. حتى وجهه الوسيم لم يعد يثير فيّ أي شعورٍ في هذا الموقف.
أم أن الأمر على العكس؟ ربما لأن وجهه وسيمٌ إلى هذا الحد، لم أصل بعد إلى ما هو أسوأ من ذلك.
كلما طال صمتي، ازداد وجه شين شحوبًا، حتى أنني استطعتُ أن أشعر بأصابعه المرتجفة وهي تمسك يدي.
“ريتا….لا تتركيني.”
لقد تخلى شين عن كل شيءٍ وبدأ يتوسلني بصدق.
“لم أعد قادرًا على الاكتفاء ببضعة ذكرياتٍ مرتبطةٍ بكِ. لا….في الحقيقة لم أكتفِ بذلك يومًا. لم أشعر بالرضا ولو لمرةٍ واحدة. كنتُ فقط أتحمل. أرجوكِ، لا أستطيع أن أعيش وأنا أحمل مستقبلًا تغادرين فيه حياتي. لا ترحلي….أرجوكِ سامحيني.”
وتسربت الشكوك المتلاطمة في داخلي إلى كلماتي.
“ومن يدري إن كنتَ تخفي عني أمورًا أخرى أيضًا.”
“أقسم لكِ، بشرف عائلتي و روحي، أنني لم أخدعكِ في شيءٍ سوى مسألة شيل إيفير. سأشرح لكِ كل شيء. لماذا أخفيتُ هويتي وكتبتُ الرواية، ولماذا اقتربتُ منكِ، سأشرح لكِ كل شيء….”
حتى أنني لم أعد قادرة على إطلاق ضحكةٍ ساخرة من شدة الاستياء الذي شعرت به.
أبعدتُ يده الكبيرة عني بعنف، ثم نهضت واقفةً دفعةً واحدة.
اصطدام-!
و دوّى صوت سقوط المقعد الثلاثي على الأرض.
هل أغادر الآن فحسب؟
لكن….لو غادرتُ هكذا، شعرتُ وكأن كل الجهود التي بذلتها خلال الفترة الماضية ستتحول إلى لا شيء، فتوقفتُ مكاني.
“هاها.…”
رفعتُ ذقني وأطلقتُ ضحكةً فارغة، بينما همستُ لنفسي في داخلي،
‘فلنسمع إذًا.’
دعني أسمع مدى تفاهة السبب الذي جعلكَ تخدعني.
“ما الذي اضطرّكَ أصلًا إلى إخفاء هويتكَ بكل تلك الطريقة؟”
حدقتُ بحدةٍ في الدليل الذي يثبت أن هذا الرجل هو شيل إيفير، والذي كان مجعدًا بين يدي.
على أي حال، لقد وقع ما وقع.
“حسنًا. هيا إذًا، أخبرني بكل الحقيقة.”
تقدمتُ مباشرةً نحو المكتب وأطفأتُ جميع الشموع بنفخةٍ واحدة. وفي لحظة، ابتلع الظلام أرجاء البرج.
“ريتا.”
“لا أستطيع التحدث وأنا أنظر إلى وجهكَ. أشعر أنني سأجن.”
قذفتُ نحوه كلماتي دون أن أخفي اضطرابي الحاد.
ولو كنتُ من أولئك المعجبين المهووسين أصحاب التعلق المشوه، لربما كان الإمساك بتلابيبه أقل ما يمكن أن أفعله للتعبير عن الكراهية التي سأشعر بها نحوه.
وعندما أصبح الظلام يحجب وجهينا عن بعضهما، هدّأتُ نفسي قليلًا، فانفجرت الأسئلة الغاضبة التي كانت تتخبط داخلي.
“ما الذي يجري أصلًا؟! ماذا كنتَ تفعله بي طوال هذه الفترة؟! لا يمكن لشخصٍ عاقل أن يفعل هذا!”
وقبل أن أجلس حتى على المقعد الثلاثي الذي أعدتُ نصبه متلمسةً طريقي، أفرغتُ كل ما يختنق به صدري.
“إذا كنتَ ستخفي هويتكَ، فكان عليكَ أن تستمر في إخفائها وتعترف بحبكَ فحسب! ما معنى أن تتردد بين هذا وذاك وتوصل الأمور إلى هذه الفوضى؟! أنا….أنا مشوشةٌ جدًا، ومهانة، وغاضبة، ومتألمة! أشعر أنني سأموت من شدة الألم! أريد أن أضربكَ بهذا الكرسي!”
أما شين فظل يتلقى صراخي بصمت.
وبينما كنتُ ألتقط أنفاسي وأبتلع دموعي، امتد من بعيدٍ صوت صراصير الليل وهي تملأ السكون.
ربما لأنه حسم أمره أخيرًا. فقد بدا صوت شين أكثر هدوءًا مقارنةً بلحظاتٍ قليلة مضت، حين كان متعلقًا بي ويتوسلني بيأس.
“….هذه أول مرةٍ أتحدث فيها مباشرةً مع إحدى قارئاتي. من أين يجب أن أبدأ؟”
“من البداية. كل شيء.”
“في هذه الحالة، يجب أن أبدأ بأعمالي السوداء القديمة.”
شددتُ بيدي اليمنى على مقدمة الرداء بقوةٍ إثر تمتمته الغامضة.
وبالكاد تمكنتُ من تهدئة معدتي التي شعرت وكأنها ستقذف كل المشاعر المختلطة المتراكمة فيها.
“ريتا. هل أنتِ متأكدةٌ أن إبقاء الأضواء مطفأةً هكذا فكرةٌ جيدة؟”
“لا تقل كلامًا سخيفًا.”
لكن رد شين على إجابتي الفورية كان من النوع غير المتوقع إطلاقًا.
“هناك شبحٌ يعيش في هذا البرج.”
حينها فقط خطرت لي فكرةٌ متأخرة.
الكتاب الذي أحرقه شين، “الطفل في البرج”. ذلك الكتاب كان يحتوي على شبح.
وبما أنه هو من كتبه، فمن المنطقي جدًا أن يكون البرج الوارد في القصة هو هذا البرج نفسه.
“….شين، هل رأيتَ شبحًا هنا فعلًا؟”
منذ متى توقفت أصوات الحشرات الليلية جميعها دفعةً واحدة؟ لابد أن الأمر مجرد وهم.
حافظ الرجل الجالس أمامي على صمتٍ قصير، ثم تحدّث بثقةٍ مقتضبة،
“ولهذا كتبته في رواية.”
كان مخططي لتهدئة نفسي يتلاشى ببرودة، وكأن دلوًا من الماء المثلج قد أُفرغ فوقه.
“القصص التي أكتبها قد تعتمد أساسًا على تجارب الآخرين، لكن لا بد أن تتضمن دائمًا شيئًا من تجاربي الشخصية.”
ولم أستطع إيقاف سلسلة التخيلات التي أثارتها إجابته.
“الطفل في البرج”. بحسب ما قرأته منه، كان الطفل في القصة محبوسًا داخل برج ويتحدث مع شبح.
وكان ذلك الطفل يعتقد أن والديه قد أصبحا فجأةً شخصين مخيفين يكرهانه.
ولم يكن من الصعب تخمين مصدر الإلهام لهذين الوالدين المرعبين.
حبس طفلًا صغيرًا في مكانٍ كهذا؟
بينما كنتُ أطلق الشتائم في داخلي، تمتم شين بكلماتٍ بدت وكأنها حديثٌ مع نفسه.
“….لم أرغب يومًا في تقديم هذا المكان لأحد.…”
وشعرتُ بحركةٍ تدل على أن شين جلس متكئًا على المكتب المجاور لي.
“مرحبًا بكِ في مسرح إحدى أكثر صفحات حياتي إحراجًا.”
وهكذا بدأت رواية شيل إيفير لظروف ولادة عمله الأول، “الطفل في البرج”، المرتبط ببداية مسيرته ككاتب.
***
لم تكن خلفية ولادة شيل إيفير مشرقةً على الإطلاق.
ففي خضم صراع الإخوة داخل أسرة الماركيز أوريلنو، انقسمت العائلات التابعة لهم إلى معسكراتٍ متنافسة، و وجهت السيوف إلى بعضها بعضًا.
وكان ذلك مصدر قلقٍ بالغ للعائلة المالكة أيضًا.
فالجميع كان يعيش على أعصابه مترقبًا احتمال اندلاع حربٍ مع ديهاتي في أي لحظة، فكيف يمكن تحمّل صراع نفوذٍ داخل أسرة فرسان حرس الحدود في مثل هذا الوقت؟
بل إن الأمر لم يتوقف عند ذلك. ففي الغرب، بدأت إحدى الدول القبلية تطرح مزاعم عبثية عن إعادة إحياء الأسرة الإمبراطورية القديمة لكارتشا، واتخذت من ذلك ذريعةً لمحاولة اختراق الحدود.
وكانت العائلة المالكة في مأزق. فلو أرسلت قواتٍ للتوسط، فقد تستغل ديهاتي الفرصة وتشن غزوًا مفاجئًا.
ولو طلبت من العائلات النبيلة الأخرى المساعدة في الوساطة، لتراجع الجميع خوفًا.
فطبع كيرون دي أوريلنو كان مشهورًا بوحشيته. وكان ذلك المعتوه يدرك هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك تعمد إطالة أمد النزاع.
واتخذ كيرون من شين، الابن الوحيد لأدريان، رهينة، وسجنه في البرج القريب من القصر.
لم يكن شين الصغير قادرًا على فهم العداء الذي كان عمه يرمقه به.
لماذا يفعل هذا؟
“قيل أنه باركني عندما وُلدتُ.…”
كان يعتقد أن عمه سيتصالح مع والده قريبًا، لذا لم يكن عليه سوى الانتظار قليلًا.
وهكذا تحمل الخوف والدموع في ذلك المكان المظلم والبارد. دون أن يعلم أن حياة الرهينة تلك ستستمر أكثر من عامين كاملين.
كان ذلك السجن المظلم المتهالك بيئةً قاسية على طفلٍ في العاشرة من عمره. فالبرودة كانت تملأ المكان طوال العام، بغض النظر عن الفصل.
ورغم أنه الابن الوحيد لأسرة ماركيز، فإن الطعام الذي كان يُقدم له لم يكن يليق بمكانته.
أما النافذة الوحيدة، فكانت مرتفعةً إلى درجةٍ لا يستطيع الوصول إليها.
كانت صغيرةً للغاية، بالكاد بحجم كتابين موضوعين جنبًا إلى جنب. ومن خلفها كانت تتردد يوميًا صرخاتٌ مرعبة.
إذ لم تعد أقبية القصر تتسع للأسرى الذين أسرهم كيرون من أتباع أدريان، فكان يتم تعذيب البقية في معسكراتٍ خارجية، وكانت أصواتهم تصل إلى البرج بوضوح.
والشخص الذي واسى شين المرتجف أمام تلك الوحشية العارية لم يكن سوى….شبح.
“ألم تكن الأشباح مخيفة؟”
“لم يكن لدي وقتٌ لأخاف منها. فالواقع نفسه كان أكثر رعبًا.”
كان هيوغو، الشبح الذي كان أسيرًا في هذا البرج قديمًا، يواسي شين.
كان يقول له،
[تظاهر بأنكَ لم تر شيئًا. وانسَ الأمر.]
والغريب أن الفرسان الذين كانوا يأتون لمراقبة شين لم يلاحظوا وجود هيوغو أبدًا.
فهل كان ما رآه آنذاك كائنًا خارقًا للطبيعة حقًا؟ لم يستطع شين البالغ أن يجزم بذلك.
فربما كان الطفل الذي كانه آنذاك يعاني هلوساتٍ سمعية وبصرية بسبب الظروف القاسية التي عاشها.
لكن أمرًا واحدًا بقي واضحًا حتى اليوم. لو لم يكن هيوغو موجودًا، لكان شين الصغير قد غرق في الوحدة والخوف، ولتحطمت نفسيته إلى درجةٍ لا يمكن إصلاحها.
وخلال عامين كاملين من حياة الرهينة، كان هيوغو رفيق حديثه في معظم الأوقات.
و ذات مرة سأله شين،
“هل أنا محبوسٌ لأنني طفلٌ سيئ؟”
فقفز هيوغو مذعورًا وهو ينفي ذلك بشدة.
كان هو نفسه قد نسي عمره من طول المدة التي قضاها مقيدًا بالبرج.
وكان يصرخ،
[بالطبع لا!]
وأحيانًا كانت تظهر أشباحٌ غريبة وتحاول إيذاء شين. وعندها كان هيوغو يندفع فورًا لقتالها.
وبفضله لم يشعر شين بالوحدة تمامًا.
مر الصيف. ثم جاء الشتاء. وفي الوقت الذي تراخى فيه حراس شين بسبب العواصف الثلجية العاتية….
[شين! أختكَ قادمة!]
______________________
اوتش يالماضي الي قاعد يقصه كأنه روايه
كل النبلاء رخوم وهم سافهين وش يصير له وعمه اكبر رخمه اجل هاد حيله على ورع؟؟؟!
ريتا كيوت معه للحين دامها تبي تسمه ويوم طفت الشموع ضحكتتت طلعتنا من جو الكآبه ذاه حتى شين اظن استانس😭
المهم يله لاسمعت قصته يمكن ترجمه بس ماتسامحه عادي عندي بس اهم شي لاتطول زعلانه منه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.