الفصل 80
“وما حدود نطاق البحث؟”
“أي مكان، و مهما كان بعيدًا، يمكن رؤية القصر منه.”
رفعت تاشا يدها قليلًا وسألت،
“هل يكره الماركيز التصرفات التي تحطّ من هيبته؟”
“لا. إنه يتجول أحيانًا في الأحياء التجارية مرتديًا ملابس عامة الناس.”
“….هل الماركيز أوريلنو يفعل ذلك حقًا؟”
بدت على إيلين علامات الشك، لكن عينيها خلف النظارة كانتا غارقتين في التفكير.
“إذا أخذنا في الحسبان الأماكن التي قد يعرفها الخدم ويتكتمون عليها… فربما يكون السكن؟ لا….سيكون ذلك محرجًا جدًا بالنسبة لنبيل.”
“لا يهم إن كان محرجًا. أريد مكانًا يستطيع منه رؤيتي، ليس بالضرورة كل تحركاتي، لكن حتى تجوالي وحدي في الحديقة بطريقةٍ مريبة.”
ساد صمتٌ ثقيلٌ للحظات.
“آنستي….إن كان الماركيز أوريلنو يفعل بك شيئًا يسيء إليكِ.…”
“لا.”
قاطعت كلمات تاشا المشحونة بالغضب بسرعة.
“بل ربما العكس.”
“واو.”
تجاهلتُ شهقة الدهشة التي أفلتت من إيلين دون أن تستطيع إخفاءها، واندفعت نحو النافذة.
التصقتُ بأقرب نافذةٍ وأخرجتُ رأسي قليلًا، ثم أخذت أمسح ما حولي بنظراتٍ حادة كعين الصقر….
“ما الذي قيل عن ذلك المكان؟”
“آه….قالوا أن الحراس يستخدمونه أحيانًا كمخزنٍ أو كبرج مراقبة. هذا ما أخبرني به أحد الحراس الذي وقع في شَرَك جمالي.”
أجابت إيلين باقتضابٍ وكأن الأمر لا يستحق الذكر، لكنني لسببٍ ما لم أستطع صرف نظري عن ذلك المكان، وظللتُ أحدق فيه طويلًا.
على أي حال، اليوم هو اليوم الأخير. يجب أن أجرب كل ما أستطيع.
“سأذهب إلى ذلك المكان الليلة.”
***
بعد ذلك جمعنا أفكارنا، وحددنا الأماكن التي قد يختبئ فيها شين، ثم داهمناها واحدةً تلو الأخرى، لكن كل ذلك كان بلا جدوى.
‘يمكنني اعتبار نفسي قد خسرتُ الآن.’
وفي النهاية، لم تعد العربة التي قيل إن شين غادر بها عند الفجر، حتى بعد حلول الليل. و تبقى على الموعد المحدد نحو ساعةٍ ونصف.
بعد أن أنهيتُ استعداداتي للنوم، بقيتُ وحدي في غرفة النوم، ثم اقتربتُ من النافذة وأنا أتنهد بتعب.
تذكرتُ فجأة ما قالته إيلين، بأنها راقبت المكان طويلًا، لكن رغم كلام الخدم لم ترَ أحدًا يدخل أو يخرج من ذلك المكان قط.
ومع ذلك….كان الضوء يشتعل فيه أحيانًا. مثل الآن تمامًا.
كان الضوء يتسرب من تلك النافذة الصغيرة في البرج.
وبينما كنتُ أحدق فيها بشرود، تذكرتُ أيضًا ما قالته لي تاشا بصوتٍ خافت.
لقد أخبرتني أنها حتى الأمس لم تلاحظ شيئًا، لكن طوال هذا اليوم شعرت أن خدم أوريلنو يخفون أمرًا ما.
من الغريب أن تاشا، التي كانت دائمًا توبخ إيلين كلما تحدثت عن الحدس أو الشعور، هي من قالت ذلك هذه المرة. ولو كانت إيلين بجوارها، لما تركت الأمر يمر بسهولة.
‘لكنني لم أفسر كلامها على هواي، بل حاولتُ استدراج كبير خدم شين، ومع ذلك لم أحصل على شيء.’
وحين تذكرتُ ابتسامته الهادئة التي لم تفارق وجهه، شعرتُ بالإرهاق لمجرد التفكير فيه.
وبينما كنتُ أحدق في البرج خلف النافذة، تذكرتُ أول روايةٍ نشرتها الكاتبة، تلك التي أحرقها شين.
لقد كان البرج هو مسرح أحداثها.
“….…”
وكأن شيئًا ما سلب إرادتي، ارتديتُ معطفي وانتعلتُ حذائي، ثم خرجتُ من الغرفة بساقين ما زالتا ترتجفان.
لم يكن لدي سوى حدسٍ قوي….لكن ذلك الحدس المزعج كان كافيًا ليدفعني إلى التحرك.
حتى لو لم يكن شين أو الكاتبة إيفير داخل ذلك البرج، فلن يهدأ قلبي حتى أتأكد بنفسي.
صعدتُ الدرج حتى الطابق الخامس، أعلى طابق في القصر، لأتمكن من مراقبة البرج عن قربٍ قدر الإمكان.
ثم سرتُ بحذر، ولكن بسرعة، نحو نهاية ممر الجناح الغربي الأقرب إلى البرج.
‘أظن أن هذا المكان مناسب.’
التقطت أنفاسي، ثم أخرجتُ من داخل ثيابي علبة منظار الأوبرا. كنتُ قد استعرته من فلورا بحجةٍ واهية تحسبًا لأي طارئ.
صحيحٌ أنه لا يضاهي المنظار عالي الجودة، لكنه سيكون كافيًا لرؤية داخل البرج من هنا.
رفعتُ مزلاج النافذة الذي ظل مغلقًا مدةً طويلة حتى أصبح فتحه صعبًا، ثم فتحتها قليلًا.
ومن خلال تلك الفتحة ظهر البرج، وإن كان جزءٌ منه محجوبًا بالمخزن.
لا بأس….فالطابق الذي تضيء أنواره يظهر بوضوح.
رفعتُ منظار الأوبرا إلى عيني، وحاولتُ بصعوبةٍ تثبيت رؤيتي على النافذة الصغيرة في الطابق الثالث، ثم….
ما إن وقعت عيناي على خصلات شعر الثعلب الذهبي حتى اجتاح جسدي قشعريرةٌ لا أعرف سببها.
ذلك الشعر….إنه لشين بلا شك.
كيف لي ألا أعرفه؟ إنه جزءٌ من الرجل الذي استحوذ على كل حواسي.
وانطلقتُ أركض، ناسيةً حتى أن عليّ إغلاق النافذة.
لماذا لم أدرك إلا الآن أن الطفل الصغير، الذي كان يخشى في تلك القصة الخيالية المحترقة أن ينساه والداه، كان يسكن في زاويةٍ من قلبي؟
ولماذا لم أنتبه إلى ذلك؟
طفلٌ يستطيع التحدث مع الأشباح. و قصرٌ تسكنه الأشباح.
طفولة شين التي كانت مليئةً بالكوابيس وسوء المعاملة.
تلك القريبة القادمة من بلدٍ آخر، التي كان لطيفًا معها، لكنه لم يعاملها يومًا بمودةٍ حقيقية.
قريبةٌ يجمعها به الدم، لكن لم يكن بينهما تفاهمٌ ولا علاقة.
والآثار التي كنتُ أظن أن الكاتبة تركتها في هذا القصر.
لماذا لم يخطر ببالي هذا الاحتمال ولو مرةً واحدة؟
‘هل لأن مجرد افتراض أن شين والكاتبة إيفير شخصٌ واحد يُعد تدنيسًا للمقدسات بالنسبة لمعجبةٍ مهووسة مثلي؟’
….ربما. فمجرد تخيل ذلك جعل معدتي تنقلب، وكأنني ابتلعتُ بالقوة خضارًا تفوح منها رائحة التراب النيئ.
أشعلتُ المصباح الزيتي الذي كنتُ قد أعددته مسبقًا، وحملته بيدٍ واحدة، ثم خرجتُ بهدوءٍ من الباب الجانبي، وانطلقتُ أركض فوق التل تحت سماء الليل.
كان الهواء البارد يلسع جسدي الذي لم يتعافَ تمامًا من المرض، وكانت الأرض الرطبة والموحلة تعيق خطواتي، لكنني لم أستطع التوقف.
وبينما كانت الدنيا تدور أمام عيني، وصلتُ ألهث أمام بابٍ خشبي قديم كان قفله مفتوحًا.
أطفأت المصباح ووضعته على الأرض، ثم خلعت حذائي، وسرتُ حافية القدمين فوق الأرض الحجرية التي نبت العشب بينها متناثرًا.
وتسللتُ بصمت، كالشبح، من بين فتحة الباب الذي ظل يئن وهو ينفتح وينغلق بفعل الريح.
كان المكان غارقًا في برودةٍ قاسية رغم أنه فصل الصيف.
قاومت القشعريرة التي تسللت من قدميّ الحافيتين، وكتمتُ أنفاسي وأنا أصعد الدرج الحلزوني.
الطابق الأول….لم يكن فيه شيء.
الطابق الثاني….لم يكن فيه شيءٌ أيضًا.
أما الطابق الثالث….حيث كان الضوء يتسلل من الداخل….فرأيتُ ظهرًا عريضًا وشعرًا ذهبيًا متألقًا يحجب ضوء الشمعة.
كان شين جالسًا إلى مكتبٍ قديم، يكتب بجنونٍ وكأن حياته تعتمد على كل كلمة.
كان صوت احتكاك قلم الحبر بالورق، مع صرير حشرات الليل، يمتزجان كأنهما مقطوعةٌ موسيقية.
اقتربتُ منه بهدوءٍ من الخلف. حتى أن ظهره بدا لي مقدسًا في تلك اللحظة.
وأخذ صوته، وهو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، يقترب أكثر فأكثر.
كان غارقًا في تركيزه إلى درجة أنه لم يشعر بي، رغم أنني أصبحتُ أقف خلفه مباشرةً وأنظر إلى سطح المكتب.
ألا تسمع دقات قلبي؟ إنها تكاد تنفجر من شدتها.
ألقيتُ نظرةً على الأوراق الممددة فوق المكتب. وكما توقعت….كانت مسودة رواية “تعاسة البارون تشيرن”.
لكن شين لم يكن يراجعها أو ينقحها. بل كان يكتبها من جديد، بجنون، سطرًا بعد سطر.
وبخط اليد الذي أعرفه جيدًا….خط الكاتبة إيفير.
وفي تلك اللحظة….تجمعت كل قطع الأحجية التي حيّرتني طويلًا دفعةً واحدة.
وكان كل شيءٍ….هادئًا.
هادئًا إلى حدٍ مخيف.
أما قلبي، الذي كان يخفق بعنفٍ قبل لحظات، فقد تجمد تمامًا.
يبدو أن الإنسان حين يُصدم إلى هذا الحد، يصبح أكثر هدوءًا.
حتى الضحكة الساخرة لم تخرج من فمي. بل شعرتُ أنه حتى لو رأيتُ شبحًا داخل هذا البرج يحذّر شين ويطلب منه أن يستدير، فلن أندهش.
أما شين….فما زال غارقًا في عالمه، لا يعلم شيئًا.
مددتُ يدي بهدوء، وأمسكتُ بيده الباردة التي كانت تمسك قلم الحبر، ثم همستُ،
“وجدتكَ.”
وفي لحظة….انقلب المشهد أمام عيني.
ارتطم كرسي بالأرض محدثًا جلبةً مدوية ملأت البرج. وحين استعادت عيناي تركيزهما، وجدتُ شين فوقي مباشرة، وخلفه السقف المرتفع المظلم.
كان قد لوى معصمه الذي أمسكته به، فاختل توازني، ثم جذبني بقوةٍ حتى سقطتُ فوق المكتب، مثبتاً جسدي في وضعٍ يجبرني على النظر إليه.
ورغم أن صوت سقوط الكرسي كان مدويًا، فإن الألم الذي شعرت به في ظهري ومؤخرة رأسي كان خفيفًا. لأن كفه الكبيرة كانت تحمي مؤخرة رأسي بين خصلات شعري.
هل أصيب بالذعر؟
كنتُ أرى انعكاسي في عينيه الغارقتين في الظلام، وكان ذلك الانعكاس يرتجف بعنف.
يبدو أن هدوئي قبل قليلٍ لم يكن سوى وهم.
والمضحك أنني ما إن أدركتُ ذلك حتى شعرتُ بالغثيان.
تجنبت النظر مباشرةً إلى عينيه، وحدقتُ عمدًا في المسافة بين حاجبيه، ثم سألته،
“يبدو أنكَ لم تتوقع أن أصل إلى هنا رغم أنني مريضة.”
“….…”
“هل بقيتَ هنا طوال اليوم؟”
“….…”
“يبدو أن مخزونكَ من الفصول قد نفذ فعلًا. فما كتبته اليوم لم يتجاوز ما كنتُ قد قرأته في المرة الماضية.”
“….…”
“لقد فزتُ.”
وكأن تلك الكلمات كانت تعويذةً سحرية….ففي اللحظة التي نطقتها فيها، هدأت أنفاس شين فجأة.
وكأنه كان يتوقع منذ زمنٍ بعيد أن يأتي اليوم الذي سأفوز فيه….وظل يهيئ نفسه لهذه اللحظة مرارًا وتكرارًا.
قناة التلجرام: https://t.me/+PE6p5xi2s882MWJk
_______________________
اوميقاااااااااااااادددد اخيراً واو يمه وش يصبرني للفصل الجاي😭😭😭😭😭😭😭😭
بس يارب ماتزعل منه او تكرهه تكفين تهاوشوا اوك بس تضحك في الاخير وتقول هاعا فزت عليك يله عطني جايزة الرهان وكذا😔
المهم طيب قاعد قريب عندها بس مايراقبها؟ حسبته بيشوفها من دريشة البرج طالعة ويطير قلبه بس يله يله ابي وجهة نظره لذا الحدث هعهعهعهعهعهعهه
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.