الفصل 79
كانوا جميعًا يرغبون في الاجتماع ومقارنة ما يعرفه كلٌ منهم، لكنهم تفرقوا في شتى الأنحاء لأسبابٍ معقدة، حتى أنهم لم يتمكنوا من توديع بعضهم بعضًا، وانقطعت أخبارهم تمامًا.
وفي خضم ذلك، حققت روايةٌ تنتهي بلمّ شمل موريا وألبرخت بنهايةٍ سعيدة نجاحًا ساحقًا في آيزار.
على الأقل، لم يكن جيد، الرفيق المختبئ في معبد إيرياس، وهو الوحيد الذي لا تزال إيلين تعرف أنه على قيد الحياة، يعلم إن كانت موريا وألبرخت قد عاشا أم ماتا!
“أريد فقط أن ألتقي بشيل إيفير، وأسألها أين يوجد بقية رفاقنا الآن، وهل ما زالوا أحياء، أم أنهم ماتوا….هذا كل ما أريده. إن كانت تعرف أي شيء، فأود سماعه.”
كان جيد قد نجح، وهو متخفٍ في هيئة كاهنٍ مبتدئ داخل معبد إيرياس، في استمالة إحدى الكاهنات التي ترافق ماريسيلا، والحصول منها على معلوماتٍ بالغة الأهمية.
بل وتمكن أيضًا من إيصال تلك المعلومات إلى إيلين سرًا، متجاوزًا رقابة المعبد.
“سأستثمر بتلك المعلومات في مشاريع السكك الحديدية وأجني المال، ثم سأنتقل إلى دولةٍ محايدة، وأبني منزلًا، وأعثر على رفاقي، ونقضي ما تبقى من حياتنا معًا في هدوء.”
قبل أن أكون شخصًا انتقل إلى هذا العالم، كنتُ معجبةً متيمةً بالروايات، ولذلك غرقتُ في ارتباكٍ شديد.
لا….يا أستاذتي الكاتبة….ما الذي أسمعه الآن؟! هل كانت تلك القصة مبنيةً على أحداثٍ حقيقية؟
“همم….إذًا لهذا السبب كنتِ تبحثين عن الكاتبة إيفير.”
وبصفتي شخصًا انتقل إلى هذا العالم، أدركتُ فورًا أن حديث إيلين يمتزج فيه الصدق بنسبةٍ كبيرة.
لكن يبدو أنها أساءت فهم تعابير وجهي، إذ وضعت يدها على صدرها، في تصرفٍ لا يشبهها، محاولةً أن تبدو أكثر صدقًا وإقناعًا.
“يجب أن أجد أي خيطٍ يقودني إلى رفاقي. إنهم بمثابة عائلتي. لذلك، مهما كان الأمر خطيرًا، فسأعثر على شيل إيفير. أرجوكِ، ثقي بي في الوقت الحالي. سأخاطر بحياتي، وأقسم أن أهب ولائي لكِ.”
ما بكِ؟ هذا ليس أسلوبكِ أصلًا.
بدلًا من مواساتها بكلماتٍ جوفاء وهي بعينين حمراوين غارقتين في الدموع، قررتُ أن أعقد معها اتفاقًا عمليًا.
“لماذا تخبرينني بكل هذا الآن فجأة؟”
“لأنني، خلال وجودي معكِ في هذا القصر، أدركتُ أن رغبتكِ في العثور على شيل إيفير صادقة. أي فتاةٍ نبيلة….ستقتحم غرفة نوم سيد الأسرة في منتصف الليل من أجل مجرد كاتبة روايات؟”
لم أتوقع أن توجه إليّ ضربةً مؤلمة كهذه فجأة.
“مهووسة؟ لا أعرف بعد معنى الكلمة التي ترددينها دائمًا، لكن.…”
“إذا أردتِ البقاء معها، فمن الأفضل أن تعتادي عليها.”
كانت تاشا قد استعادت رباطة جأشها أخيرًا، فسارعت إلى تحذير إيلين.
“على أي حال، بما أن موعد مغادرة الآنسة للقصر قد اقترب، أردتُ أن أتحدث معكِ بصراحة.”
“فهمتُ.”
“….هل ستطردينني الآن لأن مجرد وجودي قد يشكل خطرًا عليكِ؟”
نظرتُ إليها بصدقٍ وأنا أجيب،
“لا يهمني أي ماضٍ تحملينه، ما دمتِ غير متورطةٍ مع العائلة المالكة الحالية في آيزار.”
“أقسم بحياتي أنني لستُ كذلك.”
“أنا أحب الأشخاص الذين يجيدون عملهم ويحفظون الأسرار. وإذا استطعتِ إثبات صحة كلامكِ، فلا مانع لديّ من بقائكِ إلى جانبي.”
وفي الحقيقة، كان هذا في مصلحتي أيضًا، فقد اكتشفتُ أن شبكة معارف إيلين أوسع بكثيرٍ مما توقعتُ.
سأحسن استغلال ذلك، وأستخرج منها ما أستطيع من معلومات.
“سنعيد تعديل العقد عندما نعود. وأظنكِ تفهمين ما أقصده.”
تنحنحتُ بسبب التهاب حلقي، ثم تابعتُ بهدوء،
“فلو انكشف أن الابنة الوحيدة لدوقية لُوار تؤوي أخطر مطلوبةٍ في ديهاتي، فلن يكفي حتى موتكِ لإخماد الفضيحة.”
“….نعم، بالطبع. لكنني آمل أن تحرصي أيضًا على منحي أجرًا جيدًا.”
يا للراحة….يبدو أنها لم تفقد صوابها تمامًا.
رغم أنها لم تستطع حتى البكاء بصوتٍ مرتفع، فإنها ما زالت تتحدث عن المال، وهذا وحده طمأنني.
وبعد أن استعادت هدوءها، غادرت إيلين بهدوءٍ قائلةً أنها ستتفقد مخزن الأدوات الزراعية والبرج الذي يستريح فيه الحراس أثناء نوبات عملهم.
“آنستي….هل تثقين بتلك المرأة؟”
سألت تاشا بحذر.
“سواءً وثقتُ بها أم لا، فلن أخسر شيئًا….على الأقل في الوقت الحالي.”
أغمضتُ عيني ببطء، محاولةً تهدئة الصدمة التي ما زالت تعصف بي، ثم أجبتها بهدوء.
“كما قلتُ لكِ من قبل، استمري في مراقبة إيلين. وإذا قامت بأي تصرفٍ مريب، فأبلغيني فورًا.”
وصلني صوت تاشا وهي تؤكد أنها فهمت.
ولا أدري لماذا، لكن إرهاقًا شديدًا اجتاحني فجأة، فانزلقتُ دون أن أشعر إلى نومٍ عميق.
***
صرير… صرير…
تسلل صوت ألواح الممر وهي تئن ببطءٍ عبر شق الباب.
هل سأُصاب بشلل النوم مرةً أخرى؟
استمعتُ بشرود إلى وقع خطواتٍ خفيفة وبطيئة، كأنها قادمة من حلم.
رفرفت جفوني المثقلتين بحرارة الحمى التي لم تختفِ تمامًا، ثم غلبني النعاس من جديد.
وعندما أيقظتني تاشا، كان الصباح قد أشرق تمامًا.
‘إنني أتصرف في بيت غيري وكأنني تخلّيتُ عن كل ذرة حياء.’
تجاهلت ما تبقى من آثار الزكام، ونهضتُ أطلب منها أن تساعدني في التجهز.
وكانت تاشا، التي أصبحت الآن على ألفةٍ لا بأس بها مع خادمات أوريلرنو، تتبادل معهن الأحاديث المرحة بينما كن يحضرن ماء الغسل.
حتى وأنا أنهض من المرض، كنتُ أبحث عن شين. وكنتُ آمل في أعماقي أن يأتي لرؤيتي….
لكن كبيرة الخادمات أخبرتني بلطفٍ أن سيدها غادر إلى مكتبه منذ الصباح الباكر بسبب ارتباطاتٍ خارجية اليوم.
‘ألم تقل أنكَ تحبني؟!’
أليس من القسوة ألا تأتي حتى لتراني وأنا طريحة الفراش؟
بالأمس فقط….كنتَ تحتضنني وكأن حبكَ لي حقيقةٌ لا تقبل الشك….
وما إن تذكرتُ حضنه الصلب وشفتيه المطبقتين بإحكام، حتى شعرتُ وكأن الحرارة التي انخفضت قليلًا قد اشتعلت من جديد، وسرى الدم الساخن في جسدي من أطراف قدمي حتى رأسي.
شعرتُ بالحرج، فتماسكت بصعوبةٍ وجلستُ على الأريكة، أفكر في صاحب هذا القصر الذي اختفى بسرعةٍ مستغلًا مرضي.
‘ماذا لو ذهب شين للقاء الكاتبة؟’
لم يعد هناك وقت، فازداد قلقي.
وفي النهاية، وصلتُ إلى استنتاج أن شين، بحجة أن اليوم هو آخر يومٍ في الرهان، قد لا يعود إلى القصر إطلاقًا.
ولهذا قررتُ أن أفاجئ ذلك الثعلب الذهبي، الذي يظن أنني سأبقى مستلقيةً في القصر بسبب مرضي، مفاجأةً لن يتوقعها.
تجاهلتُ نظرات تاشا المصدومة وقلقها، و واصلتُ تجهيز نفسي للخروج بصمت.
“ستفقدين حياتكِ بسبب شيل إيفير! كان يكفي أن تطلبي مني الذهاب والتأكد بنفسي، فلماذا تصرين على الذهاب وأنتِ مريضة؟”
“لأنني أشعر بالاختناق. وحتى لو ذهبتِ وحدكِ، فلن تتمكني من فعل شيء. مجرد الذهاب والإياب بين القصر والمكتب سيستغرق وقتًا طويلًا.”
“وأنا أيضًا أكاد أختنق!”
وفي تلك اللحظة….
هل ضاق صدر ذلك الكائن المتجاوز الذي ألقى بي في هذا العالم إلى درجة أنه استعار فم تاشا ليتحدث؟
فما إن صاحت تاشا بجملتها التالية بيأس، حتى داهمني إدراكٌ لا يُصدق، وتجمدتُ في مكاني كما تتجمد المحاصيل التي ضربها صقيع السحر الأسود الذي أطلقته فيفيان.
‘أي كاتبٍ في الدنيا سيرضى أن يرى قارئته التي يحبها تعاني هكذا وهي مريضة؟!’
….صحيح. أنتَ تحبني.
وانبعث من أعماق ذاكرتي صوتٌ كان مطمورًا في مكانٍ بعيد. ذلك اليوم….يوم حادث العربة. تذكرتُ صوته وهو يناديني بيأس.
وفي لحظة، مرت أمام عيني كل تصرفاته غير العقلانية التي ارتكبها لأنه يحبني.
أجل….ليس من الممكن أن يتركني، هو بالذات، المرأة التي يحبها وهي مريضة، ثم يخرج مطمئنًا يتجول في الخارج.
كيف يمكن لمن يحبني أن يتركني وأنا مريضةٌ ويرحل؟
دوّى صوت ساعة الحائط في الغرفة كالرعد.
انتفضتُ مذعورة، وصرختُ في داخلي، ثم نهضتُ من أمام منضدة الزينة دفعةً واحدة.
إنه هنا! ذلك الثعلب الذهبي الماكر لم يغادر محيط القصر!
“إيلين، هل يمكنكِ التأكد مما إذا كانت عربة الماركيز ما تزال داخل القصر؟”
“ليست موجودةً بالتأكيد.”
أجابت إيلين فورًا، رغم سؤالي المفاجئ.
“في مستودع العربات كانت هناك عربتان، وإحداهما غير موجودة. إنها العربة التي يستخدمها الماركيز أوريلنو عادة. وبينما كنتُ أساعد في إعداد الطعام، ألقيتُ نظرةً سريعة على المكان، وكعادتي تحققتُ أيضًا من عدد الخيول الموجودة في الإسطبل.”
ممتاز….إنها سريعة.
صفقتُ بيدي مرةً واحدة، ثم سألتُ من جديد،
“حسنًا، لنتخيل الأمر. ما احتمال أن يكون الماركيز أوريلنو قد طلب سرًا من السائق أن يرسل العربة فارغةً إلى المكتب؟”
“ولماذا قد يفعل الماركيز شيئًا كهذا؟”
وبينما كنتُ أتنقل في غرفة الضيوف ذهابًا وإيابًا، أطرح أسئلةً تبدو بلا ترتيب، راحتا كلٌ من تاشا وإيلين تغرقان في أفكارهما، أما أنا فواصلتُ طرح الأسئلة دون توقف.
“ما المكان الذي قد نظن جميعًا أن سيد الأسرة يستحيل أن يختبئ فيه؟”
________________________
ويتتتتت ليه قارنت انه كاتبه تخب قارئتها؟! يومه شكلها استوعبت يس قوه ركض لشين!
ورعي صدق شكله ما خلاها فوق ذاه يومها تسم صوت مشي وهي تص راقده شكله شين جاي يتطمن😘
المهم اكثر شي ضحكني مع بكى ايلين وقصتها والصدمات ريتا مصدومه ان شيل ناقله قصة حقيقية مب مألفة😭😭😭😭😭😭😭
Dana
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.